8 ديسمبر,2021

القرض الاستثماري مع الزيادة(4)

اطبع المقالة اطبع المقالة

القرض الاستثماري

مع الزيادة(4)

 

ومنها: قوله تعالى:- (يمحق الله الربا ويُربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم)[1]، وتقريب دلالتها على المدعى من خلال ذيلها، وهو قوله تعالى:- (والله لا يحب كل كفار أثيم)، فإن توصيف المتعاطي للربا بالكفر ناشيء عن كونه قد ارتكب حراماً، وهو مداوم عليه. والمقصود من الكفر في الآية الشريفة هو كفر النعمة، وليس الكفر بمعنى إنكار وجود الذات المقدسة أو ما شابه.

وبالجملة، إن بغض الله سبحانه وتعالى للمرابي، يدل على كونه مرتكباً لعمل حرام، وما هو إلا أكل الربا، فيثبت المطلوب.

 

إلا أن الظاهر أن موضوع الآية الشريفة ليس بيان حرمة الربا، وإنما موضوعها الإشارة إلى بعض المصالح المترتبة على تحريم الربا، وتحليل الصدقة، فيذكر سبحانه أنه ينقص المال الذي يكون حاصلاً من الربا، ويزيد المال الذي تدفع منه الصدقة.

ومنها: قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون)[2]. وتستفاد الحرمة من مقطعين في الآية الثانية:

الأول: قوله تعالى:- (فأذنوا بحرب من الله ورسوله)، فإن هذا التعبير يشير إلى حرمة الفعل الحاصل وخطورته جداً، وإلا أي معنى أن يهدد الفاعل بحرب من الله سبحانه ورسوله. والمعنى أن أخذ الربا يوجب استحقاق آخذه للحرب من الله سبحانه ورسوله الكريم(ص) وذلك بالقتل في الدنيا، والعقاب في الآخرة. والمقصود من الأذن في الآية بمعنى العلم.

الثاني: قوله تعالى:- (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم)، فإن التعبير بالتوبة لا يكون عادة إلا عن ذنب ومعصية.

 

ووفقاً لما تضمنه سبب نزول الآية الشريفة، فإن المقصود من الربا فيها هو الربا الجاهلي، وهو الربا القرضي، فقد جاء في مجمع البيان أنه قد ورد في رواية عن الإمام الباقر(ع) أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل أنها نزلت في العباس بن عبد المطلب، وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان الربا إلى بني عمرو بن عمير وهم أناس من ثقيف. وروي عن النبي(ص) أنه قال بعد نزول هذه الآية: على أن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب.

وعن مقاتل أنها نزلت في مسعود وعبد ياليل وحبيب بن ربيعة وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، كانوا أربعة إخوة ويربون[3].

 

وقد عقب بعض الأعلام(ره) عليها، بأن المستفاد منها أن علة تحريم الربا هو كونه ظلماً، وهذا لا يتصور إلا في خصوص الربا الاستهلاكي دون الربا الانتاجي الاستثماري. والنكتة في ذلك أن القرآن يقرر أن الربا ظلم عرفي عقلائي، فإذا ما تاب المتعاملون به فليس لهم سوى رؤوس أموالهم لا أكثر، لأن أخذ الزيادة عن ذلك ظلم. ومن الواضح أن الربا الانتاجي الاستثماري ليس ظلماً بنظر العرف والعقلاء.

ومع ظهور الآية الشريفة في التعليل، لدلالتها على أن علة التحريم هو الظلم، فسوف تصلح لتقيـيد جميع الآيات الدالة على حرمة مطلق الربا، لتكون مختصة بخصوص الربا الاستهلاكي دون الاستثماري[4].

وسوف يأتي عند الحديث عن دلالة النصوص الشريفة ملاحظة أن ما تضمنته الأدلة هو علة للحكم يدور مدارها وجوداً وعدماً، أو أنه مجرد حكمة.

 

ومنها: قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون)[5]، وتقريب دلالتها على المدعى من خلال النهي الوارد فيها، لقوله تعالى:- (لا تأكلوا الربا)، فإنه ظاهر في الحرمة والمنع. وأما التقيـيد بكونه أضعافاً مضاعفة في قوله تعالى:- (أضعافاً مضاعفة)، فقد ذكر له في مجمع البيان محتملين:

أحدهما: أن يكون الخطاب موجهاً للمرابي، وهو صاحب المال الذي يقوم بمضاعفة ماله من خلال الربا، فيكون المقصود هو مضاعفة المال من خلال أخذ الربا، فيصبح المعنى: لا تأخذوا الربا فتضاعفون أموالكم أضعافاً مضاعفة به.

ثانيهما: أن يكون الخطاب للدائن، وهو الذي يطالب بزيادة الأجل لسداد الدين، وإن استدعى ذلك زيادة المبلغ الذي يؤديه لصاحب المال، لأن الزيادة تكون بإزاء التأخير والتأجيل لوقت السداد على رأس المال، وهكذا، فيأخذ المرابي أضعافاً مضاعفة من غريمه.

 

وقد ذكر(ره) ملائمة كلا المحتملين لظاهر الآية المباركة، إلا أن الثاني منهما أظهر، لأنه لا يحتاج إلى تقدير وتأويل، مع أنه يرجع بالمآل إلى الأول أيضاً كما هو واضح[6].

ومنها: قوله تعالى:- (فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أُحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً* وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً)[7]. وقد قربت دلالتها بلحاظ وقوع الربا في عداد المحرمات على اليهود والتي توجب العقوبة عليهم.

 

ومن الواضح أن حكاية مثل هذه المحرمات عن الشرائع السماوية والأديان السابقة في القرآن الكريم، مع ذكر إنزال العذاب عليهم بسبب طغيانهم وارتكابهم تلك المحرمات، ظاهر في تأيـيد تلك المحرمات، وإمضاء حرمتها في شريعة الإسلام، ولو من خلال استصحاب عدم النسخ للأحكام الثابتة في الشرائع السابقة. ويؤيد ذلك ما روي في تفسير هذه الآية، في التفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله(ع) أنه قال: وما كان الله ليحل شيئاً في كتابه، ثم يحرمه من بعد ما أحله، ولا أن يحرم شيئاً، ثم يحله من بعد ما حرّمه[8].

 

وأجاب عنها بعض الأعلام(ره)، بأن العطف في قوله تعالى:- (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين عذاباً أليماً)،من باب عطف العام على الخاص، وأن الربا فرد لأكل أموال الناس بالباطل، وإنما حرم لأجل ذلك، ومن الواضح أن الذي ينطبق عليه عنوان أكل المال بالباطل هو الربا الاستهلاكي دون الربا الانتاجي، لما عرفت أنه يلعب دوراً أساسياً في العملية الاقتصادية التنموية، وعليه سوف تكون الآية الشريفة بلحاظ هذا القيد مقيدة لإطلاق بقية الآيات الدالة على حرمة مطلق الربا[9].

 

وفيه، أولاً: إن مجرد كون القرض الربوي الاستثماري يوجب فاعلية الحركة الاقتصادية وينميها، لا يكون مسوغاً لحليته، لأن هناك كثيراً من الأمور التي توجب تحريك عجلة الاقتصاد وقد منع الشارع المقدس منها، مثل بيع الخمر، وبيع الميتة ما لم تكن لها منفعة محللة مقصودة، والقمار، والعمل في الغناء، وغير ذلك.

 

ثانياً: منع كون المقام من صغريات القاعدة المذكورة، وذلك لأن النسبة بين المفهومين في الآية هي العموم والخصوص من وجه، وليس العموم والخصوص المطلق. وذلك لأن الربا وإن كان من مصاديق الباطل شرعاً، إلا أن الباطل في الآية يقصد منه معناه العرفي، نعم يصح ما ذكره من أن المورد من صغريات عطف العام على الخاص، لو كان المقصود من الباطل هو معناه الشرعي، وقد عرفت أن المقصود منه في الآية خلاف ذلك.

وعليه، لن ينهض القيد المذكور في قوله تعالى:- (وأكلهم أموال الناس بالباطل)، لتقيـيد الإطلاقات الدالة على حرمة مطلق الربا القرضي.

 

ومنها: قوله تعالى:- (وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله)[10].

والظاهر أنها أجنبية عن المدعى، لأنها ليست بصدد بيان حكم شرعي وهو حرمة الربا، وإنما هي بصدد بيان عدم بركة للربا، لأنه يوجب محق الإيمان والعذاب الخالد، فالربا وإن كان يوجب نماء المال بزعم المرابي، إلا أنه في الحقيقة نماء مضر لا ينفع صاحبه بل يضره مثل المرض الذي يصيب الإنسان وينمو، فإن نمائه موجب لضرره لا منفعته.

ومن المحتمل أيضاً أن يكون مفاد الآية هو الإشارة إلى الآثار الوضعية المترتبة على الربا، وليست ناظرة إلى بيان حكمه الشرعي وأنه الحرمة، وهذا يجعلها أيضاً أجنبية عن المدعى.

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] سورة البقرة الآية رقم 276.

[2] سورة البقرة الآيتان رقم 278-279.

[3] مجمع البيان ج 1 ومنص 637.

[4] رسالة في الربا الاستثماري ص 36-37.

[5] سورة آل عمران الآية رقم 130.

[6] مجمع البيان ج ص

[7] سورة النساء الآيتان رقم 160-161.

[8] تفسير القمي ج 1 ص 158.

[9] رسالة الربا الاستثماري ص 42.

[10] سورة الروم الآية رقم 39.