26 أكتوبر,2020

النظم القرآني, إلهي أم بشري

اطبع المقالة اطبع المقالة

النظم القرآني, إلهي أم بشري

 

بعث الله سبحانه وتعالى النبي الأكرم محمد(ص)، وزوده بمعاجز تبرهن على صدق دعوته، فأعطاه معاجز بعضها زمانية تختص بزمان حياته كشق القمر، وقصة الجذع، وحادثة الإسراء والمعراج، وغيرها. وبعضها امتدادية تستمر ما بقيت السماوات الأرض معجزة خالدة حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو القرآن الكريم.

 

وقد تعددت البحوث حول القرآن الكريم، واتخذت أشكالاً مختلفة، فوقع البحث عن سر إعجازه، وما هو، وذكرت أجوبة متعددة لذلك.

كما وقع البحث في من تولى صياغته، وأنه نزل بهذه الكيفية من السماء، أم أن هناك من تصدى لصياغته وعرضه بهذه الطريقة، بعد الاتفاق على أن أصله من الله سبحانه وتعالى.

 

المحتملات في الألفاظ القرآنية:

وقد تضمنت كلمات الباحثين مجموعة من الاحتمالات في الألفاظ القرآنية، وهي لا تخرج عن ثلاثة، فإما أن تكون صادرة عن الله سبحانه وتعالى، وإما أن تكون صادرة عن الأمين جبرئيل(ع)، وإما أن تكون صادرة عن النبي محمد(ص). وهذا ما يلحظه كل من يعود إلى كلماتهم:

 

وقد أختار الاحتمال الأول السيد العلامة الطباطبائي(ره) في الميزان، وقرر أن القرآن الكريم بمجموعه من الألفاظ والكلمات والجمل والمعاني والمعارف السامية هو من عند الله سبحانه وتعالى، وقد تلقاها الرسول(ص) بأجمعها من الله عز وجل، ونقلها إلى الناس بتمامها دون أن يكون له أدنى تدخل في تلك المعاني والألفاظ[1].

 

ولم أقف على من قال بالاحتمال الثاني، نعم قد افترضه الزركشي في كتابه، فذكر أن النازل من السماء هو خصوص المعاني والمعارف القرآنية السماوية، ثم تصدى لصياغة ألفاظها وكلماتها الأمين جيرئيل(ع)، قبل إنزالها على قلب النبي(ص)، ثم قام بعد ذلك بإنزالها عليه[2].

 

وأما الاحتمال الثالث، فقد ذكر افتراضاً في كلام السيد العلامة الطباطبائي(ره)، وغيره، لكن بصياغة مختلفة، فهنا صياغتان:

الأولى: ما تضمنها كلام السيد العلامة(ره)، وحاصلها: أن ما نزل على النبي محمد(ص) لم يكن إلا خصوص المعاني والمعارف القرآنية السماوية، ثم قام النبي(ص) بصياغة تلك المعاني والمعارف وصبها في قوالبها اللفظية، ورتبها في سياق الكلمات والجمل، ثم قام بنقلها إلى الناس[3].

 

الثانية: ما تضمنها كلام بعض الباحثين المعاصرين(حفظه الله)، من أن الذي نزل على النبي(ص) ليس إلا الألفاظ والكلمات والجمل، وقد توصل النبي(ص) من خلالها إلى معانيها ومعارفها السامية[4].

وقد استسخف السيد العلامة(ره) هذا الاحتمال، فقال: وأسخف منه قول من قال: إن القرآن بلفظه ومعناه من منشآت النبي(ص)، ألقته مرتبة من نفسه الشريفة تسمى الروح الأمين إلى مرتبة منها تسمى القلب[5].

ولم يحظ من المحتملات الثلاثة المتقدمة بالبحث العلمي، إلا خصوص الاحتمالين الأول والثاني، ولم يلق الثالث منها مقبولية في الأوساط العلمية، نعم قد ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الكلمات التي تدعيه، وتسعى لإثباته.

 

والظاهر أن المسلمين متفقون على الاحتمال الأول، فإنه لم يوجد في كلماتهم ما يشير إلى خلاف ذلك، بل هم مطبقون عليه. فإن المعروف بينهم أن الوحي السماوي قائم على أساس أن القرآن الكريم بجميع ما فيه من المعارف السامية، والمضامين الإلهية المسبوكة في قوالبه اللفظية، وجمله وتراكيبه، قد نزل على النبي الكريم محمد(ص)، كما هو، وقام النبي(ص) بدور الوسيط بين خالق الكون والبشر باستلام هذه الرسالة الإلهية، وإبلاغها إلى الناس من دون أي زيادة أو نقيصة.

 

أدلة سماوية الألفاظ والمعاني:

وقد استدل المسلمون على صحة ما تبنوه والتـزموا به بجملة من الأدلة والبراهين المؤيدة بالقرآن الكريم نفسه، خصوصاً وأن المسلمين قد تلقوه بأنه من ضروريات الدين، وعليه كثير من المفكرين:

منها: الآيات القرآنية، وهي على ثلاث طوائف:

الأولى: الآيات التي تضمنت صراحة أن الألفاظ القرآنية ألفاظ سماوية، وأنها بأكملها وكما هي نازلة من السماء على النبي محمد(ص)، وكذا نصه العربي، مثل قوله تعالى:- (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون* وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم)[6]، وقوله تعالى:- (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)[7]، وقال عز من قائل:- (ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين)[8]، فقد تضمنت الآيات المذكورة نسبة تركيبة القرآن الكريم وألفاظه العربية إلى الله سبحانه وتعالى صراحة ، ومن الواضح أن اللسان والعربية لا ربط لهما بالمضمون أبداً، لأنهما من أوصاف الألفاظ والبنية الظاهرية للنص.

 

الثانية: الآيات التي دلت بشكل صريح وواضح على أن النبي(ص) لم يتدخل في صياغة القرآن الكريم، وإنما كان يتبع ما يلقى إليه من الوحي الإلهي، ثم يلقيه إلى الناس، فلاحظ قوله تعالى:- (قال الذين لا يرجون لقاءنا آئت بقرءان غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلا ما يوحى إلي)[9]، وقال سبحانه:- (وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى)[10]، وقال عز من قائل:- (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً)[11].

 

الثالثة: الآيات التي صرحت بقراءة القرآن الكريم وتلاوته وإلقائه على النبي الأكرم محمد(ص)، مثل قوله تعالى:- (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القراءة جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً)[12]، وكذا قوله تعالى:- (إن علينا جمعه وقراءنه* فإذا قرآناه فاتبع قرءانه)[13]، وأيضاً قوله سبحانه:- (إنا سنلقي عليك ولاً ثقيلاً)[14].

 

ومن الواضح عود الترتيل والقراءة وإلقاء القول إلى الألفاظ والعبارات.

وبملاحظة طوائف الآيات الثلاث لا يبقى مجال للترديد في ألفاظ القرآن الكريم وتركيبته الظاهرية وأسلوبه البياني، كمضمونه ومحتواه السامي، ومعارفه الساطعة، وأنها قد نزلت من عند الله سبحانه وتعالى، ولم يكن دور الأمين جبرئيل(ع)، إلا واسطة في الإيصال، كما لم يكن دور النبي الأكرم محمد(ص) إلا واسطة في التبليغ.

 

ومنها: إن الجزء الأعظم من إعجاز القرآن الكريم راجع إلى بنيته الظاهرية، وأسلوبه البديع، والذي ينفرد به في بابه، فإن بلاغته وفصاحته التي عدّت من الوجوه الإعجازية ناظرة إلى تركيبته الظاهرية، وإن رسالته في التحدي والتي طالب الجميع أن يعارضوها، وعجزوا، إنما ترمي إلى الإتيان بمثل قالبه اللفظي.

وإن عجز المشركين وهم أهل البلاغة والفصاحة أن يعارضوه، شاهد حق على أن البنية الظاهرية للقرآن والأسلوب البياني من عند الباري سبحانه وتعالى.

 

ومنها: التصريح الوارد في القرآن الكريم بأنه كلام الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:- (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله)[15]. ومن المعلوم أنه إنما يصح نسبة الكلام إلى قائله إذا كان له دور أساس في اختيار وتنظيم الكلام وصياغة جمله وتراكيبه. أما لو قام بمجرد تلقين المفاهيم إلى شخص، وقام ذلك الشخص بصب تلك المفاهيم في قوالب لفظية أختارها بنفسه، فلن يكون الكلام منسوباً للملقن، وإنما ينسب لمن صاغ الألفاظ وصبها في قوالبها.

 

ومنها: إن القدرة البشرية دون أن تقدر على صياغة المعارف والحقائق التي احتواها القرآن الكريم وجاء بها، وهذا ما صرح به القرآن حكاية عن النبي(ص)، عندما أخبر بأنه بشر يتلقى الوحي من السماء، فإنه يشير إلى أن ما يلقيه إلى قومه ليس من صنعه، لأنه دون أن يقوم بذلك، قال تعالى:- (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد)[16]، وقد أشار القرآن الكريم إلى ثقل ما يلقى على النبي(ص) من الوحي من خلال قوله تعالى:- (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)[17].

 

ومنها: الاختلاف الواضح لكل أحد بين تركيبة النص القرآني الظاهري والكلمات والأحاديث المروية عن النبي الأكرم محمد(ص)، ولو كان الأثنان من واحد لأعترضه العرب المعاصرون له، خصوصاً وأنه جاءهم متحدياً.

 

ومنها: اعتراف بلغاء العرب بأن ألفاظ القرآن الكريم وتراكيبه سماوية، وليست بشرية، فهذا الوليد بن المغيرة، يصف القرآن الكريم فيقول: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى عليه[18].

 

وقريب من ذلك أيضاً ما صدر عن عتبة بن ربيعة، فإنه بعدما سمع شيئاً من القرآن الكريم، قرأه عليه النبي(ص)، عاد إلى قومه، وقال لهم: إني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه[19].

كما أن القرآن الكريم قد ترك تأثيراً عظيماً جداً على أهل المدينة بمجرد أن سمعوه من النبي(ص)، في القصة المعروفة.

والحاصل، إن الحالة التي تعامل بها بلغاء العرب، وفصحائهم مع آيات القرآن الكريم تحول دون القبول بأنه من صنع بشر، أو أن للبشر يداً فيه من قريب أو بعيد.

 

بشرية القرآن الكريم:

ويذهب أصحاب هذا الرأي أعني بشرية القرآن الكريم، إلى أن النازل من السماء على النبي(ص) هو خصوص المعارف والمضامين القرآنية العميقة، وقد تصدى رسول الله(ص) بعد ذلك إلى إيجادها في القوالب اللفظية.

ولعل أول من قال بذلك هو ابن كلاب في القرن الثالث الهجري، وهو أشعري المذهب، وتبن مختارهم في صفة الكلام، من أنه من صفات الذات، وأنه قديم بقدمها، وليس مخلوقاً، وقد قرر بالنسبة للقرآن الكريم أن كلام الله تعالى لم يتم تدوينه في مصحف وكتاب، واستدل لذلك بأن الرسم والتعبير العربي أو العبري لكلام الله مغاير لعين كلام الله، وأن القرآن الكريم رسم وتعبير عربي لكلام الله، وليس عينه.

 

وقد أدت محدودية الكلام العربي إلى محدودية كلام الله أثناء نزوله، مما طبعه بصبغة بشرية، ومن هنا لا يمكن الاعتقاد بأن القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى[20].

ومع أن هذه الرؤية منه لم تلق قبولاً ورواجاً بين العلماء في تلك الحقبة من الزمن، فتمت مواجهتها بشدة، إلا أنها لم تعدم، بل بقيت تذكر في مجال البحث العلمي، مع كونها رؤية نادرة. نعم تم تبنيها في فترات زمنية متأخرة من أصحاب حركة الإصلاح الديني في شبه القارة الهندية، كالسيد علي أمير الهندي، وسير سيد أحمد خان الهندي، وشاه ولي الله الدهلوي.

 

وهي الرؤية المتبناة اليوم لجملة من الكتاب الحداثيـين كنصر حامد أبو زيد المصري، وغيره أيضاً[21].

ولم يقم القائلون بهذا النظرية لا بالأمس ولا اليوم دليلاً وبرهاناً واحداً يمكن التعويل عليه في مقام إثباتها، ما جلعها لا تخرج عن مجرد احتمال متصور يمكن ذكره عند تعداد المحتملات المتصورة في المقام. نعم تمسكوا بظواهر بعض الآيات التي قد توحي بما ذكروه، مثل قوله تعالى:- (نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين)[22]، وكذا قوله سبحانه:- (قل من كان عدواً لجبرئيل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله)[23]. لأن إنزال شيء على القلب وإدخاله فيه لا يحتاج استخدام القوالب اللفظي التعبيرية، لأنه إنما يصار إلى ذلك من أجل إيصالها إلى الإذن وهي إحدى الحواس الظاهرية للإنسان.

 

ويجاب عن ذلك، بأنه لا توجد أية منافاة بين سماوية القرآن الكريم وعباراته، والبنية العربية له، وبين نزوله على قلب النبي الكريم محمد(ص)، وذلك لاتفاق الجميع والقرآن الكريم أيضاً على أن نزول الوحي ليس مسألة مادية أو مسألة حسية، بحيث يتصور أن نزوله كان بأدوات حسية متعارفة كالفم واللسان من قبل المتكلم، والأذن من ناحية السامع، بل هو من مقولة العلم الحضوري، وكذلك قوالبه وتركيباته الظاهرية يمكن أن تكون من مقولة العلم الحضوري أيضاً. ويؤكد ما ذكرناه أنه سبحانه وتعالى قد أعقب إخباره بنـزول القرآن الكريم على قلب النبي(ص)، بقوله تعالى:- (بلسان عربي مبين)[24].

 

والتفكيك بينهما بأن يكون الوحي من مقولة العلم الحضوري، وقوالبه والبنية الظاهرية لتحققه من نوع الأدوات التي يتم توظيفها في العلم الحصولي، غير مقبول.

والحاصل، لن تكون هناك أية منافاة بين الآيات القرآنية التي تعرف قلب النبي(ص) بوصفه محلاً لنـزول الوحي، والآيات التي تثبت سماوية الألفاظ القرآنية، لأنها جميعها تكمل بعضها بعضاً.

وقد أشار إلى هذا المعنى السيد الطباطبائي(ره)، حيث ذكر أن معنى نزول القرآن على قلب النبي(ص)، يشير إلى كيفية تلقي الوحي، وأن ذلك كان يتم من قبل نفسه الشريفة دون تدخل من النبي(ص)، فقد كان النبي(ص) يرى ملك الوحي ويسمع كلامه دون أن يستخدم في هذه الرؤية والسماع السمع والنظر وحواسه الظاهرية[25].

 

وبالجملة، إن الآيتين التي تضمنتا نزول القرآن على قلب النبي(ص)، لا تصلحان شاهداً ودليلاً للرؤية المذكورة في إثبات بشرية القرآن الكريم في ألفاظه وصياغته.

وكيف ما كان، فإن ملاحظة ما ذكر برهاناً لإثبات الرأي المشهور بين المسلمين، وأن القرآن بالهيئة التي هو عليها اليوم، قد نزل من السماء من عند الله تعالى، ولم يكن دور الأمين جبرئيل(ع) إلا واسطة في إيصاله من الباري سبحانه وتعالى إلى نبيه(ص)، ولم يتدخل في شيء منه، كما أن دور النبي الأكرم محمد(ص) قد انحصر في تبليغه للأمة كما أنزل عليه من دون تصرف فيه، وبيانه وإيضاحه بعد وصوله للناس كما هو، كافٍ لإثبات بطلان هذه الرؤية، وعدم تماميتها[26].

وربما جعل أحد اللوازم الباطلة للنظرية المذكورة إمكانية تطرق الخطأ للوحي، المانع من الاستناد إليه[27]. ويدفعه، أن بعض القائلين بهذه النظرية على ما يبدو لم ينف العصمة عن النبي(ص)، وهذا يمنع من تطرق الخطأ لما يصدر عنه.

 

ومثل ذلك الاستدلال لبطلان النظرية المذكورة بالآيات القرآنية التي تضمنت نزول القرآن الكريم من الله سبحانه وتعالى، مثل قوله تعالى:- (إنا أنزلناه في ليلة القدر)[28]، وقوله تعالى:- (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) ، وقوله سبحانه:- (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) ، على أساس أنها لا تنسجم مع كون القرآن منبثقاً عن النبي(ص)، لأنه لا يعقل أن يتصدى رسول الله(ص)، لأمر نفسه أو تهديدها[29]. لأن القائل بنظرية بشرية القرآن لا يدعي أن تمام القرآن من النبي(ص)، حتى يعارض هذه الآيات، بل هو يقرر أن أصل المعارف والحقائق القرآنية نازلة من الله سبحانه وتعالى على قلب النبي(ص)، وإنما دوره(ص) القيام بصياغتها وتقديمها في هذه القوالب اللفظية، وعليه يكون المقصود من الإنزال والنزول في هذه الآيات هو نزول الحقائق والمعارف القرآنية الأصل، وليس الألفاظ والبنية العربية لها.

 

ومنه أيضاً يتضح الجواب عن النقض على النظرية المذكورة بالأوامر التي تضمنتها الآيات القرآنية، ويبلغ عددها قريباً من ثلاثمائة مورد جاءت في القرآن الكريم، وقد جاء بعضها بكلمة(قل)، لأنه لا يتصور أن يصدر شخص عاقل الأمر لنفسه، فضلاً عن أن يستخدم مثل هذا الأسلوب مع نفسه، ويخاطبها بقوله: قل[30].

وربما كان منشأ هذه الدعوة المذكورة لبشرية القرآن راجعاً لتفسير ظاهرة الوحي، فإن البعض قد يفسره على أساس التجربة الدينية، أو استناداً إلى نظرية النبوغ، أو الوحي النفسي، أو غير ذلك، وهذا ما أوجب القول بأن القرآن الكريم بشري الألفاظ.

 

نظرية التجربة الدينية:

وهي ما أختاره بعض فلاسفة الغرب، وتأثر بهم بعض الباحثين من المسلمين، وتعتبر النظرية المذكورة حصيلة ردة فعل من المجتمع الغربي تجاه الكنيسة، والعمد إلى سلب السلطة منها، والقول بإمكانية فهم الدين لكل أحد حسب ظنونه وآرائه وأنه لا توجد مسلمات ثابتة، يقوّم الأفراد أفكارهم ومعتقداتهم على وفقها.

 

وكيف ما كان، فقد فسروا الوحي بالتجربة الشخصية، وقد يعبر عنها بالتجربة الدينية، وهي تقوم على عنصرين:

الأول: النبوغ الذاتي.

الثاني: التجربة الاجتماعية التي يخوضها الإنسان في حياته.

 

وقد فسروا الوحي في النصوص الدينية بالتجربة التي يحصل عليها الأنبياء نتيجة التفكر والرياضة وحوادث الزمان والمكان. ولهذا قالوا بأن الكتب السماوية ما هي إلا أسفار الأنبياء التي تحكم تجاربهم، وتؤثر ثقافة صاحب التجربة المتأثرة بثقافة عصره، ونفسيته عليها[31].

وأرجع بعضهم الوحي إلى الخيال الشخصي للنبي، فقال: إن النبي في تجربته الدينية يرى وكأن شخصاً يحضر عنده ويحدثه في أذنه وقلبه بمضمون الرسالة السماوية، ويكلفه بإبلاغ التعاليم والأوامر الإلهية للناس، ويحصل للنبي علم يقيني بهذا الأمر بحيث يشعر بالاطمئنان القلبي والشجاعة التامة التي تدفعه إلى تحمل مختلف أنحاء العناء في سبيل هذا الهدف، وهذا هو ما يشكل جوهرة النبوة[32].

وقد واجه أصحاب هذه النظرية مشكلة عدم التفريق بين هذه النظرية وبين تجربة الصوفية من الهنود، ولهذا قالوا أن الفرق بينهما في أن النبي(ص)، قد صعد إلى المعراج ورجع.

 

واختار بعضهم عدم وجود فرق بين التجربتين، بل إن تجربة الصوفيـين هي عين الوحي، وهي حق ولا تقل عن الوحي في شيء، نعم فرق بينهما بأن إحداهما وحي القلب والأخرى ليست كذلك.

وقد أشار بعضهم إلى هذا عندما ذكر أن الوحي ذو مراتب عديدة، فله مرتبة سفلى وله مرتبة عليا، وقد يصاب بالعصمة فيما لا يكون كذلك في أحيان أخرى[33].

ولا يذهب عليك أنه يمكن إرجاع النظرية المذكورة إلى شيء من النظريات الثلاث المتقدمة، فلا تعّد نظرية قسيمة إليها، لأنها تتداخل كثيراً مع نظرية النبوغ، كما أن نظرية الوحي النفسي وظهور الشخصية الباطنة واضحة فيها، وهذا يغني عن التعرض لبيان مكامن الخطأ والاشتباه فيها، بملاحظة ما تقدم من الإجابة. لكنه وتتميماً للفائدة نشير لبعض الملاحظات عليها.

 

وأول ملاحظة على النظرية المذكورة تكذيبها الصريح للقرآن الكريم، فإن الله سبحانه وتعالى يقول:- (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)[34]، ويقول تعالى:- (لا تحرك به لسانك لتعجل به* إن علينا جمع وقراءنه* فإذا قرأناه فاتبع قرآنه)[35]وغيرها من الآيات القرآنية الأخرى الدالة على نفس المعنى.

 

ثانياً: إن ما نقله المؤرخون من حالات الانتظار والترقب التي كانت تصدر من النبي(ص) في نزول الوحي لإبداء الرأي والحكم في بعض الأحداث والمواقف، شاهد على بطلان النظرية المذكورة، وأن الوحي كان من السماء، وليس نتاجاً لتجربة النبي(ص).

ثالثاً: من المعلوم أن التجربة البشرية قابلة للخطأ والاشتباه، وهذا مدعاة أن يحصل التغير والتبدل فيها، وهذا ما يكذبه الواقع الخارجي، فإنه طيلة مدة بعثة البي(ص) لم يصدر ما يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد.

 

 

 

[1] المصدر السابق.

[2] البرهان في علوم القرآن ج 1 ص 291.

[3] الميزان في تفسير القرآن ج 15 ص 317.

[4] افترضه الشيخ محمد تقي مصباح يزدي قرآن شناسي ج 1 ص 93.

[5] الميزان في تفسير القرآن ج 15 ص 317.

[6] سورة الزخرف الآيتان رقم 3-4.

[7] سورة يوسف الآية رقم 12.

[8] سورة الأحقاف الآية رقم 12.

[9] سورة يونس الآية رقم 15.

[10] سورة النجم الآيتان 3-4.

[11] سورة الكهف الآية رقم 27.

[12] سورة الفرقان الآية رقم 32.

[13] سورة القيامة الآيتان رقم 17-18.

[14] سورة المزمل الآية رقم 5.

[15] سورة التوبة الآية رقم 6.

[16] سورة الكهف الآية رقم 110.

[17] سورة المزمل الآية رقم 5.

[18] مجمع البيان ج 5 ص 387.

[19] السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 293-294.

[20] هرمونتيك كتاب وسنت ص 126 لمحمد مهدي شبستري.

[21] هذا هو مختار الدكتور عبد الكريم سروش لأنه يقرر أن الوحي إنما هو نتيجة التجربة الدينية، أو الوحي النفسي، وهذا يستلزم البناء على أن القرآن بشري الألفاظ، وكذلك يختار ذلك أيضاً مجتهد سبستري.

[22] سورة الشعراء الآيتان رقم 193-194.

[23] سورة البقرة الآية رقم 98.

[24] سورة الشعراء الآية رقم 195.

[25] المزان في تفسير القرآن ج 15 ص 317.

[26] مجلة نصوص معاصرة العدد 15-16 ص 102-112(بتصرف)

[27] المصدر السابق ص 143.

[28] سورة القدر الآية رقم 1.

[29] مجلة نصوص معاصرة العدد 15-16 ص 98.

[30] المصدر السابق.

[31] معنى المتن لحامد أبو زيد ص 521، الإيمان والحرية لمجتهد شبستري ص 118-119.

[32] بسط التجربة النبوية لعبد الكريم سروش ص 11-17.

[33] بين الطريق المستقيم والطرق المستقيمة لعبد الكريم سروش ص 7.

[34] سورة يوسف الآية رقم 2.

[35] سورة القيامة الآيات رقم 16-18.