25 أكتوبر,2021

صيام يوم عاشوراء (1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

وقع الخلاف بين أصحابنا في صيام يوم عاشوراء على ثلاثة أقوال:

الأول الحكم بحرمة صيام يوم عاشوراء، وقد أختار هذا القول كل من: غواص بحار الأنوار العلامة المجلسي(قده)، وكذا المحدث البحراني(قده) في كتابه الحدائق.

الثاني: البناء على كراهة صيام يوم عاشوراء، وقد التـزم به السيد اليزدي(ره)، وأكثر المحشين على العروة.

الثالث: البناء على استحباب صيام يوم عاشوراء، وقد انقسم القائلون بهذا القول إلى قسمين:

أولهما: من يرى استحباب صيامه مطلقاً دونما تقيـيد بقيد، كعنوان الحزن مثلاً، قاله كل من الصدوق في الهداية، والمحقق في نكت النهاية، وآقا جمال الخوانساري في كتابه المشارق، وقد أصرّ عليه بعض الأعاظم(قده).

ثانيهما: البناء على استحباب صيامه، لكن لا مطلقاً، وإنما بعنوان الحزن، وهو المشهور بين الأصحاب.

هذا وبما أن المسألة من المسائل الأصلية المعنونة في كلمات الأصحاب، فينبغي أن نعمد إلى نقل جملة من كلماتهم في المقام، فنقول:

قال الشيخ المفيد(ره) في كتابه المقنعة عند تعداده لوجوه الصيام وشرح جميعها على البيان: وأما الذي صاحبه فيه بالخيار….ويوم عاشوراء على وجه الإمساك فيه لمصيـبة آل محمد(ع)[1].

أقول: حكم(ره) باستحباب صيام يوم عاشوراء، كما هو الظاهر من خلال عبارته في تعداده لوجوه الصوم، وقد اعتبر أن يكون بنحو الإمساك لمصيـبة آل محمد(ع). وهذا يعني أنه(قده) لا يرى استحباب الصوم بقول مطلق، وإنما استحباب صيامه بهذا القيد، فلاحظ.

وقال شيخ الطائفة(ره): والصوم الذي يكون صاحبه فيه بالخيار، فيوم الجمعة والخميس وأيام البيض من كل شهر وستة أيام من شوال وصوم يوم عرفة ويوم عاشوراء[2].

وقال(ره) أيضاً: أما المندوب….وصوم يوم عاشوراء على وجه الحزن والمصيـبة لما حلّ بأهل بيت الرسول(ص)[3].

أقول: بنى(ره) على أنه يستحب صيام يوم عاشوراء، لكنه قيّد الاستحباب بما إذا صيم ذلك اليوم بعنوان الحزن والمصيـبة لما جرى على أهل بيت العصمة(ع) لا مطلقاً، فلاحظ.

وقال(ره) أيضاً في الرسائل العشر: أما المسنون فجميع أيام السنة إلا الأيام التي يحرم فيها الصوم، غير أن فيها ما هو أشدّ تأكيداً وهي أربعة عشر قسماً وصوم عاشوراء على وجه الحزن والمصيـبة[4].

أقول: ظاهر العبارة أن صيام يوم عاشوراء على وجه الحزن والمصيـبة، ليس من الصيام المستحب فقط، بل من الصيام المؤكد استحباب صيامه.

وجاء في التهذيب بعدما عرض الأخبار المتعارضة، قال في الجمع بينها: فالوجه في هذه الأحاديث أن من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصاب رسول الله(ص) والجزع لما حل بعترته فقد أصاب، ومن صامه على ما يعتقد فيه مخالفونا من الفضل في صومه والتبرك به والاعتقاد لبركته وسعادته فقد أثم وأخطأ[5].

أقول: عبارته(ره) قريـبة مما تقدمها من العبائر في حملها على القول باستحباب صيام يوم عاشوراء بقصد الحزن على ما جرى على أهل البيت(ع)، لا مطلقاً.

وقال ابن البراج: وأما المندوب، فهو ضربان: أحدهما مشدد فيه على وجه التأكيد….وأما المشدد فيه فهو…صوم يوم عاشوراء على جهة الحزن بمصاب أهل البيت(ع)[6].

أقول: عبارته كالعبارات المتقدمة عليه في ظهورها في استحباب صيام يوم عاشوراء لكن لا مطلقاً، بل خصوص ما إذا كان بعنوان الحزن على ما جرى على أهل البيت(ع).

وقال ابن زهرة: أما الصوم المندوب….وصوم يوم عاشوراء على وجه الحزن[7].

وقال ابن إدريس: يستحب ….وصوم يوم عاشوراء على وجه الحزن بمصاب آل الرسول(ع). وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي(ره) في نهايته إلى أن صيام أيام الليالي البيض، وصيام عرفة، وصيام يوم عاشوراء، من القسم المخير فيه، دون القسم المؤكد، لأنه عدد المؤكد، ثم قال بعد ذلك: والصوم الذي يكون صاحبه فيه بالخيار، كذا وكذا[8].

أقول: قيّد استحباب الصيام بما إذا كان بنحو التفجع لمصاب أهل البيت(ع)، لا مطلقاً.

وقال ابن سعيد الحلي: الصوم المسنون….ويوم عاشوراء على وجه الحزن، وروي فيه بعد العصر الفطر[9].

أقول: نقل رواية تشير إلى أنه ليس صياماً، وإنما هو إمساك إلى العصر.

وقال المحقق الحلي: والندب من الصوم قد يختص وقتاً، والمؤكد منه أربعة عشر قسماً….وصوم عاشوراء على وجه الحزن[10].

قال في المسالك: أشار بقوله(على وجه الحزن) إلى أن صومه ليس صوماً معتبراً شرعاً، بل هو إمساك بدون نية الصوم، لأن صومه متروك كما وردت به الرواية، وينبه على ذلك قول الصادق(ع): صمه من غير تبيـيت وأفطره من غير تشميت، وليكن فطرك بعد العصر. فهو عبارة عن ترك المفطرات اشتغالاً عنها بالحزن والمصيـبة، وينبغي أن يكون الإمساك المذكور بالنية لأنه عبادة[11].

أقول: المستفاد من كلامه(ره) أنه فهم من عبارة المحقق أنه بنحو الإمساك وليس بنحو الصوم الشرعي، لكن التأمل في عبارة المحقق يمنع من القبول على حملها على مثل هذا، فلاحظ قوله: والندب من الصوم قد لا يختص وقتاً كصيام أيام السنة، فإنه جنة من النار، وقد يختص وقتاً، والمؤكد منه أربعة عشر قسماً: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، أول خميس منه وآخر خميس……..وصوم يوم الغدير، وصوم يوم مولد النبي(ص) ويوم مبعثه، ويوم دحو الأرض، وصوم يوم عرفة لمن لم يضعفه من الدعاء وتحقق الهلال، وصوم عاشوراء على وجه الحزن، ويوم المباهلة، وصوم كل خميس وكل جمعة، وأول ذي الحجة، وصوم رجب، وصوم شعبان.

إذ لا يخفى أنها ظاهرة في أنه(ره) يريد الصوم الاصطلاحي، وليس مريداً للصوم بمعنى الإمساك، فلاحظ.

وقال في المدارك: اختلفت الروايات في صوم يوم عاشوراء، فورد في بعضها الأمر بصومه وأنه كفارة سنة، وورد في بعض آخر النهي عنه، وأن من صامه كان حظه من ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد، وهو النار.

وجمع الشيخ في الاستبصار بينها بأن من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصاب آل محمد(ع) والجزع لما حل بعترته فقد أصاب، ومن صامه على ما يعتقد فيه مخالفونا من الفضل في صومه والتبرك به والاعتقاد لبركته وسعادته فقد أثم وأخطأ. ونقل هذا الجمع عن شيخه المفيد(ره)، وهو جيد، ومن ذلك يعلم معنى قول المصنف(ره): وصوم يوم عاشوراء على وجه الحزن…..-إلى أن قال-وذكر الشارح(قده) أن معنى الصوم على وجه الحزن الصوم إلى العصر بغير نية الصوم كما تضمنـته الرواية، وهو مع بعده في نفسه مخالف لما نص عليه المصنف في المعتبر وغيره.

أقول: تضمنت عبارته أمرين: أولهما: بيان منشأ التقيـيد الوارد في كلام المحقق من أنه يصوم على وجه الحزن، وأن ذلك ناشئ من خلال الجمع بين النصوص.

ثانيهما: الإشارة إلى ما سبق وذكرناه تعليقاً على كلام الشهيد الثاني(ره) في فهمه للصوم الوارد في كلام المحقق وحمله على أنه إمساك وليس صياماً.

وقال في الجواهر تعليقاً على قول المحقق: وصوم عاشوراء: بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر الغنية الإجماع عليه.

ثم عمد إلى تعريف يوم عاشوراء، وأنه اليوم العاشر من المحرم الذي قتل فيه أبو عبد الله(ع) لا التاسع كما عن ابن عباس في أحد النقلين عنه.

ثم أشار إلى أن المحقق(ره) وجماعة قيدوا صيامه على وجه الحزن لمصاب سيد شباب أهل الجنة(ع) وما جرى عليه في ذلك اليوم مما ينبغي لوليه أن يمنع نفسه عن الطعام والشراب طول عمره فضلاً عن ذلك اليوم، لا أن يكون على جهة التبرك والشكر كما يصنعه بنو أمية وأتباعهم، وبذلك جمع الشيخان وغيرهما بين ما سمعت من صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم-إلى أن قال-بل جزم بعض متأخري المتأخرين بالحرمة ترجيحاً لهذه النصوص وحملاً لتلك على التقية، وأن صوم رسول الله(ص) إنما كان قبل نزول شهر رمضان لا على الوجه المزبور الذي قد ينافيه قول الصادق(ع): إن الصوم لا يكون للمصيـبة، إلى آخره.

لكن فيه-مع أنه منافٍ لظاهر اتفاق الأصحاب ومعلومية حصر الحرمة في غيره-أن أقصى ما يستفاد من هذه النصوص الكراهة خصوصاً بعد جمعه مع الاثنين ومع يوم عرفة، كمعلومية أن المذموم عنه اتخاذه كما يتخذه المخالفون والتبرك به وإظهار الفرح والسرور فيه، لا أن المنهي عنه مطلق صومه وأنه كالعيد وأيام التشريق، وإلا لم يكن ليخفى مثل ذلك على زرارة ومحمد بن مسلم حتى يسألا عنه، ضرورة حينئذٍ كونه كصوم العيدين، نعم قد يقال: بنفي التأكد عنه لمشاركته في الصورة لأعداء الله وإن اختلفت النية، بل لعل ذلك إنما يكون إذا لم يتمكن من إفطاره ولو للتقية، فينوي فيه الوجه المزبور لا مطلقاً، خصوصاً مع ملاحظة خبر عبد الله بن سنان.

وعلى كل حال، فلا ريب في جواز صومه سيما على الوجه الذي ذكره الأصحاب، وما في المسالك من أن مرادهم بصومه على جهة الحزن الإمساك إلى العصر كما في الخبر المزبور واضح الضعف، بل يمكن القطع بفساده بأدنى ملاحظة[12].

أقول: تمنت عبارته التي نقل ما يرتبط بمحل البحث منها دون النصوص التي تضمنتها لأنه سوف يأتي نقلها أمور:

أولها: أنه نفى الخلاف في على استحباب صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن، بل حكى الإجماع عن ظاهر الغنية.

ثانيها: تعرض لتعريف يوم عاشوراء، وهل أنه التاسع من شهر محرم الحرام، أم أنه العاشر منه، وقد أختار الثاني، وعرض بما نقل عن ابن عباس من أنه الأول.

ثالثها: قيد أنه استحباب الصيام فيه ليس مطلقاً، وإنما هو على وجه الحزن، وهذا يعني أنه يلتـزم بكونه صياماً وليس إمساكاً عن الشهيد الثاني(ره)، وقد عرض به في آخر كلامه، فلاحظ.

رابعها: ناقش القول بحرمة الصيام، وقد استعرض ما يصلح أن يكون دليلاً على ذلك، ثم عمد إلى رده.

وجاء في النهاية ونكتها: والصوم الذي يكون صاحبه فيه بالخيار فيوم الجمعة ويوم الخميس….ويوم عاشوراء[13].

وقال العلامة(ره) في القواعد في تعداد أقسام الصوم وأنها أربعة: …ومندوب، وهو جميع أيام السنة إلا ما نستـثني، والمؤكد أول خميس من كل شهر، وآخر خميس منه، وأول أربعاء من العشر الثاني، ويقضى الفوات….وستة أيام بعد عيد الفطر، ويوم الغدير، ومولد النبي(ص)، ومبعثه، ودحو الأرض، وعرفة، إلا مع الضعف عن الدعاء أو شك في الهلال، وعاشوراء حزناً، والمباهلة، وكل خميس، وكل جمعة، وأول ذي الحجة، ورجب وشعبان كله.

قال المحقق الكركي في جامع المقاصد عند قول العلامة: (وعاشوراء حزناً) أي صومه ليس صوماً معتبراً، بل هو إمساك بدون نية الصوم، لأن صومه متروك كما وردت الرواية، فيستحب الإمساك فيه إلى بعد العصر حزناً، وصومه شعار بني أمية لعنهم الله سروراً بقتل الحسين(ع)[14].

أقول: لا يخفى أنه(ره) استظهر من كلام العلامة(قده) ما سبق واستظهره الشهيد الثاني(قده) في المسالك، وقد عرفت فيما تقدم بُعدُ الاستظهار المذكور وعدم تحمل العبارة لمثله، والكلام السابق يجري بنفسه في المقام، فلاحظ.

وقال في التذكرة: يستحب صوم يوم عاشوراء حزناً لا تبركاً، لأنه يوم قتل أحد سيدي شباب أهل الجنة الحسين بن علي صلوات الله عليه، وهتك حريمه، وجرت فيه أعظم المصائب على أهل البيت(ع)، فينبغي الحزن فيه بترك الأكل والملاذ.

وإذا عرفت هذا فإنه ينبغي أن لا يتم فيه صوم ذلك اليوم، بل يفطر بعد العصر لما روي عن الصادق(ع): أن صومه متروك بنـزول شهر رمضان، والمتروك بدعة[15].

أقول: تضمنت عبارته أمران:

الأول: النص على أن صيام هذا اليوم ليس صياماً اصطلاحياً، وإنما هو إمساك عن الأكل والشرب حزناً إلى العصر.

الثاني: بيان أن صيام عاشوراء من الأحكام المنسوخة بنـزول تشريع صيام شهر رمضان المبارك.

وقال في المنـتهى: وصوم يوم عاشوراء مستحب حزناً لا تبركاً، لأنه يوم جرت فيه أعظم المصائب، وهو قتل الحسين بن علي(ع) وهتك حريمه، فكان الحزن بترك الأكل والملال به، واحتمال الأذى متعيناً، ولما رواه سعد بن صدقة….وعن أبي همام….وعن أبي عبد الله ميمون القداح، وقد روى الجمهور عن ابن عباس…وقد وردت أحاديث كراهته محمولة على ما قلناه من الصوم للتبرك. ومن صام على ما يعتقد فيه مخالفونا من الفضل في صومه والتبرك به والاعتقاد لبركته وسعادته فقد أثم وأخطأ[16].

وجاء في التحرير: ويستحب صوم العشر بأسره، فإذا كان اليوم العاشر أمسك عن الطعام والشراب إلى بعد العصر ثم يتناول شيئاً من التربة[17].

أقول: عبارته كعبارة التذكرة من حيث النص على أن الصيام في العاشر ليس صياماً اصطلاحياً، وإنما هو إمساك عن الطعام والشراب حزناً على مصاب سيد الشهداء حتى العصر، كما تضمنت عبارته أنه يفطر بعد إمساكه على شيء من تربة كربلاء المقدسة.

وقال في إرشاد الأذهان: الصوم أربعة: واجب….ومندوب، وهو عاشوراء حزناً[18].

قال المقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان: الأخبار في صومه مختلفة، بعضها يدل على استحبابه وأن صومه كفارة سنة. وأن صومه وصوم التاسع يكفر ذنوب سنة، وأنه(ص) صامه، وأن نوحاً على نبينا وآله وعليه السلام أمر بصومه الجن والأنس لما لزقت سفينـته في هذا اليوم على الجودي. وروى عن أبي جعفر(ع): أنه اليوم الذي تاب الله عز وجل على آدم وحواء، وهذا اليوم الذي غلب فيه موسى(ع) على فرعون، وهذا اليوم ولد فيه إبراهيم(ع)، (وسيجئ أنه ولد في أول ذي الحجة)، وهذا اليوم الذي تاب الله فيه على قوم يونس، وهذا اليوم الذي ولد فيه عيسى بن مريم، وهذا اليوم الذي يقوم فيه القائم.

وبعضها على كراهته، بل تحريمه، مثل أنه سنة آل زياد، وأنه صوم متروك، وأنه لا يصام ولا عرفة بمكة ولا بمصر من الأمصار، وأنه صوم ابن مرجانة عليه العذاب واللعنة، وأنه صيام الأدعياء إلى قتل الحسين(ع)، وأنه يوم شؤم يتشأم به أهل الإسلام ولا يصام في مثله ولا يتبرك به، وإن يوم الاثنين يوم نحس قبض فيه النبي(ص)، فمن صامهما وتبرك بهما لقي الله عز وجل ممسوخ القلب، وكان محشره مع الذين سنوا صومهما والتبرك بهما، وأن من صامه كان حظه من صومه حظ ابن مرجانة وحظه النار.

ويمكن نسخ الأول، وحمل الآخر على صوم التبرك والشكر بوقوع قتله(ع) فيه، وهو حرام، بل هو كفر مع العلم(نعوذ بالله منه) لأنه بغض ذوي القربى الذين تجب مودتهم بالقرآن والأخبار، بل من ضروريات الدين وبغضهم كفر.

ويمكن الكراهية مع عدم ذلك القصد لكونه سنة لهم واتصافاً بصفاتهم، وللإشعار بزيهم، مثل ما ورد في كراهة الاتصاف بأوصاف اليهود والنصارى، والاستحباب أيضاً مع الاتصاف بالحزن بحيث يضمحل ذلك الإشعار بالكلية.

ولا يـبعد استحباب محض الامتناع عن الأكل والشرب كسائر المشتهيات لا صومه، سواء أفطر بعد العصر ليخرج عن الصوم ظاهراً كما هو المشهور المعمول أم لا.

ويمكن حمل مثل المتن على ما قلناه

وقال الشهيد الأول في الدروس: وفي صوم عاشوراء حزناً كله أو إلى العصر أو تركه روايات، وروي: صمه من غير تبيـيت وافطره من غير تشميت، ويفهم منه استحباب ترك المفطرات لا على أنه صوم حقيقي، وهو حسن[19].

أقول: أشار إلى أن كلا الاحتمالين ورد في كلمات الأصحاب والنصوص، فيحتمل أن المراد هو الصوم الاصطلاحي، كما أن احتمال إرادة الإمساك أمر غير بعيد، نعم اختار أن المعتبر هو الصوم غير الحقيقي، أعني الإمساك.

وقال السبزواري في الكفاية: واختلفت الروايات في صوم يوم عاشوراء، فبعضها تدل على الاستحباب وأنه كفارة سنة، وبعضها تدل على المنع وأن من صامه كان حظه من ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد وهو النار، والشيخ في الاستبصار جمع بين الأخبار بأن من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصاب آل محمد(ع) والجزع لما حلّ بعترته(ص) فقد أصاب….

وهو غير بعيد، وفي بعض الروايات: وليكن إفطارك بعد العصر على شربة ماء[20].

وقال الفيض الكاشاني: أقول: بل الأولى ترك صيامه على كل حال، لأن الترغيب في صيامه موافق للعامة مسند إلى آبائهم(ع)، وهذا من أمارات التقية، فينبغي ترك العمل به، ولأن صيامه متروك بصيام شهر رمضان والمتروك بدعة.

ولو حمل ترغيب صيام هذا اليوم على الإمساك عن المفطرات عامة والنهار من دون إتمامه إلى الليل على وجه الحزن كما ورد في بعض الأخبار لكان حسناً وهو ما رواه صاحب التهذيـبين في مصباح المتهجد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(ع) أنه سأله عنه، فقال: صمه من غير تبيـيت[21].

أقول: بنى على أن النصوص التي تضمنت الأمر بصيامه محمولة على التقية، نعم توجه بالإمساك إلى العصر.

وقال في المفاتيح: ومن المستحب صوم التأديب، وهو الإمساك عن المفطرات في بعض النهار تشبهاً بالصائمين، وهو ثابت بالنص والإجماع في سبعة مواطن: المسافر إذا قدم أهله…..والأظهر أن صوم يوم عاشوراء من هذا القبيل لقول الصادق(ع): صمه من غير تبيـيت، وأفطره من غير تشميت.

وينبغي العمل على هذا الحديث لاعتباره سنداً[22].

وقال في الحدائق: منها: صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن، كذا قيده جملة من الأصحاب وكأنهم جعلوا ذلك وجه الجمع بين الأخبار الواردة في صومه أمراً ونهياً، وبهذا جمع الشيخ بين الأخبار في الاستبصار ونقل هذا الجمع عن شيخه المفيد، قال في المدارك بعد ذكر ذلك: وهو جيد.

أقول: بل الظاهر بعده-ثم نقل نصوصاً تدل على عدم جواز صومه- ثم قال:

ثم أقول: لا يخفى عليك ما في دلالة هذه الأخبار من الظهور والصراحة في تحريم صوم هذا اليوم مطلقاً، وأن صومه إنما كان في صدر الإسلام ثم نسخ بنـزول صوم شهر رمضان، وعلى هذا يحمل خبر صوم رسول الله(ص).

وأما خبر القداح وخبر مسعدة بن صدقة الدال كل منهما على أن صومه كفارة سنة، والأمر بصومه كما في ثانيهما فسبيلها الحمل على التقية لا على ما ذكروه من استحباب صومه على سبيل الحزن والجزع، كيف وخبر الحسين بن أبي غندر عن أبيه ظاهر في أن الصوم لا يكون للمصيـبة، وإنما يكون شكراً للسلامة، مع دلالة الأخبار الباقية على النهي الصريح عن صومه مطلقاً سيما خبر نجية.

وأما خبر كثير النوا مع كون راويه المذكور بترياً عامياً، معارض بخبر هيثم المذكور. نعم قد روى الشيخ(ره) في كتاب مصباح المتهجد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(ع) قال:….، وهذه الرواية هي التي ينبغي العمل عليها، وهي دالة على مجرد الإمساك إلى الوقت المذكور، والمفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حمل كلام الأصحاب باستحباب صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن هو صومه على هذا الوجه المذكور في الرواية، وهو بعيد، فإن كلامهم صريح أو كالصريح في أن مرادهم صيام اليوم كملاً، كما في جملة أفراد الصيام[23].

ولنكتفي بهذا المقدار من كلمات الأصحاب التي نقلناها، ونسأل الله سبحانه أن نكون قد وفقنا لإحاطة القارئ العزيز بسير المسألة وحركتها التاريخية، وقد أحاط أيضاً بأقوالها ومن هم القائلون بكل قول.

أدلة القول بالحرمة:

ثم إنه بعد التعرض لجملة من كلمات الأصحاب، وقد عرفت حالها، ينبغي التعرض إلى أدلة كل قول، فنقول:

استدل القائلون بالحرمة بثلاثة أمور:

الأول: التمسك بالإجماع الذي يظهر من السيد في الغنية، وقد سمعت حكايته من الفقيه الماهر صاحب الجواهر(ره)، بل يمكن التمسك بدعوى نفي الخلاف كما عن صاحب الجواهر(ره) نفسه.

ولا يخفى أن تحقيق هذا الدليل يحتاج إلى ملاحظة من حيث الكبرى والصغرى.

أما الكبرى، فسوف يكون البحث فيها في أصل حجية الإجماع.

وأما الصغرى، فهي في إجماعات سيد الغنية، ابن زهرة(قده).

أما بالنسبة إلى الكبرى، فإن الاستناد إلى الإجماع كدليل يتوقف على أمرين لابد من توفرهما كي ما يصلح للدليلية:

الأول: أن يكون الإجماع صادراً من الطبقة الأولى لفقهاء الطائفة والقريـبين من عصر صدور النص.

الثاني: أن لا يكون في البين ما يصلح للمدركية.

ومن الواضح جداً انتفاء الأمر الثاني، ضرورة أن هاهنا ما يصلح للدليلية كما سيتضح، وبالتالي يصعب البناء على حجية مثل هذا الإجماع.

هذا وقد يمنع من تحقق الأمر الأول أيضاً، إذ عرفت عند استعراض أقوال المسألة أن شيخنا الصدوق(ره) وهو من الطبقة القدمائية من أصحابنا قائل باستحباب الصيام، وقد ذكرنا في محله أن دلالة الإجماع على الحكم الشرعي ليست أمراً تعبدياً، وإنما دلالته بلحاظ كاشفيته القطعية، أو الإطمئنانية عن الحكم الشرعي، وذلك من خلال جمع الاحتمالات والقرائن وفق حساب الاحتمال الرياضي، لكشفه حينئذٍ عن ارتكاز متشرعي تلقي من أصحاب المعصومين(ع)، وفقاً لما عليه بعض أساطين المحققين(دامت أيام بركاته) وبعض الأكابر(قده).

ولا يخفى أن مخالفة مثل الشيخ الصدوق(ره) وهو الذي يعدّ أحد ركائز البحث الفقهي، تضر في كشف الإجماع عن الارتكاز المتشرعي، ضرورة أنه لو كان هناك ارتكاز متشرعي لم يخف عليه، خصوصاً وأنه يعيش في عمق الوسط الفقهي، فخلافه كاشف عن عدم وجود الارتكاز المذكور.

لكن الصحيح المنع من قبول هذا الأمر، لا لأن مخالفة معلوم النسب غير ضارة بحجية الإجماع كما عليه المشهور، إذ عرفت منا الوجه في حجية الإجماع، بل لأن المخالفة الصادرة من شيخنا الصدوق(ره) غير ضارة في المقام، ضرورة أن هذه المخالفة الصادرة منه يحتمل قوياً استنادها إلى وجود الدليل الروائي، ومع وجود هذا الاحتمال لا يمكن الجزم بعدم وجود ارتكاز متشرعي، لأن من الممكن أن يكون الصدوق(قده) قد اعتمد على نكتة اجتهادية قدم على وفقها الدليل الروائي على الارتكاز المتشرعي.

نعم لو كان مستند الصدوق(ره) هو الأصل العملي فلا ريب في أنه يكون مضراً بالإجماع، لأنه لو كان هناك ارتكاز متشرعي لم يكن هناك وجه لأن يفتي الفقيه بمقتضى الأصل العملي، وهو يجد ارتكازاً مأخوذاً من بيانات المعصوم(ع).

وبالجملة، فالمانع من قبول هذا الإجماع إنما هو فقدان الأمر الثاني كما بينا. هذا كله بحسب الكبرى.

وأما بحسب الصغرى، فمن الواضح أن الإجماع المذكور هو إجماع السيد ابن زهرة، والمعروف أنه كإجماعات السيد المرتضى، والشيخ(ره)، وهي إجماعات على القاعدة، تعتمد اعتماداً كلياً على قاعدة اللطف، وهذا مانع من قبول هذا الإجماع.

الثاني: سيرة المتشرعة:

حيث أن سيرتهم قائمة على عدم صيام هذا اليوم، وإنما الإمساك فيه حزناً وكمداً على ما أصاب سبط رسول الله(ص) وأهل بيته(ع)، وما دخل من الأذى على أهل البيت(ع)، ويدل على أن هذه السيرة كانت معاصرة لزمان المعصوم(ع) وليست من السير الحادثة ما كان عليه أصحاب الأئمة(ع)، حيث يستفاد ذلك من خلال أسئلتهم التي عرضوها على المعصومين(ع)، ولا ريب في أن المنع الصادر عنه(ع) يجعلهم يعملون على طبقه، وهم هم من حيث الالتزام بما يصدر عنه(ع).

هذا ويمكن الخدشة في كون هذه السيرة معاصرة لزمن المعصوم(ع)، ودعوى أنها من السير الحادثة، لأن عمدة ما تمسك به المستدل لإثبات أنها من السير المعاصرة وليست الحادثة ما كان عليه فعل أصحاب الأئمة(ع)، ومن الواضح أنه يمكن القول بأن فعلهم بترك الصيام في ذلك اليوم، لا يعود لكونه أمراً محرماً، وإنما من أجل عن الإضعاف عن القيام بمراسم العزاء، كما ورد ذلك في النهي عن صيام يوم عرفة لمن كان يضعفه عن الدعاء.

وقد يؤيد، بل يستدل به على عدم ثبوت هذه السيرة، الأسئلة التي صدرت من الرواة كمحمد بن مسلم وزرارة في مشروعية صوم يوم عاشوراء

الثالث: التمسك بالنصوص:

منها: صحيح محمد بن مسلم وزرارة سألأ أبا جعفر الباقر(ع) عن صوم يوم عاشوراء، فقال: كان صومه قبل شهر رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك[24].

أقول: اشتملت النص المذكور على أمرين:

الأول: أن صيام يوم عاشوراء كان مشرعاً، لكنه لم يشر إلى نحو تشريعه، وأنه كان على نحو الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة.

الثاني: ترك صيامه بعد تشريع صيام شهر رمضان، لكن هل يستفاد من ذلك أن الترك راجع للنسخ، فتنفى المشروعية، أم أن الترك راجع لاكتفاء الناس في مقام العبادة والتوجه إلى الله سبحانه بخصوص صيام شهر رمضان؟…كلا الاحتمالين غير واضح من النص، ضرورة الظاهر كونه(ع) ليس في مقام البيان من هذه الناحية.

إلا أن الإنصاف أن التدبر في الحديث يكشف عن عدم مشروعية صيام يوم عاشوراء، بعد تشريع صيام شهر رمضان، وذلك بملاحظة أن الظاهر كون السؤال عن المشروعية، لا أن السؤال عن شيء آخر، ومقتضى التطابق بين السؤال والجواب يستدعي أن يكون جوابه(ع) أيضاً على نحو ما جاء به السؤال وهو بيان المشروعية وعدمها، مضافاً إلى أن ذكره أنه كان صيامه قبل نزول شهر رمضان، فلما شرع ترك، يفيد النسخ، وبيان عدم المشروعية، ويمكن تأكيد ذلك بما جاء في خبر الحسن بن علي الوشاء الآتي، من أنه بعد تشريع صيام شهر رمضان يكون متروكاً، وكل متروك بدعة.

وهذا المعنى أعني النسخ هو ما استظهره التقي المجلسي الأول(ره)، حيث أنه ذكر في روضة المتقين: وقوله: ترك، أي نسخ[25].

ثم إنه بعد البناء على ثبوت مشروعية صوم عاشوراء قبل تشريع صوم شهر رمضان، ينبغي البحث في أن مشروعية صيامه هل كانت على نحو الوجوب أم كانت على نحو الإباحة، ضرورة أنه لو كانت على نحو الوجوب، فلابد من ملاحظة المبنى في أنه إذا نسخ الوجوب، فهل يـبقى الجواز، أم لا؟…ونعني بالجواز، إما معناه الأعم، وهو غير الحرمة، وإما معناه الأخص، وهو خصوص الإباحة.

هذا والمعروف بين الأصوليـين، هو القول بعدم دلالة دليل الناسخ ولا دليل المنسوخ على بقاء الجواز، مما يعني أنه لو أريد تعيـين أي واحد من الأحكام الأربعة فيحتاج عندها إلى دليل يدل على ذلك.

ومنها: خبر زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله(ع) قالا: لا تصم في يوم عاشوراء ولا عرفة بمكة ولا في المدينة ولا في وطنك ولا في مصر من الأمصار[26].

أقول: في سندها ياسين الضرير، وهو ممن لم تثبت وثاقته، وسيأتي التعرض لشرح حاله في الملاحق.

وأما دلالتها فواضحة في النهي عن الصيام، ووفقاً لكون النهي ظاهراً في الحرمة يثبت المدعى كما لا يخفى.

ومنها: ما رواه الحسن بن علي الوشاء، قال: حدثني نجبة بن الحارث العطار، قال: سألت أبا جعفر(ع) عن صوم يوم عاشوراء، فقال: صوم متروك بنـزول شهر رمضان، والمتروك بدعة.

قال نجبة: فسألت أبا عبد الله من بعد أبيه(ع) عن ذلك فأجابني بمثل جواب أبيه ثم قال: أما إنه صوم يوم ما نزل به كتاب، ولا جرت به سنة، إلا سنة آل زياد بقتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما[27].

أقول: دلالته على المنع أوضح مما تقدمه، حيث أنه تضمن أنه بدعة، ذلك لكونه متروكاً، كما جاء في جواب الإمام أبي جعفر(ع)، وأكد الإمام أبو عبد الله(ع) عدم المشروعية، عندما ذكر أنه لم ينـزل في كتاب، ولم تجر به سنة، إلا سنة آل زياد.

ومنها: خبر عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم، فقال: تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين وأصحابه رضي الله عنهم بكربلاء، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الحسين وأصحابه، وأيقنوا أن لا يأتي الحسين ناصر، ولا يمده أهل العراق، بأبي المستضعف الغريب، ثم قال: وأما يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين صريعاً بين أصحابه، وأصحابه صرعى حوله(عراة)أفصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلا ورب البيت الحرام وما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيـبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم، وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام، فمن صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوط عليه، ومن ادخر إلى منـزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقاً في قلبه إلى يوم يلقاه، وانتـزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده، وشاركه الشيطان في جميع ذلك[28].

أقول: وقع في سندها محمد بن سنان، وسيأتي شرح حاله في الملاحق. كما أنه قد اختلفت نسخها، فقد وردت عن أبان عن عبد الملك، وقد ورد هامش الوسائل: عن أبان بن عبد الملك.

وعلى أي حال، أبان يحتمل أنه أحد ثلاثة:

الأول: أبان بن تغلب.

الثاني: أبان بن عثمان.

الثالث: أبان بن عبد الملك.

والأول لا كلام في جلالته، كما أن الثاني معتمد ثقة، ويـبقى الحديث في الثالث.

ودلالتها على النهي عن صومه واضحة جداً.

ومنها: خبر محمد بن عيسى بن عبيد، قال: حدثني جعفر بن عيسى أخوه: قال: سألت الرضا(ع) عن صوم يوم عاشوراء وما يقول الناس فيه، فقال: عن صوم ابن مرجانة تسألني؟ ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين وهو يتشاءم به آل محمد ويتشاءم به أهل الإسلام، واليوم الذي يتشاءم به أهل الإسلام لا يصام ولا يتبرك به، ويوم الاثنين يوم نحس قبض الله عز وجل فيه نبيه، وما أصيب آل محمد إلا في يوم الاثنين، فتشأمنا به وتبرك به ابن مرجانة ويتشاءم به آل محمد، فمن صامها أو تبرك بها لقي الله تبارك وتعالى ممسوخ القلب وكان حشره مع الذين سنوا صومها والتبرك بها[29].

أقول: هناك اختلاف في سند الرواية بين الوسائل والكافي، مع أن الوسائل ينقل عن الكافي، حيث أن الوارد في الوسائل الحسين بن علي الهاشمي، والموجود في الكافي، هو الحسن.

والظاهر أن المقدم هو نسخة الكافي، وذلك لأن شيخ الكليني(ره) هو الحسن، وليس الحسين.

وعلى أي حال، فإن الحسن بن علي الهاشمي، ممن لم يذكر في كتب الرجال بمدح أو قدح، لكن يمكن البناء على وثاقته استناداً إلى وثاقة مشائخ الإجازة، وذلك إما بقول مطلق، بحيث يقال: بوثاقة كل من كان شيخ إجازة، أو وفقاً للتفصيل الذي نذكره، حيث أننا نقسم شيوخ الإجازة إلى قسمين:

الأول: أن يكون شيخ الإجازة مجرد من يكون واسطة في اتصال السند، وعدم حصول الانقطاع فيه.

الثاني: أن يكون شيخ الإجازة يعتمد عليه في تحقيق حالا لرواية أو الكتاب المجاز، من عدة نواحي، كالصدور والظهور والدلالة، وموافقة الكتاب والأصول العامة للمذهب، وغير ذلك.

والظاهر أنه لو كان شيخ الإجازة من النحو الثاني، لا يبعد البناء على وثاقته، ضرورة أن من يوكل له هذه الأمور ويعتمد عليه فيها، لن يكون إلا جليل القدر، عظيم المنـزلة ثقة في نفسه غير كذاب.

والظاهر أن الهاشمي ليس من أصحاب القسم الثاني، فلاحظ وتدبر.

وقد يـبنى على وثاقته من خلال طريق آخر، وهو كونه ممن روى عنه شيخنا الكليني، وعندها يحكم بوثاقته بأحد تقريبين لهذا الوجه:

الأول: الاستناد للديـباجة التي وردت في مقدمة الكافي، والتي يستفاد منها تصحيح جميع ما وقع في كتاب الكافي، ووفقاً لكون الكليني(ره) يبني على مسلك الوثاقة يحكم عندها بوثاقة جميع من وقع في أسناد الكتاب.

والإنصاف، أنه لو قيل بوجود المقتضي لتمامية الديـباجة في المدعى، ولولا وجود المانع لحكم بذلك، كان حسناً.

الثاني: البناء على أن رواية الجليل عن شخص تكشف عن وثاقته.

وهذا الوجه بحسب الثبوت قد يكون عقلائياً، خصوصاً بملاحظة أن الرواية نحو اعتماد على المروي عنه.

لكن المشكلة تكمن في مقام الإثبات، حيث أننا لم نجد وجهاً صناعياً فنياً يمكن الاستناد إليه، فتأمل.

وأما دلالة الخبر على المدعى وهو المنع عن صوم يوم عاشوراء، وحرمته فواضحة جداً، فلاحظ قوله(ع): فمن صامها أو تبرك بها لقي الله تبارك وتعالى ممسوخ القلب وكان حشره مع الذين سنوا صومها والتبرك بها.

ومنها: ما رواه زيد النرسي قال: سمعت عبيد بن زرارة يسأل أبا عبد الله
(ع) عن صوم عاشوراء، فقال: من صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد.

قال: قلت: وما كان حظهم من ذلك اليوم؟

قال: النار أعاذنا الله من النار، ومن عمل يقرب من النار[30].

أقول: في سند الرواية زيد النرسي، ويـبدو أن مصدرها هو كتابه، وسيأتي التعرض له في الملاحق. كما أن في سندها الحسن بن علي الهاشمي، وقد تقدمت الإشارة إليه، فلاحظ.

ودلالتها على المنع واضحة جداً، حيث لا معنى لأن يستحق الإنسان النار لو لم يكن الفعل الصادر منه محرماً ومخالفاً للأوامر الإلهية.

ومنها: خبر الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، عن أبي عبد الله(ع) قال: سألته عن صوم يوم عرفة، فقال: عيد من أعياد المسلمين، ويوم دعاء ومسألة.

قلت: فصوم عاشوراء؟ قال: ذاك يوم قتل فيه الحسين(ع)، فإن كنت شامتاً فصم، ثم قال: إن آل أمية عليهم لعنة الله ومن أعانهم على قتل الحسين(ع) من أهل الشام نذروا نذراً إن قتل الحسين(ع) وسلم من خرج إلى الحسين(ع) وصارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتخذوا ذلك اليوم عيداً لهم يصوموا فيه شكراً، ويفرحون أولادهم فصارت في آل أبي سفيان سنة إلى اليوم في الناس، واقتدى بهم الناس جميعاً، فلذلك يصومونه ويدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح ذلك اليوم، ثم قال: إن الصوم لا يكون للمصيـبة ولا يكون إلا شكراً للسلامة، وإن الحسين(ع) أصيب يوم عاشوراء فإن كنت فيمن أصيب به فلا تصم، وإن كنت شامتاً ممن سرك سلامة بني أمية فصم شكراً لله[31].

ودلالته على المنع واضحة، حيث أنه(ع) أشار إلى منشأ وجوده وأنه وفاء بنذر نذره بنو أمية، ثم ذكر أن الناس من حيث الصيام قسمان، شامت، فيصوم، ومصاب فيترك، ولما كان الصوم لا يكون في المصيـبة وإنما يكون في السلامة فمن كان مصاباً بالحسين(ع) فلا يصوم.

ومنها: ما جاء في مصباح المتهجد عن عبد الله بن سنان، قال: دخلت على أبي عبد الله(ع) يوم عاشوراء فألفيته كاسفاً ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط، فقلت: مم بكاؤك؟

فقال: أفي غفلة أنت؟ أما علمت أن الحسين أصيب في مثل هذا اليوم؟

فقلت: ما قولك في صومه؟ فقال لي: صمه من غير تبيـيت، وافطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملاً، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فإنه في مثل هذا الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء على آل رسول الله(ص)[32].

أقول: قد تقرب دلالته على المنع من خلال أنه(ع) نهى عن تبيـيت النية في صيامه، وواضح أن الصوم عبادة يحتاج إلى نية، فلو صام الإنسان دونما نية لم ينطبق عليه عنوان العبادة، مضافاً إلى أنه(ع) حدد انتهاء الصيام بالعصر، وهو الزوال، مع أن الصيام ينـتهي بالغروب، فلو كان الصوم مشروعاً لما كان بهذه الكيفية.

——————————————————————————–

[1] المقنعة ص 367.

[2] النهاية ص 169.

[3] الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد ص 293.

[4] الرسائل العشر ص 218.

[5] التهذيب ج 4 ص 302.

[6] المهذب ج 1 ص 188.

[7] الغنية ج 1 ص 148.

[8] السرائر ج 1 ص 419.

[9] الجامع للشرائع ص 162.

[10] شرائع الإسلام ج 1 ص 238.

[11] مسالك الأفهام ج 2 ص 78.

[12] جواهر الكلام ج 6 ص 271-273، من القطع الكبير.

[13] النهاية ونكتها ج 1 ص 414.

[14] جامع المقاصد ج 3 ص 86.

[15] تذكرة الفقهاء ج 6 ص 192.

[16] منتهى المطلب ج 2 ص 611.

[17] تحرير الأحكام ج 1 مسألة 129.

[18] إرشاد الأذهان ج 1 ص 300.

[19] الدروس الشرعية ج 1 ص 282.

[20] كفاية الأحكام ج ص

[21] الوافي ج 11 ص 76.

[22] مفاتيح الشرائع ج 1 ص 284.

[23] الحدائق الناضرة ج 13 ص 376.

[24] وسائل الشيعة ب 21 ح 1.

[25] روضة المتقين ج 4 ص 247.

[26] المصدر السابق ب 41 ح 6.

[27] المصدر السابق ب 21 ح 5.

[28] وسائل الشيعة ب 21 ح 2.

[29] وسائل الشيعة ب ج 10 ص 460.

[30] المصدر السابق ص 461.

[31] وسائل الشيعة ب 21 من أبواب ح 7.

[32] مستدرك الوسائل ب 16 من أبواب ح 6.