25 أكتوبر,2020

طهارة الإنسان(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

طهارة الإنسان(1)

 

يعتبر الكفر موضوعاً لمجموعة من الأحكام الشرعية التي يتوقف ثبوتها على انتفائه، ويعدّ وجوده مانعاً من وجودها، كالميراث، وحلية الذبيحة، وجواز التزويج، والطهارة، وغير ذلك، فلو مات شخص رجلاً كان أو امرأة، وترك ولداً أو أولاداً، وكان الولد، أو أحد الأبناء كافراً، لم يستحق شيئاً مما تركه المتوفى، وكان كفره مانعاً من إعطائه شيئاً من الميراث، من دون فرق بين انحصار الإرث فيه، أم كان معه ورثة آخرون.

 

ولو ذبح الكافر ذبيحة منع ذلك من حليتها، فلا يجوز للمسلم تناول شيء منها، ويتعامل معها معاملة الميتة.

ولا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج من رجل كافر، لأن كفره يعدّ مانعاً من تزويجه.

 

ويبنى على نجاسة كل شيء مسه الكافر برطوبة مسرية، فلو مس ثوباً لم تصح الصلاة فيه لاعتبار الطهارة في لباس المصلي، كما أنه لو مس مكاناً لم تصح الصلاة فيه أيضاً لاعتبار الطهارة في مكان المصلي وهكذا.

 

تعريف الكافر:

وقد عرف الكافر الذي يعد موضوعاً لمجموعة من الأحكام الشرعية كما سمعت، في كلام صاحب العروة(ره)، بأنه: من كان منكراً للألوهية أو التوحيد، أو الرسالة، أو ضرورياً من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضرورياً بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة.

 

وقد تضمن كلامه(ره) ذكر مصاديق أربعة لمفهوم الكافر:

الأول: الملحد، وهو الذي أشار إليه، بإنكار الألوهية، فإن المقصود منه من ينكر وجود خالق لهذا الكون، ويشمل اللأدري أيضاً، وكذا المرتد بقسميه، الملي والفطري.

الثاني: المشرك، وهو الذي يعترف بوجود الله سبحانه وتعالى إلا أنه يجعل له شركاء مثل كفار مكة، فإنهم كانوا يدينون بوجود الله سبحانه وتعالى، إلا أنهم كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم لله سبحانه وتعالى زلفى.

الثالث: من ينكر نبوة النبي الأكرم محمد(ص)، فيدخل فيه بعض أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسالته(ص)، وكذبوه.

الرابع: من أنكر ضرورياً من ضروريات الدين، مع الالتفات إلى كونه ضرورياً من ضرورياته بغرض تكذيب النبي الأكرم محمد(ص)، وهو بهذا يفرق بين نحوين من أنحاء إنكار الضروري، فيكون الأول منهما موجباً للكفر دون الثاني، توضيح ذلك:

 

تارة ينكر المكلف وجوب الخمس والذي يعدّ من ضروريات الدين، تكذيباً للنبي الكريم محمد(ص)، وأخرى ينكر وجوبه، إما لعدم توفر المقتضي عليه، وهو الدليل، أو بسبب وجود المانع الذي يشير لكون وجوبه قد نسخ مثلاً.

ولا ريب في أن إنكار الثاني لا يعود لتكذيب النبي محمد(ص)، لأن المفروض أن المنكر يدين برسالته(ص)، عمدة ما كان، هو ينكر وجوب الخمس لشبهة عدم الدليل عليه مثلاً، أو لأنه قد نسخ، بخلاف الأول منهما، فإن إنكاره لوجوبه يعود لتكذيب النبي(ص)، وهذا هو المصداق الرابع من المصاديق التي ذكرها سيد العروة(ره) لمفهوم الكافر.

 

ولا يذهب عليك أن المستفاد من كلامه(ره) أن الإسلام يتقوم بأصلين لا ثالث لهما، وهما التوحيد والنبوة، فيحكم بإسلام كل من شهد لله سبحانه وتعالى بالوحدانية، وأقر لمحمد(ص) بالنبوة والرسالة.

ويدل على ذلك مجموعة من النصوص:

 

منها: معتبرة سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله(ع): أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال: إن الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله(ص)، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس[1].

وهي صريحة في أن قوامة الإسلام بالإقرار والإذعان بالشهادتين، ولا يعتبر شيء آخر كالإقرار بالمعاد.

 

ومنها: ما رواه محمد بن سالم عن أبي جعفر(ع)-في حديث-: ثم بعث الله محمداً(ص) وهو بمكة عشر سنين، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً(ص) رسول الله إلا أدخله الله الجنة بإقراره، وهو إيمان التصديق، ولم يعذب الله أحداً ممن مات وهو متبع لمحمد(ص) على ذلك إلا من أشرك بالرحمان[2].

ومنها: ما رواه جميل بن دراج، قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن الإيمان، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله[3].

 

كلام بعض الأعاظم:

وقد أضاف بعض الأعاظم(ره) مصداقاً خامساً، لمفهوم الكافر، وهو من أنكر المعاد يوم القيامة، لأنه جعل الإسلام يتقوم بأمور ثلاثة، فلا يكون الإنسان مسلماً حتى يقر بها، وهي: التوحيد، ونبوة النبي محمد(ص)، والمعاد يوم القيامة، ولذا من أنكر المعاد يوم القيامة، ولم يؤمن به، فهو كافر.

 

وقد تمسك لمدعاه بالآيات القرآنية التي قرنت بين الإيمان بالله سبحانه، والإيمان بالمعاد، فإن مقتضى هذا الاقتران عدّ المعاد مقوماً لحقيقة الإسلام، وإلا لم يكن معنى لهذا القرن. ومن تلك الآيات قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً)[4]، وقوله:- (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر)[5]، وقوله:- (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر)[6]، وقوله:- (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر)[7].

 

ولا مناص معها من اعتبار الإقرار بالمعاد على وجه الموضوعية في تحقق الإسلام[8].

 

ويلاحظ عليه(ره)، نقضاً وحلاً:

أما النقض، فبلزوم جعل الإيمان بالملائكة، والكتب السماوية مقوماً لحقيقة الإسلام، ذلك أنهما قد قرنا بالتوحيد في مجموعة من الآيات القرآنية، ولا ريب أنه(ره) لا يلتـزم بذلك، فيكون ذلك موجباً لعدم كون المعاد مقوماً لحقيقة الإسلام.

 

وأما الحل، فإن التدقيق في الآيات الشريفة، يكشف عن أن هناك غرضاً أراده سبحانه وتعالى بقرن الإيمان بالمعاد بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، وهو يتمثل في معالجة شيء من الانحراف العقدي الذي كان موجوداً في المجتمع المكي والعربي خلال تلك المرحلة، إذ كان المجتمع في تلك الفترة مجتمعاً وثنياً، لا يؤمن بالمعاد، بل كانوا يعتقدون أن الذي يميتهم هو الدهر وليس شيئاً آخر غيره، فجاء الإسلام يصلح ضمن أهدافه التي أراد تغيـيرها وإصلاحها هذه العقيدة، وذلك ببيان مدى أهمية الاعتقاد بالمعاد وضرورة الإيمان به والالتزام بذلك، وأنه من العقائد المسلمة.

 

إن قلت: إن ما ذكرتموه ينسجم مع الآيات المكية التي تضمنت الحديث عن المعاد، لكننا نجد مجموعة من الآيات المدنية قد تضمنت التأكيد على ذلك؟

قلت: لا تنحصر فائدة التركيز على المعاد في خصوص ما ذكرناه، بل هناك فوائد أخرى تدعو للعناية به والاهتمام به في لسان الشارع المقدس، مثل تعميق ملكة التقوى عند أتباع الشريعة المحمدية، بتذكريهم بالجزاء، وهذا ينسجم تماماً مع الآيات المدنية، كما في قوله تعالى:- (ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)[9].

 

ويؤيد ما ذكرناه من عدم كون المعاد أصلاً من أصول الإسلام، بل قد يعدّ دليلاً عليه، ما ثبت من سيرة رسول الله(ص)، فقد خلت المصادر التأريخية من الإشارة إلى أنه(ص) أخذ على أحد من المشركين، أو أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام خلال تلك الفترة الإقرار بالمعاد، مع أنك عرفت أنهم كانوا منكرين له بحسب طبعهم ومعتقدهم الوثني، بل إن الثابت أنه(ص) كان يقتصر على مطالبتهم بالإيمان بالشهادتين، التوحيد، والإيمان برسالته ونبوته(ص).

وما قدم ذكره من جواب عن بعض الأعاظم(ره) أولى مما أجاب بعض الأكابر(قده)، ذلك أنه عمد لملاحظة دلالة كل واحدة من الآيات التي تمسك بها، وأخذ في الجواب عنها، وحاصل ما ذكره(ره)،

 

أنها ليست ناظرة للحديث عن مقومية المعاد للإسلام، وأنه أحد أصول الدين، بل إن أقصى ما يستفاد منها هو التهديد بالنار في مقام التأكيد على ما ذكر في صدر الكلام من الرد إلى الله سبحانه والرسول[10].

ومع البناء على اعتبار الإيمان بالمعاد والإمامة والعدل في تحقق مفهوم الإسلام، وترتيب الأثر على ذلك، إلا أن الاعتقاد بها من لوازم التصديق بنبوة النبي الأكرم محمد(ص)، لأنه(ص) قد أخبر بذلك، حيث نصب أخاه علياً(ع) خليفة من بعده بنص وأمر من الله تعالى، وأخبر عن الحياة بعد الموت وأن هناك حساباً يوم القيامة.

 

منكر الضروري:

وقد عدّ من مصاديق الكفر أيضاً إنكار الضروري مطلقاً ولو لم يرجع إلى تكذيب النبي الأكرم محمد(ص)، وإنكار رسالته، وهو مختار جملة من الأعلام، وقد استندوا فيه إلى بعض النصوص.

ولا حاجة للوقوف عنده، لأنه قد عرضنا لذلك بصورة مفصلة في بحث منكر الضروري، وبينا هناك أن الصحيح ما أختاره صاحب العروة(ره)، من عدم كون إنكار الضروري موجباً للكفر إلا إذا رجع إلى تكذيب النبي(ص)، وتكذيب رسالته، وإنكارها.

 

الأقوال في المسألة:

ثم إنه بعد الفراغ عن حقيقة الكافر، والتي هي موضوع البحث، يقع الكلام في الحديث عن حكمه، ويوجد في المسألة قولان:

الأول: ما أختاره مشهور علماء الجمهور من البناء على طهارة الإنسان ذاتاً، وإنما يبنى على نجاسته حال طروء شيء من النجاسات على بدنه، كالدم، والغائط والمني، وأضراب ذلك. وهذا يعني أنه ما لم يكن بدنه مشتملاً على شيء من الأعيان النجسة، أو لم يكن متنجساً بشيء منها، لم يبن على نجاسته.

 

الثاني: ما عليه مشهور علماء الشيعة، بل عليه إجماعهم، بل عدّ ذلك شعاراً لهم، من البناء على نجاسة الكافر ذاتاً، ولو لم يكن على بدنه شيء من الأعيان النجسة، ولم يكن متنجساً بشيء منها، فيحكم بسريان النجاسة بمجرد ملاقاته لشيء ما برطوبة مسرية.

 

وقد وافقهم على القول بالنجاسة ابن حزم من فقهاء الجمهور، والفخر الرازي في تفسيره.

وقد صرح الوحيد البهبهاني(ره) أن البناء على نجاسة الكفار شعاراً من شعارات الشيعة، كما أشار لذلك صاحب الجواهر(ره)، قال: ولقد أجاد الأستاذ الأكبر بقوله: إن ذلك شعار الشيعة، يعرفه منهم علماء العامة وعوامهم ونساؤهم وصبيانهم، بل وأهل الكتاب فضلاً عن الخاصة[11].

 

وقد نص صاحب الجواهر(ره) على أن المسألة إجماعية، فقد قال: إجماعاً في التهذيب والانتصار والغنية والسرائر والمنتهى وغيرها، وظاهر التذكرة، بل في الأول من المسلمين، لكن لعله يريد النجاسة في الجملة، لنص الآية الشريفة، وإن كانت العامة يؤولونها بالحكمية لا العينية[12].

 

وقال في مصباح الفقيه عن التعليق على قول صاحب الشرائع عند ذكره للأعيان النجسة: العاشر: الكافر. بجميع أصنافه على المشهور، بل لم يعرف الخلاف في غير الكتابي منه من أحد، وقد استفيض بل تواتر نقل الإجماع عليه[13].

ولم يعرف بين أعلام الطائفة المحقة أعلى الله كلمتهم وأنار برهانهم من القدماء والمتأخرين، ولا متأخري المتأخرين على الظاهر قائلاً بطهارة الإنسان ذاتاً، بل كلهم متفقون على القول بنجاسة الكافر ذاتاً بجميع أقسامه، على كلام عندهم في الكتابي، بل ربما ظهر من كلام صاحب الحدائق(ره) بناء قدماء الأعلام على نجاسة حتى المخالفين من الفرق الإسلامية الأخرى[14].

 

إلا ما قد يظهر من عبارة شيخ الطائفة(ره) في النهاية، فقد قال: يكره أن يدعو الإنسان أحداً من الكفار على طعامه فيأكل معه، فإذا دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه إن شاء[15]. وهو لو لم يكن صريحاً في طهارة الكفار، لا أقل من كونه ظاهراً في ذلك، لأن الظاهر أن أمره بغسل يديه غرضه إزالة ما علق بها من الأعيان النجسة، وليس ذلك لتطهيرها، بل إن إصابتها بالماء مع كونه نجساً ذاتاً يوجب سريان النجاسة، وتعدد المتنجسات، لأنها سوف تسري منه لكل ما سوف يمسه من أثاث وما شابه.

لكنه يمنع من الجزم بهذه النتيجة، ما ذكره(ره) في ذات الكتاب قبل أسطر، قال: ولا تجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها بالماء، وكل طعام تولاه الكفار بأيديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز أكله، لأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه[16].

 

وقد جمع المحقق الحلي(ره) في كتابه نكت النهاية بين العبارتين، بحمل الأولى منهما على الرطوبة المسرية، والثانية على الرطوبة غير المسرية، وإنما أمره بالغسل عملاً بشيء تعبدي ليس إلا. قال(قده): قوله: ويكره أن يدعو الإنسان أحداً من الكفار إلى طعامه، فيأكل معه، فإن دعاه فيأمره بغسل يده، ثم يأكل معه إن شاء.

 

ما الفائدة بالغسل وهي لا تطهر به؟

الجواب: الكفار لا يتورعون عن كثير من النجاسات، فإذا غسل يده فقد زالت تلك النجاسة، وهذا يحمل على حال الضرورة، أو مؤاكلته اليابس، وغسل اليد لزوال الاستقذار النفساني الذي يعرض من ملاقاة النجاسات العينية وإن لم يفد طهارة اليد[17].

وما تضمنه كلامه(ره) جمعاً بين العبارتين لا يخلو عن تكلف، فضلاً عن أنه خلاف ظاهرهما، ومن الواضح أن غايته صون كلام شيخ الطائفة(ره) من التناقض، الموجب للغوية أحدهما.

واعتذر ابن إدريس(ره) عن الشيخ(قده)، بأن هذه رواية شاذة قد أوردها الشيخ(قده) إيراداً، وليس اعتقاداً.

 

قال(قده): ورويت رواية شاذة أنه يكره أن يدعو الإنسان أحداً من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، فإن دعاه، فليأمره بغسل يده، ثم يأكل معه إن شاء، أوردها شيخنا في نهايته ايراداً لا اعتقاداً[18].

ولعل نظره إلى ما رواه العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن مؤاكلة اليهودي والنصراني، فقال: لا بأس إذا كان من طعامك، وسألته عن مؤاكلة المجوس، فقال: إذا توضأ فلا بأس[19]. بناءً على أن المجوسي ليس من أهل الكتاب، بل من الكفار لأنه يعبد النار.

 

ولا يخفى أن البناء على صراحة العبارة في البناء على طهارة الكفار، ولا أقل من ظهورها مبني على أن التعبير بالكراهة الوارد في كلام الشيخ(ره) يقصد منه الكراهة الاصطلاحية، وهو ما يصعب الجزم به، لو لم يبن على خلافه، بملاحظة أن كتاب النهاية، يعد متون أخبار كما هو معروف لأهل الفن، وهذا يجعل التعبير الوارد فيه موافقاً للتعبيرات الواردة في النصوص.

 

ومن المعلوم أن التعبير بالكراهة في النصوص لا تحمل على الكراهة المصطلحة، بل يقصد منها الحزازة والمبغوضية والتي هي أعم منها ومن الحرمة، لو لم تكن ظاهرة في الأصل في الحرمة.

وعليه، لن يكون بين العبارتين المذكورتين في كلامه(ره) أي منافاة أصلاً، ولا حاجة للتأويل الذي قام به المحقق(قده)، بل ولا إلى اعتذار ابن إدريس(ره).

 

نعم يظهر من المحقق الهمداني(ره) في المصباح الميل كثيراً للقول بالطهارة، لتمامية المقتضي لذلك، لولا وجود المانع، لأنه ناقش الأدلة التي تمسك بها لأجل البناء على نجاسة الكافر، والتي كان منها الأولوية القطعية المستفادة مما دل على نجاسة أهل الكتاب، لكنه لم يسلم بدلالة النصوص الدالة على نجاستهم، بل حكّم النصوص الدالة على الطهارة. نعم منعه من التعويل عليها عمل الأعلام(رض)، وإعراض المشهور عن العمل بأخبار الطهارة، وهذا يبتني على وجود قرينة ظفروا بها قد خفيت على المتأخرين، ولذلك يرفع الفقهاء عادة أيديهم عن أخبار الثقات، ولا يعملون بالصحاح[20].

 

وقد وجد في كلمات من عاصرنا التصريح بطهارة الإنسان ذاتاً في موارد الضرورة، فقد جاء في تعليقة بعض الأساتذة(حفظه الله) على العروة عند ذكر الثامن من النجاسات: لا دليل على نجاسة الكفار-إلى أن قال-وأما غير الكتابي فهو أيضاً لا دليل على نجاسته أيضاً من غير فرق بين أقسامه، وإن لم يدل دليل على طهارته لخروجه عن سياق الأخبار جميعاً، فيؤخذ فيه بأصالة الطهارة فيهم، إلا أن الاحتياط في غير موارد الضرورة لا ينبغي تركه، والإجماع المدعى في المقام غير معلوم[21].

ونسب القول بذلك لغيره أيضاً، بل هو صريح ما تضمنته كلمات من قارب عصرنا(ره)[22].

 

وقال بعض الأعلام(حفظه الله): أما المشركون فقد سبق ضعف الاستدلال على نجاستهم بالآية الشريفة، وينحصر الدليل على نجاستهم بالإجماع المدعى، وهو غير بعيد بعد ملاحظة كلام أهل الفتوى، وإن كان في نهوضه وحده بالاستدلال إشكال، بعد عدم تعرض النصوص للحكم المذكور، ليتضح حال طبقة الرواة، وعدم وضوح حال ارتكازات المتشرعة وسيرتهم، فإن سيرتهم على تجنبهم وإن كانت قريبة إلا أنها قد تكون على نحو سيرتهم على تجنب الكتابيـين التي عرفت قرب ابتنائها على النهي المؤكد عليه في النصوص والذي عرفت لزوم حمله على الكراهة.

 

ولا سيما مع شيوع الابتلاء بالمشركين في صدر الإسلام، ولو كان البناء على نجاستهم-ولو في أواخر أيام النبي(ص)-لكثر نقل ما يناسب ذلك، لأهمية الآثار العملية المترتبة عليها، من تجنب مساورتهم، والحذر في مخالطتهم، والتـزام التطهير منهم، مع عدم ظهور ذلك بوجه معتد به يناسب شيوع الابتلاء وأهمية الآثار المذكورة، حيث قد يناسب ذلك جداً الطهارة، وإن كان التجنب راجحاً يحسن العمل عليه عند تيسره بعد امتياز المشركين وعدم مخالطة المسلمين لهم.

نعم يصعب جداً الخروج عن الإجماع المذكور بعد عدم ظهور ما يوجب الخدش فيه في الفتاوى والنصوص، ومن ثمّ يتعين فيهم الاحتياط[23].

 

وقد بنى بعض الأساتذة(قده) نجاسة الكفار من غير أهل الكتاب على الحكم السياسي، لا على الحكم التشريعي، قال(ره): ثم لا يخفى أن نجاسة الكافر على القول بها، ليست من سنخ ساير النجاسات الناشئة عن قذارة الشيء، بل هي في الحقيقة تحريم سياسي من قبل شارع الإسلام ليتنفر منه المسلمون ويحرموه في العشرة حتى ينزوي هو ولا يقع المسلمون في حباله مكائده وشبهاته[24].

 

وظاهر عبارته كونه من الأحكام الولائية السلطانية وليس من الأحكام التشريعية، ومع كونه كذلك، فإنه يمكن لولي الأمر رفعه في كل مورد وجد المصلحة لذلك.

 

 

 

 

[1] الكافي ج ب ح

[2] الكافي ج 2 ب ح ص

[3] المصدر السابق ح ص

[4] سورة النساء الآية رقم 59.

[5] سورة البقرة الآية رقم 228.

[6] سورة البقرة الآية رقم 232.

[7] سورة البقرة الآية رقم 177.

[8] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 3 ص 53-54.

[9] سورة البقرة الآية رقم 232.

[10] بحوث في شرح العروة الوثقى ج 3 ص 292.

[11] جواهر الكلام ج 6 ص

[12] المصدر السابق.

[13] مصباح الفقيه ج 7 ص 236.

[14] الحدائق الناضرة ج ص

[15] النهاية ص 589-590.

[16] المصدر السابق ص

[17] نكت النهاية ص 107.

[18] السرائر ج 3 ص 123.

[19] وسائل الشيعة ج ب 53 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 4 ص

[20] مصباح الفقيه ج 7 ص 254-256. أعرضنا عن نقل كلامه(ره) بالكامل مع ما فيه من الفائدة، رغبة في الاختصار وعدم الإطالة.

[21] تعليقات على العروة الوثقى ص 27.

[22] بحوث في شرح العروة الوثقى ج 3 ص

[23] مصباح المنهاج ج 8 ص 449-450.

[24] التعليقة على العروة الوثقى ج 1 ص 51.