25 سبتمبر,2021

الذنــــوب كلها كبائر

اطبع المقالة اطبع المقالة
الذنــــوب كلها كبائر

 

لا خلاف بين الأعلام في اتصاف الذنوب  الصادرة من الإنسان بوصفي الكبيرة والصغيرة، نعم وقع الخلاف بينهم في كون التوصيف المذكور توصيفاً حقيقياً، أو توصيفاً إضافياً.

وقبل عرض القولين المذكورين، يحسن الإشارة إلى مقدمة تحوي أمرين:

الأول: وصف الأجسام بالكبر والصغر وصف إضافي:

لا يخفى أن الكبيرة والصغيرة وصفان من الأوصاف الإضافية، ومعنى ذلك أنه لا يمكن أن يوصف شيء من الأشياء بأحدهما دون مقايسته لشيء آخر، فلا يمكن أن يوصف شيء بكونه كبيراً في نفسه، بعيداً عن ملاحظته مع شيء آخر، كما لا يمكن أن يوصف شيء بكونه صغيراً بعيداً عن مقايسته بشيء آخر، وهكذا. فالمدينة مثلاً حال مقياستها إلى محلة من محلاتها، سوف تتصف بكونها كبيرة، إلا أنه حين مقياستها بكوكب الأرض، سوف تتصف بكونها صغيرة.

والنملة، عندما تلحظ بالقياس إلى الذرة، فسوف تكون متصفة بالكبر، إلا أنه عند ملاحظتها بالقياس إلى الحجر، سوف تكون متصفة بأنها صغيرة، وهكذا.

 

الثاني: وصف الأفعال كوصف الأجسام:

لا يختلف حال الأفعال عن الاجسام، فكما كان وصف الأجسام بالصغر والكبر وصفاً إضافياً، فكذلك وصف الأفعال يكون كذلك، فلا يوصف فعل منها بأنه كبير أو صغير إلا حال ملاحظته ومقياسته لفعل آخر. فقتل النفس المحترمة مثلاً، وخصوصاً لو كانت نفس معصوم من المعصومين(ع)، توصف بكونها كبيرة بالإضافة إلى غصب مبلغ مالي محدد من رجل غني.

كما أن غصب مبلغ مالي معلوم المقدار من غني، يكون كبيراً بالنسبة إلى غصب مبلغ أقل منه من نفس الغني، أو من غني آخر غيره.

 

وقد يختلف حال الفعل أحياناً، فيمكن وصفه بكونه كبيراً بلحاظ، ويمكن وصفه في نفس الوقت بالصغر بلحاظ آخر، فترك بعض الأنبياء(ع) مثلاً للأولى يعدّ كبيرة بلحاظ أنه صادر من نبي من الأنبياء، والذين يعدون في منصب القدوة والمتابعة، مع أن ذلك الفعل لو قام به إنسان عادي، لم يعدّ ذنباً أصلاً، ولو عدّ فإن أقصى ما يوصف به أنه صغيرة من الصغائر.

بل قد يوصف الفعل الواحد الصادر من ذات الشخص مرة بكونه صغيراً، وباعتبار آخر بأنه كبيراً، فلو صدر الفعل منه مثلاً حال شبابه، وفترة جهله، وقبل نضوجه، فإنه يعدّ صغيراً، إلا أنه لو صدر منه حال كبره، ونضجه واتساع مداركه ومعارفه وثقافته، فإنه يوصف بكونه كبيراً، وذلك باعتبار ما كان عليه سابقاً، وما أصبح عليه حالياً، ما أوجب ذلك تغير الوصف.

 

والحاصل، إن الأفعال الصادرة من الناس تخضع في وصفها بكونها كبيرة أو صغيرة إلى ملاحظة اختلاف النسب، واختلاف الاضافات، وملاحظة اختلاف الأحوال والاعتبارات[1].

 

تقسيم الذنوب:

وقع الخلاف بين الأعلام في كون انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر انقساماً حقيقياً، بمعنى أن هناك نوعين من الذنوب يوصف أحدهما بأنه كبيرة في نفسه من دون لحاظ ذنب آخر، كما يوصف الثاني بأنه صغيرة في نفسه دون أن يلحظ أي ذنب من الذنوب، أم أن الانقسام انقسام اضافي، بمعنى أنه لا يوجد نوعان من الذنوب، وإنما الموجود هو نوع واحد، وهو أن جميع الذنوب كبائر، وليس بينها صغائر، نعم يوصف بعض الذنوب بكونه صغيرة حال مقايسته وإضافته إلى ذنب آخر أعلى منه رتبة، أو أشد منه عقوبة، وهكذا، فالنظر إلى المرأة الأجنبية بتلذذ وريبة وشهوة كبيرة من الكبائر، إلا أنه حال مقياسته إلى مصافحتها والحديث معها بتلذذ وريبة، سوف يكون صغيرة وهكذا.

 

وبالجملة، يوجد قولان في المقام:

القسمة الحقيقية للذنوب:

الأول: وهو القول المعروف، وربما كان مشهوراً، من البناء على انقسام الذنوب إلى قسمين انقساماً حقيقياً، فتوصف بعض الذنوب بكونها كبائر، وتوصف ذنوب أخرى بكونها صغائر.

قال السيد السبزواري(ره): ذكرنا أن الآية الشريفة تدل على تقسيم المعاصي إلى كبائر وصغائر، ويدل عليه قوله تعالى أيضاً في آية أخرى:- (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم)[2]، وتدل عليه السنة الشريفة[3].

 

الآثار المترتبة على القسمة الحقيقية:

ويترتب على هذا القول وهو البناء على قسمة الذنوب إلى كبائر وصغائر قسمة حقيقية مجموعة من الآثار نشير لبعضها:

منها: حصر وجوب التوبة في خصوص اقتراف ما كان متصفاً بكونه كبيرة، ولا يلزم ذلك حال إقدام على فعل صغيرة من الصغائر. نعم لو حصل منه الإصرار على الصغيرة، وبني على أن الإصرار على الصغيرة تحولها لكبيرة، فسوف يلزمه التوبة حينئذٍ من الإصرار عليها، وليس عنها في نفسها.

 

ومنها: إن التوبة من الصغيرة يتحقق بمجرد الإقلاع والامتناع عن الكبائر، وهذا يعني أن كل من ترك فعل الكبائر يكون عادلاً وإن كان فاعلاً للصغائر، هذا بناءً على تعريف العدالة بأنها الملكة، دون تعريفها بأنها الاستقامة على جادة الشريعة، فإن فعل أي ذنب ولو كان صغيرة ينافي صدق عنوان الاستقامة على جادة الشريعة، فتأمل.

ومنها: شمول الأدلة الشرعية والمتضمنة للتشديد والحذر الشديد لخصوص الكبائر من الذنوب دون الصغائر منها.

 

ومنها: استحقاق فاعل الكبيرة النار في عالم الآخرة لو مات وهو فاعلها.

وهناك بعض الآثار الموجودة عند بعض الفرق الإسلامية، وبعضها يرتبط بالجوانب الكلامية، مثل عدّ فاعل الكبيرة كافراً.

 

القسمة الإضافية للذنوب:

الثاني: ما أختاره جمع من الأعلام، بل قد نسبه الشيخ الطبرسي(ره) إلى الشيعة الإمامية[4]، وقد حكي عن ابن إدريس(قده) أن عليه اجماع الطائفة[5]، وهو مختار السيد العلامة الطباطبائي(ره)، وبعض الأعاظم(قده)، من أن القسمة بين الذنوب قسمة اضافية وليست قسمة حقيقية، فالمعاصي كلها كبائر، وإن كان بعضها أكبر من بعض، وليس في الذنوب صغيرة، نعم يكون الواحد منها صغيراً بالإضافة إلى ما هو أكبر منه، ويستحق فاعله عليه العقاب أكثر.

قال بعض الأعاظم(قده) في بحث الغيبة: والتحقيق ما ذكرناه في مبحث العدالة من كتاب الصلاة من أن المعاصي كلها كبيرة وإن كان بعضها أكبر من بعضها الآخر، كالشرك بالله العظيم، فإنه من أعظم المعاصي، وقتل النفوس المحترمة فإنه أعظم من بقية الذنوب، وهكذا. وإنما اطلقت الكبيرة عليها بالتشكيك على اختلاف مراتبها شدة وضعفاً، وعليه فلا وجه للنـزاع في أن الغيبة من الكبائر أم من الصغائر.

 

وقد اختار هذا الرأي جمع من الأصحاب، بل ظاهر ابن دريس في كتاب الشهادة من السرائر دعوى الإجماع عليه[6].

ولم ينحصر تصريحه بذلك في خصوص هذا الموضع، بل قد أشار لذلك في غير موضع من موسوعته الفقهية، كما أشار لذلك في مطلع كلامه(قده).

وقد وجه صاحب الميزان(قده)، هذا القول: بأن العصيان والتمرد كيفما كان كبير وأمر عظيم بالنظر إلى ضعف المخلوق في جنب الله عظم سلطانه، غير أن القياس في هذا الاعتبار بين الإنسان وربه، لا بين معصية ومعصية، فلا منافاة بين كون كل معصية كبيرة باعتبار، وبين كون بعض المعاصي صغيرة باعتبار آخر[7].

 

ووفقاً لهذا القول لا يوجد عندنا معصية تتصف بكونها صغيرة في نفسها، لأن كل ذنب ومعصية هو نفسه كبيرة. نعم يكون اتصافه بالصغر حال ملاحظته ومقايسته لذنب آخر أعظم منه خطورة وأشدّ فعندها يتصف بالصغر.

 

آثار القسمة الإضافية:

وكما كانت هناك مجموعة من الآثار المترتبة على القول بالتقسيم الحقيقي للذنوب، فإن هناك مجموعة من الآثار أيضاً تترتب على القول بالانقسام الإضافي فيها، نشير لبعضها:

منها:  وجوب التوبة عند اقتراف أي ذنب من الذنوب.

 

ومنها: اختلال العدالة بفعل أي واحد من الذنوب، سواء عرفت العدالة بأنها ملكة، أم عرفت بأنها الاستقامة على جادة الشريعة.

ومنها: استحقاق فاعل أي واحد منها الدخول إلى النار ما لم تتحقق منه توبة قبل الموت.

ومنها: شمول أدلة التحذير من فعل الكبائر، والتشديد على لزوم الاجتناب عنها لجميع الذنوب على حد سواء وبلا استثناء.

 

أدلة القسمة الحقيقية:

ويمكن الاستدلال للقول بالقسمة الحقيقية للذنوب ببعض الآيات القرآنية، وسوف يتضح من خلال الجواب عنها دليل القسمة الاضافية أيضاً.

منها: قوله تعالى:- (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً)[8]، وتقرب دلالتها على المدعى اعتماداً على قرينة المقابلة لتكون موجبة لكون المقصود من مفردة السيئات في الآية المباركة هي الصغائر، والتي قد وعد الله تعالى بتكفيرها حال الامتناع عن فعل الكبائر، بهذا البيان:

 

قد عرفت في ما تقدم أن الكبر والصغر من الأوصاف الإضافية، فلا يتحقق وصف الشيء بالكبر إلا بالقياس إلى صغر، وعليه يكون وصف بعض الذنوب في الآية المباركة بالكبر يشير إلى أن هناك معاصي وذنوب توصف بأنها صغيرة منهي عنها أيضاً، فتكون الآية المباركة دالة على انقسام الذنوب إلى قسمين: إلى كبائر وصغائر، وبقرينة المقابلة الواردة في الآية سوف يكون المقصود من السيئات فيها هي خصوص الذنوب الصغائر.

ويمكن الجواب عنه، بأن الآية الشريفة لم تشتمل على التعبير بكلمة الصغيرة، فإنها لم ترد فيها، وإنما تضمنت التعبير بكلمة السيئات، ومن الواضح أنه مفهوم عام، والمقصود منه عبارة عن الخطايا والذنوب، وهو كما يشمل الصغائر يشمل الكبائر أيضاً، ويكون تكفيرها بإزالتها، وهذا يعني شمول التعبير المذكور للذنوب الكبائر أيضاً، كما يشمل الصغائر على فرض وجودها، ولا يكون منحصراً في خصوص الصغائر، ولا تصلح قرينة المقابلة للتخصيص بالصغائر دون الكبائر بعد دلالة اللفظ بحسب الوضع على العموم.

 

وهذا يعني أن مدلول الآية الشريفة هو أن اجتناب شيء من الذنوب الكبيرة سبب لتكفير ذنوب كبيرة أخرى، وهذا يشير إلى وجود تفاوت بين الذنوب بعضها مع بعضها فليست كلها في مستوى واحد من حيث الشدة، بل بعضها أشدّ من الآخر، وكأن الذنوب مقسمة إلى مراتب، فبعضها في المرتبة الأولى، وبعضها في المرتبة الثانية، وبعضها في المرتبة الثالثة، وهكذا.

 

ويساعد على ما ذكرناه بعض الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى:- (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً)[9]، فإن المستفاد من الآية الشريفة حصول الغفران من الله تعالى لكل ذنب وخطيئة، وهذا يعني شمول الغفران لكبائر الذنوب أيضاً، وأنها تغفر من قبل الله سبحانه وتعالى.

 

وقوله تعالى:- (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)[10] ، وهي كسابقتها في الدلالة على شمول المغفرة للذنوب الكبيرة أيضاً، نعم قد تضمنت استثناء غفران الشرك بالله سبحانه وتعالى.

وكذا النصوص التي تضمنت تعداد الكبائر، وقد حصرتها بعضها في خصوص عدد معين، مثل ما رواه أبو الصامت عن الصادق(ع) قال: أكبر الكبائر سبع: الشرك بالله العظيم، وقتل النفس التي حرم الله عز وجل إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، وإنكار ما أنزل الله تعالى. وبملاحظة ما ذكرناه في تعدد مراتب الذنوب وتفاوتها من حيث الشدة والضعف، لن تكون هناك حاجة لحملها على الحصر الاضافي، إذ سوف يكون مدلولها حقيقياً، وذلك بلحاظ ما ذكرناه.

وعن ابن محبوب، قال: كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن(ع) يسأل عن الكبائر كم هي وما هي؟ فكتب: الكبائر من اجتنب ما وعد الله عليه النار كفر عنه سيئاته إذا كان مؤمناً، والسبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلماً، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف.

 

ومن خلال ملاحظة النصوص يمكن إحراز الكبائر التي نصت الآية الشريفة على اجتنابهم سبب لتكفير بقية الكبائر الأخرى، ويبلغ عددها واحداً وخمسين كبيرة، وهي التي نص عليها غير واحد من الفقهاء في رسائلهم العملية[11]، وهي: الشرط بالله تعالى، واليأس من روح الله تعالى، والأمن من مكر الله تعالى، وإنكار ما أنزل الله تعالى، والمحاربة لأولياء الله تعالى، واستحقار الذنوب، وعقوق الوالدين، وقتل المسلم، بل كل محقون الدم، والتعدي عليه بجرح أو ضرب أو غير ذلك، وقذف المحصن والمحصنة، وأكل مال اليتيم ظلماً، والبخس في الميزان والكيال، ونحوهما، والسرقة، وكذلك كل تصرف في مال المسلم ومن بحكمه من دون رضاه، والفرار من الزحف، وأكل الربا بنوعيه المعاملي والقرضي، والزناء واللواط والسحق والاستمناء، وجميع الاستمتاعات الجنسية مع غير الزوج والزوجة، والقيادة، والدياثة، والقول بغير علم أو حجة، والكذب حتى ما لا يتضرر به الغير، وشهادة الزور، والفتوى بغير ما أنزل الله، واليمين الغموس، وكتمان الشهادة.

 

وترك الصلاة متعمداً، وترك صوم شهر رمضان، وعدم أداء حجة الإسلام، ومنع الزكاة المفروضة، وقطيعة الرحم، والتعرب بعد الهجرة، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنـزير، وسائر الحيوانات محرمة اللحم، وما أزهق روحه على وجه غير شرعي، وأكل السحت، والإسراف والتبذير، وحبس الحقوق المالية من غير عسر، ومعونة الظالمين، والركون إليهم، وكذلك قبول المناصب من قبلهم إلا فيما إذا كان أصل العمل مشروعاً، وكان التصدي له في مصلحة المسلمين، وغيبة المؤمن، وسبه، ولعنه وإهانته وإذلاله وهجاؤه، وإخافته وإذاعة سره، وتتبع عثراته، والاستخفاف به، ولا سيما إذا كان فقيراً، والبهتان على المؤمن، والنميمة، والغش للمسلم في بيع أو شراء، أو نحو ذلك من المعاملات، والفحش من القول والغدر والخيانة ونقض العهد حتى مع غير المسلمين، والكبر والاختيال، والرياء والسمعة في الطاعات والعبادات، والحسد مع إظهار أثره بقول أو فعل، والرشوة على القضاء، والقمار، والسحر فعله وتعليمه وتعلمه والتكسب به، والغناء واستعمال الملاهي.

 

وبالجملة، إن دلالة الآية المباركة على كون المقصود من السيئات فيها هو خصوص الذنوب الصغيرة حقيقة غير واضحة، بل من الممكن جداً أن يكون المقصود منها الذنوب الكبيرة، والتي تكون في المرتبة الثانية، وهذا كافٍ لمنع دلالتها على القسمة الحقيقية للذنوب. ولا أقل من وجود هذا الاحتمال المانع من الاستدلال، لأنه سوف تكون الآية حينها مجملة.

 

ومنها: قوله تعالى:- (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا وليتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)[12]، ودلالتها على المطلوب بملاحظة حالة الإشفاق التي كان فيها هؤلاء مما في الكتاب، فإنها تدل على أن المراد من الصغيرة والكبيرة في الآية هما نوعا الذنوب، الصغائر والكبائر، وهو يشير إلى أن وصف كل واحد منهما بالصغر والكبر كان وصفاً حقيقياً، أي في نفسه من دون ملاحظة الآخر.

ولا يخفى أن دلالة الآية الشريفة على المدعى تقوم على أن يكون المقصود من الكتاب فيها هو كتاب الأعمال الذي يوضع يوم القيامة ليرى كل إنسان أعماله أمام عينيه، ويتعرف على كل ما عمل مباشرة. وهذا يعني أنه لو بني على أن المقصود منه شيء آخر فلن تتم دلالتها.

 

ومع التسليم بكون المقصود بالكتاب فيها هو كتاب الأعمال، وأن المقصود بالصغيرة والكبيرة هما نوعا الذنوب، إلا أن ذلك لا يستلزم أن يكون الوصف حقيقياً، لوجود احتمال الوصف الاضافي، وفقاً لما تقدم في جواب الآية السابقة.

ومنها: قوله تعالى:- (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة)[13]، وتقريب دلالتها على المدعى مثل تقريب دلالة الآية الأولى، ذلك أن مقتضى المقابلة يصلح أن يكون قرينة مساعدة على تحديد المقصود من اللمم فيها، وأنه صغائر الذنوب مقابل كبائرها.

 

ولا يذهب عليك أنه حتى يلتـزم بما ذكر، وأن المقصود من اللمم في الآية هو صغائر الذنوب بالتحديد، يلزم أن يكون الاستثناء فيها استثناء منقطعاً، وليس متصلاً، وهذا خلاف الظاهر جداً، ويصعب المصير إليه إلا حال وجود قرينة موجبة لذلك، وليس في البين ما يساعد على ذلك أصلاً.

ومع كون الاستثناء في الآية المباركة استثناء متصلاً، سوف يكون المقصود من اللمم الوارد ذكرها في الآية أيضاً هو الكبائر وليس الصغائر، نعم سوف تكون نوعاً منها، وهي الكبائر التي تكون أقل مرتبة من بقية الكبائر الأخرى، وأضعف من حيث الشدة.

كما يمكن أن يكون المقصود منها الكبائر التي تصدر من الإنسان في حالات الضعف والمغلوبية لشيء من قوى النفس كالقوة الغضبية أو القوة الشهوية مثلاً، والتي تكون خارجة عن سيره المتعارف، فإنها التي وعد الله تعالى عليها بالمغفرة.

 

شبهة وجواب:

وقد يقول قائل، بعد التسليم بما ذكرتموه من عدم تمامية دلالة الآيات القرآنية على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، إلا أن النصوص الشريفة قد تضمنت النص على وصف جملة منها بأنها كبائر، فقد ورد عن عبيد بن زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله(ع): أخبرني عن الكبائر. فقال: هن خمس، وهن مما أوجب الله عليهن النار، قال الله تعالى:- (إن الله لا يغفر أن يشرك به)، وقال:- (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً)، وقال:- (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار…ألخ…. وقال عز وجل:- (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا)، ورمي المحصنات المؤمنات، وقتل مؤمن متعمداً على دينه. فإن سؤال السائل عن خصوص الكبائر يوحي بأن هناك ذنوباً أخرى توصف بكونها صغائر لم يقصدها، ولم يردها.

 

وجاء عن الأعمش، عن جعفر بن محمد(ع)-في حديث شرائع الدين-قال: والكبائر محرمة، وهي: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البينة، وقذف المحصنات.

وبعد ذلك الزنا واللواط والسرقة، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به من غير ضرورة، وأكل السحت، والبخس في الميزان والمكيال، والميسر، وشهادة الزور، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، وترك معاونة المظلومين، والركون إلى الظالمين، واليمين الغموس، وحبس الحقوق من غير عسر، واستعمال التكبر والتجبر والكذب، والاسراف، والتبذير، والخيانة، والاستخفاف بالحج، والمحاربة لأولياء الله، والملاهي التي تصد عن ذكر الله عز وجل مكروهة، كالغناء وضرب الأوتار، والاصرار على صغائر الذنوب.

 

وهذا يستدعي أن تكون هناك ذنوب موصوفة بكونها صغائر، فيثبت التقسيم الحقيقي دون التقسيم الاضافي.

 

ويمكن الجواب عن ذلك بما جاء في كلام بعض الأعاظم(ره)، من أن التوصيف الوارد في هذه النصوص بكونها كبيرة، ليس غرضه المقابلة بذنوب تتصف في نفسها بكونها صغيرة، وإنما الغرض هو الإشارة إلى عظم هذه الذنوب من بين سائر الذنوب الأخرى، ويساعد على ذلك تفاوت عدد الذنوب المذكور في النصوص[14].

 


 

[1] مواهب الرحمن ج 8 ص 152، من هدى النبي والعترة في تهذيب النفس ج 2 ص 83-84(بتصرف).

[2] سورة النجم الآية رقم 32.

[3] مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج 8 ص 151-152.

[4] مجمع البيان ج 3 ص 70.

[5] السرائر ج 2 ص 118.

[6] مصباح الفقاهة ج 35 ص 493-494.

[7] الميزان في تفسير القرآن ج 4 ص 330.

[8] سورة النساء الآية رقم 31.

[9] سورة الزمر الآية رقم 53.

[10] سورة النساء الآية رقم 48.

[11] لاحظ منهاج الصالحين للإمام الخوئي(ره) ج 1 كتاب التقليد المسألة رقم، وكمنهاج الصالحين للإمام السيستاني(دامت أيام بركاته) كتاب التقليد مسألة رقم 30. ومن اللطيف، تعبير الإمام السيستاني(دام ظله الوارف) بأعظم المعاصي.

[12] سورة الكهف الآية رقم 49.

[13] سورة النجم الآية رقم 32.

[14] مصباح الفقاهة ج 35 ص 494(بتصرف).