11 ديسمبر,2019

حوار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اطبع المقالة اطبع المقالة

تمهيد :

من أهم الفرائض الواجبة على المسلم تجاه أخيه المسلم في إطار التواصي بالحق وصيانة الآخر فردا أو مجتمعا من الانحراف في الفكر والسلوك ، هو مجاهدة الفساد بالكلمة الهادية والفعل الموجه.

ولهذا يمكن القول بأن هذا الفعل أعظم الفرائض الاجتماعية ، كما أن الصلاة أعظم الفرائض الفردية والعبادية.

خصوصا إذا علمنا أنه تقام الفرائض وتأمن المذاهب ، وتحل المكاسب ، وتمنع المظالم ، وتعمر الأرض ، وينتصف المظلوم من الظالم ، بالأمر بالمعروف ، ولا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات ، وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء.

وهذا يشير إلى مركزية هذه الفريضة ونفوذها في شتى مجالات الحياة وجميع الأنظمة الفردية والاجتماعية وحفظ الأمن وصيانة الأرض.

س : هل يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نية التقرب إلى الله تعالى ؟…

ج : لا يشترط في فعل هذا الواجب نية التقرب إلى الله سبحانه ، نعم هو يشتمل على قدر كبير من روح العبادة وجوهرها ، لكونه سبيلا إلى الله تعالى ، ويعبر عن الحرص على طاعته ، ودعوة الناس إلى ذلك.

المراد بالأمر والنهي :

س : ما هو المراد من الأمر والنهي في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ؟…

ج : المراد منهما هو قيام المكلف بواجب التصدي لتارك المعروف أو لفاعل المنكر لحثه على فعل المعروف وترك المنكر بواحد من الأساليب التي وضعها الشرع الشريف لذلك.

المعروف والمنكر :

س : ما هو المراد من المعروف ؟…

ج : المعروف : هو كل فعل حسن أوجبه الشارع ، أو ندب إليه ، فإن كان واجبا كان الأمر به واجبا ، وإن كان مستحبا كان الأمر به مستحبا.

س : ما هو المراد من المنكر ؟…

ج : المنكر : هو كل فعل كرهه الشارع ، فحرم فعله أو حث على التنزه عنه ، فإن كان المنكر حراما كان النهي عنه واجبا ، وإن كان مكروها كان النهي عنه مستحبا وراجحا.

المباح :

س : هل يصير المباح معروفا أو منكرا ؟…

ج : لا يصير المباح معروفا ولا منكرا ، إلا إذا غلب جانب المصلحة أو المفسدة فيه على غيره ، وانطبقت عليه العناوين الاستثنائية التي توجب الحرمة أو الوجوب أو الاستحباب أو الكراهة ، فعندها يعامل معاملة العنوان الجديد الذي تلبس به.

مثلا شرب الماء مباح ، فإذا توقف عليه دفع الضرر وإنقاذ النفس من الهلاك ، فإنه يصبح واجبا ومعروفا ، فيجب الأمر به عند تركه من قبل المحتاج إليه ، وهكذا.

تغير حكم الأمر بالمعروف:

س : هل يتغير حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى شيء آخر ؟…

ج : نعم ، فقد يتغير استحباب الأمر بالمستحب ، أو النهي عن المكروه ، إذا كان يترتب عليه إيذاء المأمور وإهانته ، فيحرم حينها.

هذا وينبغي الحذر من الإفراط في الأمر والنهي ، واستلزامه الإثقال على المأمور وتزهيده في الدين وتنفيره منه وانقلاب الأمر في نتائجه إلى ضده من الترغيب والحث على الطاعة ، ومكارم الأخلاق .

س : ما هو حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟…

ج : المشهور بين علمائنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان كفائيان ، فإذا تصدى لهما من به الكفاية لإنجاز المهمة وتحقيق الواجب سقط التكليف عن الباقين.

لكن خالف في ذلك بعض العلماء،فذكر في المقام تفصيلاً بين أقسام النهي عن المنكر،فالتـزم بوجوبه وجوباً عينياً في إظهار الكراهة قولاً أو فعلاً،أما ما يتوقف على إعمال القدرة كالضرب والحبس فإن وجوبه كفائياً.

س : هل يسقط الوجوب بقيام البعض به حتى مع استمرار المنكر ؟…

ج : لا يسقط الوجوب بذلك ، بل يبقى مستمرا في عموم حالات المنكر ما دام المنكر موجودا ، وكذا يبقى وجوبه مستمرا في حالة خاصة ما دام الشخص تاركا لمعروف أو فاعلا لمنكر.

والحاصل لا يسقط الوجوب بمجرد تحقق الأمر والنهي ، ولو لم يكن مجديا ومؤثرا فعلا.

س : هل يختص وجوب الأمر والنهي بصنف خاص من الناس دون البقية؟…

ج : لا يختص وجوب الأمر والنهي بصنف خاص من الناس دون صنف ، بل يجب متى اجتمعت شروطه على العلماء وغيرهم ، والعدول والفساق ، والأغنياء والفقراء ، والرجال النساء.

من يجب عليه الأمر والنهي :

س : من هو الذي يجب عليه الأمر والنهي ؟…

ج : يجب الأمر والنهي على كل من اجتمعت فيه الشروط التالية :

1-أن يكون بالغا.

2-أن يكون عاقلا.

3-أن يكون عالما بالمعروف وبالمنكر ، فلا يصح أن يتصدى لهما من ليس عنده معرفة بالأحكام الشرعية.

س : هل يجب على من يود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعلم الأحكام الشرعية ؟…

ج : نعم يجب عليه تعلم المسائل التي يبتلى بها في سلوكه وعلاقاته وعباداته ومعاملاته ، بحيث يتوفر لديه رصيد من العلم يقدر من خلاله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

س : هل يجب عليه تعلم أكثر من ذلك كمقدمة للأمر والنهي ؟…

ج : لا يحب عليه ذلك ، إلا أن يتعين عليه التصدي لما يعلم وجوده إجمالا من الفساد ، ولا يوجد من هو أجدر منه بذلك ، فيجب عليه التعلم حينئذ لمواجهة الفساد والقيام بالواجب المنحصر فيه.

س : لو انحصرت الجدارة بمجموعة معينة قادرة على الأمر والنهي ، لكنها جاهلة بالمعروف والمنكر ، فهل يجب على هؤلاء جميعا حينئذ التعلم؟…

ج : نعم يجب عليهم جميعا تعلم المعروف و المنكر ، لكن وجوبا كفائيا ، من أجل القيام بواجب الأمر والنهي ، فإذا تصدى أحدهم للتعلم ممن تكون له الكفاءة والكفاية سقط وجوب التعلم عن الباقين.

4-أن يأمن الآمر والناهي الضرر على نفسه وعرضه وعلى ما يهمه حفظه من المال المعتد به .

س : ما هو المعيار في كون المال معتدا به ؟…

ج : المعيار في قلته وكثرته ، كون فقده مضرا بحاله ، فيختلف باختلاف الناس في طرق معيشتهم وظروفها.

س : هل يشمل هذا الشرط غير الآمر والناهي من المسلمين ؟…

ج : نعم يشملهم في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم ، كأبويه وأخوته وأبنائه وأقربائه وجيرانه وأهل بلده ، ونحوهم ممن يمكن أن يلحقه أذى بسبب الأمر والنهي.

الأمن من الحرج:

س : ذكر من الشروط للأمر والنهي الأمن من الضرر ، فهل يشترط عدم وقوع الآمر في الحرج ؟…

ج : نعم ، كما يشترط الأمن من الضرر ، يشترط عدم استلزام الأمر والنهي وقوع المكلف في الحرج الشديد الذي يصعب تحمله ، وذلك كأن يترتب عليه عدم تمكنه من التواجد في منزله ، أو ترك عمل مريح إلى عمل آخر مجهد ومربك ، أو نحو ذلك مما يربك حياة المكلف وعلاقاته العادية المستقرة.

س : ما هو المراد من الضرر المعتبر الأمن عنه في هذا الشرط ؟…

ج : المراد من الضرر ما يشتمل :

أولا : على الأذى المادي الشخصي اللاحق بالجسد أو النفس ، كالقتل والجرح والكسر والجنون ونحوها من موجبات الألم والمرض اللاحق بالبدن أو العقل والمشاعر.

ثانيا : على الأذى المعنوي المتعلق بالكرامة ، كالسخرية والتشهير بعيوبه وفضح أسراره ونحوهما ، مما يرجع إلى حرمة الذات وصيانة الكرامة والخصوصيات .

س : ما هو حد الضرر ؟…

ج : حد الضرر في القلة أن يكون مما يعتني العقلاء بدفعه عن أنفسهم ، لذا فإن مجرد صدق عنوان الضرر عليه ، أو على من يهمه حفظه مباشرة كزوجته وأبنائه وأخوته وأهله ، أو على غيرهم من المسلمين ، كافٍ في سقوط وجوب الأمر والنهي عن المكلف.

أما الضرر الواقع على العرض ، فيراد منه الاعتداء الجنسي بمراتبه ، سواء وقع على الذكر أم الأنثى ، ولا حد له قلة وكثرة.

وعرض الإنسان هم : زوجته ومحارمه من النساء بالدرجة الأولى ، حسبما يفهم من لفظ العرض عند إطلاقه ، لكننا ذكرنا أنه لا يختص بالإناث فيشمل الذكور.

س : هل يختص ذلك بعرض الآمر والناهي فقط ؟

ج : لا ، بل يشمل أعراض سائر المسلمين ممن سيطالهم الأذى في أعراضهم.

س:ما هو المراد من الضرر الواقع على المال؟…

ج:المراد من الضرر الواقع على المال،هو خسارته وتلفه.

س:ما هو حد الضرر الواقع على المال ليمتنع صاحبه من الأمر والنهي؟…

ج:حد ذلك،أن يكون المال معتداً به كما ذكرنا سابقاً،ويشمل كل ما يملكه الإنسان من نقد وعقار وغيرها.

بين الضرر والحرج:

س:ما هو الفرق بين الضرر والحرج؟…

ج:الحرج عنوان آخر غير الضرر ومختلف عنه حسب المصطلح الشرعي.

فالحرج:عبارة عن اختلال وتيرة الحياة الشخصية المعتادة في المزاج والعادات والسكن والطعام والعلاقات بالنحو الذي يصعب تحمله على الإنسان.

س:ما هو المرجع في تشخيص الحرج؟…

ج:المرجع في تشخيص الحرج،هو المكلف نفسه،لأنه أعرف بوضعه وخصوصياته التي تتشابك في كثير من الأحيان بدرجة لا يمكن لغير المكلف الشعور بوطأتها وتحديدها.

س:هل يسقط وجوب الأمر والنهي إذا ترتب عليهما وقوع المكلف في الحرج؟…

ج:نعم يسقط ذلك،بلا فرق بين أن يكون الذي سيقع في ذلك الآمر نفسه،أو أحد أقربائه،أو من سائر المسلمين.

س:ما هو حد الحرج الموجب لسقوط الأمر والنهي؟…

ج:حد الحرج الموجب لذلك،أن يكون مما يصعب ويشق تحمله،فإن كان دون ذلك لم يسقط به الوجوب.

إحراز الضرر والحرج:

س:هل يجب لسقوط وجوب الأمر والنهي إحراز الضرر والقطع به؟…

ج:لا يجب ذلك،بل يكفي الظن أو الاحتمال الذي يعتد به العقلاء الموجب لصدق الخوف.

س:هل يجب إحراز الحرج لسقوط الأمر والنهي؟…

ج:نعم يجب إحراز ذلك،لأنه لا يكفي فيه بحسب طبيعته الظن بالحرج أو احتماله.

س:ذكر من الشروط للأمر والنهي عدم ترتب الضرر،فهل يعتبر هذا الشرط هكذا مطلقاً؟…

ج:لا،بل فيه تفصيل،فقد يجب في بعض الحالات تحمل الضرر الواقع على النفس أو على الغير،وذلك إذا علم أن التصدي للأمر والنهي من الأهمية عند الله تعالى،وفي موازين الشرع،بحيث يهون دونها تحمل الضرر الواقع.