25 سبتمبر,2021

الزواج بالكتابية(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

الزواج بالكتابية(2)

 

الحديث حول النصوص:

وأما النصوص، فإنها على طوائف:

الأولى: ما تدل على جواز نكاحها مطلقاً:

منها: صحيحة معاوية بن وهب وغيره، جميعاً عن أبي عبد الله(ع) في الرجل المؤمن يتزوج اليهودية والنصرانية، فقال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ فقلت له: يكون له فيها الهوى، قال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلم أن عليه في دينه غضاضة[1]. وهي واضحة الدلالة في الجواز مطلقاً سواء كان النكاح دواماً أم كان منقطعاً، وسواء كانت له زوجة مسلمة أم لم تكن، وسواء كانت زوجته المسلمة راضية أم بدون رضاها.

 

الثانية: ما تدل على حرمة التزويج بهن مطلقاً، من دون فرق بين النكاح الدائم والمنقطع، وبين وجود مسلمة وعدمها، سواء رضيت المسلمة أم لم ترضى:

منها: رواية زرارة، قال: سألت أبا جعفر(ع) عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية ولا نصرانية، إنما يحل منهن نكاح البله[2]. ودلالتها على المطلوب بلحاظ ظهور كلمة(لا يصلح)في الفساد، ويساعد على ذلك الحصر الوارد في ذيلها. نعم هي ضعيفة سنداً بوقوع المعلى بن محمد البصري، وهو لم يوثق توثيقاً خاصاً، والوجوه العامة التي يمكن البناء على وثاقته من خلال أحدها، ليست تامة.

 

ولا مجال لمنع دلالتها على المنع، على أساس عدم ظهور لفظة(لا يصلح) في الحرمة، ليكون مفاد الخبر هو حرمة الزواج بالكتابية. لأن المفروض أن المستدل ليس بصدد بيان الحكم التكليف، وإنما هو بصدد بيان الحكم الوضعي، وذلك بالتمسك بظهور كلمة(لا يصلح) في الفساد.

 

الثالثة: ما تدل على حرمة نكاحها مطلقاً حال وجود مسلمة تحته، من دون فرق بين رضاها وعدمه:

منها: صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(ع) قال: لا تتزوج اليهودية والنصرانية على المسلمة[3]. ودلالتها على المدعى من خلال النهي الظاهر في الفساد، وهي مطلقة شاملة للنكاح الدائم والمنقطع، سواء رضيت المسلمة أم لم ترضى.

ومنها: موثقة سماعة، قال: سألته عن اليهودية والنصرانية، أيتـزوجها الرجل على المسلمة؟ قال: لا، ويتـزوج المسلمة على اليهودية والنصرانية[4].ودلالتها على المطلوب كسابقتها.

ومنها: معتبرة أبي بصير، عن أبي عبد الله(ع) قال: لا تـتزوجوا اليهودية ولا النصرانية على حرة متعة وغير متعة[5]. والمقصود بالحرة هي المرأة المسلمة.

 

وتختلف دلالة المعتبرة عن غيرها بأن دلالتها على الإطلاق بالنص، بخلاف ما سبق من النصوص فإن دلالتها بالظهور.

وليس في سندها ما يمنع من اعتبارها، لأن طريق الصدوق(ره) إلى سعدان وهو عبد الرحمن بن مسلم، على ما في المشيخة كالتالي:

عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، وأحمد بن إسحاق بن سعد جميعاً، عن سعدان، وهو طريق معتبر، وسعدان يبنى على وثاقته لرواية ابن أبي عمير عنه.

 

ومنها: خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله(ع): هل للرجل أن يتـزوج النصرانية على المسلمة، والأمة على الحرة؟ فقال: لا تزوج واحدة منهما على المسلمة، وتزوج المسلمة على الأمة والنصرانية، وللمسلمة الثلثان وللأمة والنصرانية الثلث[6]. ودلالتها على المطلوب بالنص، سواء قرأت كلمة(لا تزوج) بالبناء على المجهول، أم قرأت بالبناء للمعلوم، والنهي الوارد فيها إرشاد إلى فساد العقد. نعم هي ضعيفة سنداً بوجود عبد الله بن محمد المعروف ببنان، وهو لم تثبت وثاقته.

 

ومنها: خبر الحسن بن زياد، قال: قال أبو عبد الله(ع): تُزوج الحرة على الأمة، ولا تُزوج الأمة على الحرة، ولا النصرانية ولا اليهودية على المسلمة، فمن فعل ذلك فنكاحه باطل[7]. وهي صريحة في بطلان العقد عليها سواء كان النكاح دواماً أم كان منقطعاً، وسواءاً كان ذلك برضا الزوجة المسلمة أم من دون رضاها. نعم يمنع من الاستناد إليها ضعف سندها فإن روايها وهو الحسن بن زياد والظاهر أنه الصيقل بقرينة رواية ابن مسكان عنه، وهو لم تثبت وثاقته، ولو بني على غيره، فإنه مجهول الحال.

 

الرابعة: ما تضمنت التفصيل بين الدوام والمنقطع:

منها: خبر الحسن بن علي بن فضال، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله(ع) قال: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حرة[8]. وهي تامة الدلالة على جواز الاستمتاع بالكتابية مع وجود المسلمة عنده لأنها المقصودة بالحرة، ولا أقل هي أحد مصادقيها،  من دون فرق بين رضاها وعدمه، وأخذ الإذن منها وعدمه.

نعم هي ضعيفة السند بالإرسال، ولا يكفي لاعتبار سندها كون المرسل من بني فضال، الذين قد أمرنا بالأخذ بما رووا، وترك ما رأوا، كما ذكر ذلك الشيخ الأعظم(ره)، لأن الرواية التي جعلت مستنداً لذلك، ضعيفة سنداً.

 

ومنها: خبر زرارة، قال: سمعته يقول: لا بأس أن يتـزوج اليهودية والنصرانية متعة وعنده امرأة[9].ولا تختلف دلالتها على جواز ذلك في النكاح المنقطع دون الدائم، ومجرد استبدل كلمة الحرة بالمرأة لا يوجب اختلافاً في الظهور والدلالة. نعم هي ضعيفة السند لاشتمال سندها على محمد بن سنان، وقد ثبت في محله ضعفه، وعدم التعويل على مروياته.

 

الخامسة: ما تضمنت التفصيل لمن كانت عنده مسلمة بين إذنها ورضاها فيصح نكاح الكتابية عليها، وبين عدم إذنها وعدم رضاها فيبطل:

منها: ما رواه هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(ع) في رجل تزوج ذمية على مسلمة، قال: يفرق بينهما، ويضرب ثمن حد الزاني اثني عشر سوطاً ونصفاً، فإن رضيت المسلمة ضرب ثمن الحد، ولم يفرق بينهما، قلت: كيف يضرب النصف؟ قال: يؤخذ السوط بالنصف فيضرب[10]. فقد دل على بطلان عقد الكتابية لو لم ترض المسلمة، ما يدل على اعتبار رضاها في صحته، نعم يظهر من قوله(ع): فإن رضيت، كفاية الرضا المتعقب للعقد، ولا يعتبر أن يكون الرضا متقدماً عليه للبناء على صحته.

 

وقد رواها الصدوق(ره) بسنده عن الحسن بن محبوب، وهو على المشيخة كالتالي:

محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، وسعد ابن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عنه. وقد اشتمل على محمد بن موسى بن المتوكل، وهو لم تثبت وثاقته، نعم قد أدعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته، ولو تم ما أفاده(قده) بحيث كان هناك إجماع بين الأعلام على ذلك، بني على كفايته للبناء على الوثاقة، وإلا لم تثبت، والظاهر عدم احراز وجود اتفاق بينهم على ذلك، فتأمل. نعم لو بني على كفاية توثيقات المتأخرين، أمكن البناء على وثاقته، فقد وثقه العلامة(ره) في الخلاصة، وابن داوود (قده) في رجاله، إلا أن المقرر في محله عدم كفاية في التوثيق.

 

ومنها: خبر منصور بن حازم، عن أبي عبد الله(ع) قال: سألته عن رجل تزوج ذمية على مسلمة ولم يستأمرها؟ قال: يفرق بينهما. قال: قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم اثنا عشر سوطاً ونصف ثمن حد الزاني وهو صاغر. قلت: فإن رضيت المرأة الحرة المسلمة بفعله بعدما كان فعل؟ قال: لا يضرب ولا يفرق بينهما، يبقيان على النكاح الأول[11]. وهو يصلح للدلالة على المدعى برواية الكليني(ره)، دون رواية الشيخ(قده)، لأن الشيخ رواه: رجل تزوج أمة.

 

وكيف ما كان، فإن دلالة الخبر على المدعى كالخبر السابق، ذلك أن المستفاد منه أنه يعتبر في صحة النكاح رضا الزوجة المسلمة وما لم يحرز رضاها يحكم ببطلان عقد الكتابية، نعم يكفي للبناء على صحة عقدها الرضا المتأخر من الزوجة المسلمة. نعم يعارض هذا الخبر خبر هشام في أنه قد رفع التعزير الثابت عليه بالرضا المتأخر من الزوجة، بخلاف خبر هشام، فإن رضاها المتأخر لم يرفعه. نعم الرواية ضعيفة السند بالإرسال.

 

ومنها: النصوص التي تضمنت اعتبار إذن الحرة في الزواج من الأمة، وبضم النصوص التي تضمنت أن أهل الكتاب إماء، فتكون النتيجة أنه يعتبر في التـزويج بهن إذن الزوجة المسلمة. وحاصل هذه النصوص، تشكيل قياس منطقي من الشكل الأول، كبراه هو اعتبار إذن الحرة في الزواج بالأمة. وصغراه أن الكتابيات من الإماء.

 

أما الكبرى، فيدل عليها، معتبر محمد بن إسماعيل، قال: سألت أبا الحسن(ع) هل للرجل أن يتمتع من المملوكة بإذن أهلها وله امرأة حرة؟ قال: نعم، إذا رضيت الحرة، قلت: فإن أذنت الحرة يتمتع منها؟ قال: نعم[12]. ودلالتها على اعتبار إذن الحرة في صحة نكاح الأمة منقطعاً واضحة. نعم لا خصوصية للنكاح المنقطع وإن كان هو الوارد فيها، لأنه يمكن البناء على شمولها للدائم أيضاً لعدم الفصل بينهما، خصوصاً وأن اعتبار الإذن في النكاح المنقطع يكشف عن اعتباره في النكاح الدائم بطريق أولى، لأن اعتباره في المنقطع أسهل على المرأة من اعتباره في الدائم.

 

وأما الصغرى فتدل عليها ثلاث نصوص ذكرها الأعلام(رض) في كلماتهم.

وتمامية الاستدلال بهذا التقريب تقوم على البناء على تنـزيل الكتابيات منـزلة الإماء من جميع الجهات، والتي منها عدم جواز زواج الأمة على الحرة إلا بإذنها، ولم يحرز أن النصوص المشار إليها تحتمل هذا التنـزيل، فلا يتم هذا التقريب.

 

المختار في المسألة:

وعند ملاحظة الطوائف المتقدمة يتضح أن الصالح منها للاستدلال خصوص الطائفتين الأولى والثالثة، لأن الطوائف الثانية والرابعة والخامسة، إما ضعيفة الأسناد، أو غير صالحة للمدعى.

وقد عرفت أن مفاد الطائفة الأولى هو البناء على جواز التـزويج بها مطلقاً، ودلالة ذلك على المدعى بالإطلاق، بينما مدلول الطائفة الثالثة هو المنع من التـزويج ما دامت تحته مسلمة، وكلاهما مطلقتان من حيث نوعية عقد النكاح، فلا يفرق بين كونه دواماً أو منقطعاً.

 

ولما كانت الطائفة الثالثة أخص من حيث المدلول من الطائفة الأولى، فإنها تصلح لتقيـيدها، وعليه، سوف يلتـزم بعدم جواز التزويج بالكتابية حال وجود مسلمة تحته، سواء كان عقد النكاح دواماً أم منقطعاً، نعم لا مانع من التـزويج بها حال عدم وجود زوجة مسلمة تحته.

 

جواب صاحب الجواهر:

وقد حمل صاحب الجواهر(ره) النصوص المانعة عن نكاحها على الكراهة، وذكر أن الكراهة تتفاوت شدة وضعفاً، فإذا كانت الزوجة موجودة تكون الكراهة أشدّ، أما حال عدم وجودها فإنها تكون أضعف، قال(قده): إلا أن التحقيق الجواز مطلقاً، وفاقاً للحسن والصدوقين على كراهة متفاوتة في الشدة والضعف بالنسبة إلى الدائم والمنقطع وملك اليمين، وبالنسبة إلى من يستطيع نكاح المسلمة وغيره، وبالنسبة لمن يكون عنده المسلمة وغيره، وبالنسبة إلى البله منهن وغيرها، كما أومأت إلى ذلك كله النصوص[13].

 

وقال في موضع آخر: كما أنه لا يبعد الكراهة في نكاحها على المسلمة احتراماً لها[14].

وقد استند في ذلك إلى قوله تعالى:- (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، مضافاً للنصوص المستفيضة أو المتواترة الدالة على جواز نكاحها منطوقاً ومفهوماً[15].

 

ولا يذهب عليك تصرفه(ره) في ظهور نصوص المنع عن نكاحها على المسلمة بحملها على الكراهة من أجل احترام المسلمة، ليكون ذلك جمعاً بين الأدلة، والظاهر أن وجهه دلالة الآية على جواز نكاحها مطلقاً، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق في التجويز بين ما إذا كانت عنده مسلمة أو لا، فتكون الآية ظاهرة في جواز نكاحها على الكراهة، لأن مقتضى القاعدة أنه إذا كان أحد الدليلين دالاً على جواز شيء والآخر يدل على حرمته، يحمل ما دل على الحرمة على خلاف ظاهره، وهو الكراهة إذا كان ظهور الدال على الجواز نصاً في ذلك، أو أقوى من ظهور المانع في الحرمة.

 

ونتيجة ذلك، هي حمل النصوص المانعة من نكاحها على الكراهة، وتكون نصوص منع نكاحها على المسلمة أشد كراهة من غيرها.

وقد تبعه في الجمع المذكور بعض الأساتذة، وبعض الأعلام(دام ظلهما)، وقد جعل الثاني منهما مؤيداً لما أفاده(قده) ما تضمنته بعض النصوص من تعليل الخوف على الولد، والتعبير بكلمة لا ينبغي في بعضها كما في خبر محمد بن مسلم[16]، وكلمة: لا أحب، كما في صحيح عبد الله بن سنان[17]، لظهورها في الكراهة، فإن لفظة(لا أحب) من الألفاظ المشتركة، والتعليل الوارد في ذيلها يشعر بالكراهة، فلا يشمل ما إذا كان عقيماً أو كانت الزوجة عقيمة، أو كان يعزل عنها، ولا يطلب الولد، أو كان يراقبه ويلقنه دينه، كل ذلك على أساس أنه علة وليس حكمة، وإلا فسوف يختلف الحال[18].

 

وأما بعض الأساتذة(دام ظله)، فقد جعل المدار لدعم مختار جمع صاحب الجواهر(قده)، بلحاظ أن روايات الجواز أشهر وأظهر، فيوجب ذلك الحمل على الكراهة، ويساعد على ذلك اشتمال روايات المنع على التعبير بـ: أكره، و: لا يصلح، أو: ما أحب، وأمثال ذلك من الألفاظ الظاهرة في الكراهة[19].

 

ولا يورد عليه(قده) بالنصوص التي تضمنت بطلان عقد النكاح ما لم يتضمن رضاً من المسلمة أو إذنا منها، والتي تقدمت في الطائفة الخامسة. لما عرفت من ضعف أسنادها المانع من الاحتجاج بها والاستناد إليها.

كما لا يورد عليه، بأن الحمل على الكراهة يختص بالأحكام التكليفية دون الوضعية، كما هو دعوى بعض الأعاظم(ره)، والمقام من الثاني وليس من الأول. لما عرفت في محله من أنه مبنائي وليس بنائياً.

 

مناقشة الجمع المذكور:

نعم يرد عليه(ره): إن هذا الحمل ينافي ملة من النصوص الدالة على الحكم الوضعي وهو بطلان عقد النكاح مع عدم الإذن من المسلمة، فكيف تحمل هذه النصوص على الحكم التكليفي وهو الكراهة، فلاحظ مثلاً رواية الحسن بن زياد والتي جاء فيها: فنكاحه باطل[20]. وخبر هشام بن بسالم: فرق بينهما وضرب ثمن الحد[21].

 

ومع ظهور المنع في هذه النصوص في البطلان لا يصار للحمل على الكراهة الشديدة، لأن البطلان ليس له مراتب حتى نحمله على بعضها دون البعض الآخر.

وبعبارة أخرى، إن بين النصوص المانعة من التـزويج بها صريحة في المنع والفساد، بل بعضها بمثابة النص لو لم تكن نصاً في ذلك، وهذا يمنع من التصرف في دلالتها وحملها على الكراهة، لأنه يستوجب حمل اللفظ على خلاف معناه المقصود منه. ويؤيد ذلك بل يدل عليه النصوص المفصلة بين وجود المسلمة ورضاها وإذنها وعدم ذلك، فإنها نص في المنع والفساد حال ووقع العقد على الكتابية لمن كانت تحته مسلمة من دون رضاها أو إذنها.

والحاصل، مع ملاحظة ما ذكر يصعب عدّ الحمل على الكراهة جمعاً بين النصوص جمعاً عرفياً.

 

وقد يجمع بينهما بأن هناك ما دل على المنع عن نكاحها مطلقاً، وبين ما دل على التفصيل بين حال الرضا فيجوز نكاحها، وحال عدمه فلا يجوز النكاح، ومن الواضح أن النسبة بين الطائفتين هي العموم المطلق، فإن الثانية أخص من الأولى، فتصلح لتقيـيد إطلاقها، لأن العرف يعتبر نصوص التفصيل قرينة على عدم إرادة الإطلاق لتقيد بحالة عدم رضا المسلمة، وإلا مع رضاها لا يوجد ما يمنع من نكاحها دواماً ومنقطعاً.

 

مختار بعض الأساتذة:

ولم يختلف بعض الأساتذة(دام ظله) في النتيجة التي وصل إليها عن مختار صاحب الجواهر(ره) من البناء على جواز التـزويج منها على كراهية، وإن اختلف عنه في الطريق لذلك، ذلك أنه(حفظه الله) قسم روايات المنع إلى طائفتين:

الأولى: ما تضمن ناسخية آية:- (ولا تنكحوا)، لآية المائدة.

الثانية: ما تضمن المنع من تزويجهن مطلقاً.

 

وردّ الأولى منهما، وقال بأن الثانية تحمل على الكراهة[22].

ويرد عليه ما تقدم ذكره على صاحب الجواهر(ره)، من أنه خلاف صريح جملة من النصوص الواضحة في الفساد والبطلان، المانع من الجمع المذكور والحمل على الكراهة.

ثم إن ما ذكرناه مناقشة للقائلين بالحمل على الكراهة فرع التسليم بدلالة النصوص على الجواز ليكون مدلولها التصرف في دلالة نصوص المنع كما عرفت، مع أنك عرفت عدم صلاحية شيء منها لذلك بعد ضعفها السندي.

 

مختار صاحب الحدائق:

ومنع صاحب الحدائق(ره) عن إمكانية الجمع العرفي بين النصوص، وبنى على أن المعارضة الحاصلة بينها مستقرة، ورجح ما دل على المنع، لأنه يمكن حمل ما دل على الجواز على التقية، وتبعه على ذلك صاحب الرياض(قده)، وهو الظاهر من الشيخ الأعظم(ره).

إن قلت: إن أول المرجحات كما هو المعروف هو موافقة الكتاب، فيلزم عرض النصوص عليه فموافقه يؤخذ به، وما خالفه ترفع اليد عنه، ونصوص جواز نكاحها موافقة له، فتكون مقدمة على نصوص المنع.

قلت: إن ما ذكر صحيح كبروياً، إلا أن الكلام في الصغرى، فإن آيات الكتاب موضع اختلاف[23].

 

على أن من المحتمل بناء صاحب الحدائق(ره) ومن تبعه على اختصاص آية الجواز بخصوص النكاح المنقطع، بلحاظ ذيل الآية وهو قوله تعالى:- (آتيتموهن أجورهن)، ليكون ذلك قرينة على ظهور الآية في خصوصه، فلا تشمل النكاح الدائم، لأن التعبير بالأجر من مختصات النكاح المنقطع، إذ لا يعبر عن المهر والصداق في النكاح الدائم بالأجر، ويساعد على ذلك قوله تعالى:- (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم)[24]، وهذا يستوجب عدم صلاحية الآية الشريفة كعام قرآني يدل على مشروعية نكاح الكتابية مطلقاً، وإنما سوف يدل على مشروعية نكاحها منقطعاً. نعم هي مطلقة من هذه الناحية فيستفاد منها شرعية نكاح الكتابية منقطعاً سواء كان قادراً على التـزويج من مسلمة، أم لا، وسواء كانت تحته مسلمة أم لا، وسواء رضيت وأذنت أم لا.

 

ومن المحتمل أيضاً أن يكون منشأ  كلامه(ره) راجعاً لكون آية سورة المائدة منسوخة بآيتي سورة البقرة والممتحنة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

 

ويمكن الجواب عن التوجيه الأول، بوجود قرينتين تمنعان من حمل الأجر الوارد في الآية  محلا لبحث على الأجر المرتبط بالنكاح المنقطع، وهما:

الأولى: وهي قرينة داخلية، وهي إن قوله تعالى:- (إذا آتيتموهن أجورهم)، قيد راجع (للمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، ولم يقل أحد بدلالة الآية على النكاح المنقطع في المحصنات من المؤمنات، ولما كان القيد راجعاً لكليهما كان الحكم فيهما وهو النكاح مطلقاً الدائم والمنقطع، وإلى هذا المعنى قد أشار صاحب الجواهر(ره)[25].

 

لا يقال: لم لا يلتـزم برجوع القيد للأقرب ما دام هناك أمران قد ذكرا في الآية، وهما المحصنات المؤمنات، والمحصنات من أهل الكتاب، ومع تردد رجوعه يلتـزم برجوعه للأقرب منها، وهم المحصنات من أهل الكتاب، فيكون مختصاً بالمنقطع دون النكاح الدائم.

لأنه يقال: بأن الآية الشريفة قد تضمنت قيوداً ثلاثة: أن يكونوا: محصنين، غير مسافحين، ولا متخذي أخدانٍ، ولا ريب في رجوع هذه القيود إليهم جميعاً، وأنها ليست مختصة بالمحصنات من أهل الكتاب فقط.

 

الثانية: وهي قرينة خارجية، وهي متابعة استعمالات لفظ استمتعتم بهن فآتوهن أجورهن، في القرآن الكريم، فإنه يكشف عن عدم اختصاص ذلك بالنكاح المنقطع، بل إنه يجري أيضاً في النكاح الدائم، فلاحظ بعض الآيات:

منها: قوله تعالى:- (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم)[26].

 

ومنها: قوله سبحانه:- (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفوراً رحيماً)[27].

 

ومنها: قوله عز من قائل:- (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم)[28].

 

ومن خلال هاتين القرينتين الداخلية والخارجية، يتضح انعقاد الإطلاق للآية المباركة لتكون شاملة للنكاح الدائم والمنقطع على حد سواء، كشمولها لبقية الموارد الأخرى، كما لو كانت تحته مسلمة، سواء رضيت أم لم ترض، وأذنت أم لم تأذن، فضلاً عما إذا لم تكن تحته.

 

 

 

——————————————

[1] وسائل الشيعة ج 20 ب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر نحوه ح 1 ص 536.

[2] وسائل الشيعة ج 20 ب 3 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 1 ص 538.

[3] وسائل الشيعة ج 20 ب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 1 ص 544.

[4] وسائل الشيعة ج 20 ب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 2 ص 544.

[5] المصدر السابق ح 5 ص 545.

[6] المصدر السابق ح 3 ص 544.

[7] وسائل الشيعة ب 46 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 5.

[8] وسائل الشيعة ج 20 ب 4 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 1 ص 539.

[9] وسائل الشيعة ج 20 باب 4 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح  ص 539.

[10] وسائل الشيعة ج 20 ب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 4.

[11] وسائل الشيعة ب 49 من أبواب حد الزنا ح 1.

[12] وسائل الشيعة ب 16 من أبواب المتعة ح 1.

[13] جواهر الكلام ج 30 ص 31.

[14] المصدر السابق ص 40.

[15] المصدر السابق ص 36.

[16] وسائل الشيعة ج 20 ب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 2.

[17] وسائل الشيعة ج 20 ب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 5.

[18] نظام النكاح ج 1 ص 462.

[19] أنوار الفقاهة ج 2 ص

[20] وسائل الشيعة ج ب 46 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 5.

[21] وسائل الشيعة ج 20 ب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 4.

[22] مجلة فقه أهل البيت العدد 39 ص 13.

[23] الحدائق الناضرة ج 24 ص 14.

[24] سورة النساء الآية رقم 24.

[25] جواهر الكلام ج 30 ص 39.

[26] سورة النساء الآية رقم 45.

[27] سورة الأحزاب الآية رقم 50.

[28] سورة الممتحنة الآية رقم 10.