25 سبتمبر,2021

وظيفة المأموم في الأخيرتين

اطبع المقالة اطبع المقالة

وظيفة المأموم في الأخيرتين

 

وقع الخلاف بين الأعلام(رض) في وظيفة المأموم في الأخيرتين سواء في الصلاة الجهرية، أم في الصلاة الإخفاتية على أقوال:

أحدها: ما أختاره ابن إدريس(ره)، من أن الإمام يتحمل عن المأموم في الركعتين الأخيرتين كما يتحمل عنه في الركعتين الأوليـين، سواء في الصلاة الجهرية، أم في الإخفاتية، فتسقط عنه القراءة، والتسبيح، وسقوطهما عنه بنحو العزيمة.

ثانيها: ما أختاره بعض متأخري المتأخرين، من أنه يسقط عن المأموم في الركعتين الأخيرتين من كل صلاة جهرية كانت أم اخفاتية القراءة، أو التسبيح، إلا أن سقوطهما عنه بنحو الرخصة وليس العزيمة، فسقوطهما بنحو الجواز لا الوجوب، فهو بالخيار إن شاء قرأ أو سبح، وإن شاء تركهما اعتماداً على الإمام.

 

ثالثها: الالتـزام بالتفصيل، فيحكم بعدم جواز القراءة للمأموم، ويتعين عليه الإتيان بالتسبيح، ولا يفرق في ذلك بين كون الصلاة جهرية أو اخفاتية.

رابعها: القول بعدم الفرق بين وظيفة المنفرد والمأموم في الركعتين الأخيرتين من كل صلاة جهرية كانت أو اخفاتية، فيكون المصلي مخيراً بين القراءة أو التسبيح.

ولم يعرف وجه ودليل للقول الثاني الذي قد سمعت نسبته لبعض متأخري المتأخرين.

 

ومع وجود الاختلاف بينهم في الأقوال يصعب البناء على القبول بدعوى الإجماع الموجودة في بعض الكلمات. نعم ذكر الشيخ الأعظم(ره) أن الإجماع الموجود في كلماتهم موضوعه المنفرد، وأنه مخير بين قراءة الفاتحة والتسبيحات الأربع، وأما المأموم، فليس في البين دعوى إجماع.

 

وعلى أي حال، فإن منشأ الخلاف الحاصل بين الأقوال يعود لاختلاف النصوص فإنها على طوائف خمس:

الأولى: ما دل على سقوط التكليف عن المأموم في الأخيرتين عزيمة، فلا يجب عليه القراءة، ولا التسبيح، ولا يجوز له ذلك، كمرسل ابن إدريس الذي أشار له في السرائر، من أنه روي أنه لا قراءة على المأموم فيهما-يعني الأخيرتين-ولا تسبيح[1].

الثانية: ما دل على التخيـير مطلقاً سواء كان إماماً أم كان مأموماً، أم كان منفرداً، كمعتبرة علي بن حنظلة، عن أبي عبد الله(ع) قال: سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما، فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن شئت فاذكر الله فهو سواء. قال: قلت: فأي ذلك أفضل، فقال: هما والله سواء إن شئت سبحت وإن شئت قرأت[2]. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون المصلي إماماً أو مأموماً، أو منفرداً.

 

والنص وإن كان وارداً في الصلاة الرباعية لأن الموضوع فيها عن الركعتين الأخيرتين، إلا أنه يشمل ثالثة المغرب لعدم الفصل، إما اعتماداً على الإرتكاز الواضح في عدم الفرق بين الثالثة والأخيرتين من الرباعية، وإما اعتماداً على سرة المتشرعة بعدم الفرق بينها وبينهم.

وعدم وجود توثيق خاص في كلمات الرجاليـين لعلي بن حنظلة، لا يمنع من اعتبار سندها، بعد وصف الإمام الصادق(ع) إياه بالورع، ومن الواضح جداً أنه لا يوصف شخص بهكذا وصف مع كونه كذاباً.

 

نعم لا يمكن البناء على وثاقته لرواية ابن بكير عنه، لكونه أحد أصحاب الأجماع الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، لما قرر في محله من عدم تمامية الدعوى المذكورة خلافاً لما عليه المشهور. ومثل ذلك لا يمكن الحكم بوثاقته لوقوع ابن فضال في السند، الذين أمرنا بالأخذ بما رأوا، وترك ما رأوا كما عن الشيخ الأعظم(ره)، استناداً للرواية المروية في شأن بني فضال، لأن الرواية المذكورة ضعيفة السند، فلا يمكن التعويل عليها في إثبات كبرى كلية.

 

الثالثة: ما تضمنت تعين القراءة على المأموم في الأخيرتين، كخبر سالم بن مكرم المعروف بأبي خديجة، عن أبي عبد الله(ع) قال: إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأولتين، وعلى الذين خلفك أن يقولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهم قيام، فإذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرأوا فاتحة الكتاب، وعلى الإمام أن يسبح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الأخيرتين[3]. فإن قوله(ع): فعلى الذين خلفك أن يقرأوا، تعين القراءة على المأموم، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين كون الصلاة جهرية أو إخفاتية. نعم هي ضعيفة سنداً، بوقوع سالم، كما فصل في محله[4]. مضافاً إلى منافاة الذيل مع الصدر، فقد تضمن الذيل أن وظيفة الإمام هي التسبيح في الأخيرتين، كما هي وظيفة المأمومين فيهما أيضاً، فيكون ذلك منافياً لما تقدم من أن وظيفتهم القراءة.

 

وقد حاول صاحب الحدائق(ره) علاج ذلك فذكر أن ما جاء في ذيل الخبر بقوله(ع): فإذا كان في الركعتين الأخيرتين، ناظر لما إذا كان المأمومون قد التحقوا بالإمام في الركعتين الأخيرتين، فإن وظيفتهم عندها هي القراءة، لأنهما الركعتان الأولتان بالنسبة إليهم. وأما قوله: في الركعتين الأخيرتين، ففيه احتمالان:

 

الأول: أن يكون متعلقاً بالظرف وهو قوله: على الإمام، فيكون معنى قوله: مثل ما يسبح القوم، إشارة إلى ما تقدم في صدر الحديث من التسبيح وقت قراءة الإمام، وحاصله حينئذٍ أنه على الإمام أن يسبح في الأخيرتين مثل تسبيح القوم خلفه في الأولتين.

 

الثاني: أن يكون متعلقاً بالفعل أعني يسبح، ويكون المعنى حينئذٍ: وعلى الإمام أن يسبح في تلك الركعتين الأخيرتين اللتين على المأموين المسبوقين أن يقرأوا فيهما مثل تسبيح المأمومين فيهما لو كانوا غير مسبوقين.

وقد كان داعيه(قده) إلى مثل هذا التأويل هو عدم إمكان حمل قوله(ع): فإذا كان في الركعتين الأخيرتين، على الركعتين الأخيرتين للإمام والمأموم، لأن ذلك يستلزم أولوية القراءة فيهما للمأموم والتسبيح للإمام، كما هو ظاهر اللفظ، ولا قائل بذلك. بل لا دليل عليه. ولا يكفي في إثباته مجرد هذا الاحتمال، لأنه يلزم منه حصول الحشو في الكلام، وهو مما يجب أن يصان عنه كلام الإمام(ع)[5].

 

وقد جعلها بعض الأعاظم(ره) من النصوص الدالة على تعين التسبيح على المأموم في الأخيرتين تمسكاً منه(ره) بالذيل[6]، ولم يتضح وجه إغفاله الاستناد إلى الصدر، خصوصاً وأن الذيل يجري فيه كلام صاحب الحدائق(ره)، من كونه مرتبطاً بالإمام، وليس بالمأموم.

 

الرابعة: ما تضمن تعين التسبيح عليه في الأخيرتين، كصحيح معاوية بن عمار، سألت أبا عبد الله(ع) عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين؟ قال: الإمام يقرأ فاتحة الكتاب ومن خلفه يسبح[7]. وقد تضمنت المنع من القراءة، وسوغ التسبيح له، فيجوز له الاشتغال بالتسبيح دون القراءة.

 

وصحيح عبيد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله(ع) قال: إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما فقل: الحمد لله وسبحان الله والله أكبر[8]. ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين كون المصلي إماماً أو مأموماً، أو منفرداً.

وصحيح زرارة، عن أبي جعفر(ع) أنه قال: لا تقرأن في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئاً، إماماً كنت أو غير إمام، قال: قلت: فما أقول فيهما؟ فقال: إذا كنت إماماً أو وحدك فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات ثم تكبر وتركع[9]. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في تعين التسبيح عليه في الصلاة الجهرية والإخفاتية.

 

وقد رواها الصدوق(ره) بسنده عن زرارة، وطريقه إليه معتبر كما في المشيخة.

 

الخامسة: ما تضمن إجزاء التسبيح، كصحيح عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(ع): إذا كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأموناً على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأوليتين، وقال: يجزيك التسبيح في الأخيرتين، قلت: أي شيء تقول أنت؟ قال: أقرأ فاتحة الكتاب[10]. فإن قوله(ع): يجزيك التسبيح، ظاهر في جواز القراءة له وعدم تعين التسبيح عليه.

 

أدلة كل قول:

وقد استند كل واحد من أصحاب الأقوال المتقدمة لبعض النصوص، فالظاهر أن مستند القول الأول، هو ما رواه ابن إدريس مرسلاً، والذي تقدمت الإشارة إليه في الطائفة الأولى، ويكفي لرده ضعف سنده.

ومجرد كون ابن إدريس(ره)، لا يبني على خبر الواحد، ويحصر الحجية في خصوص الخبر الموثوق بصدوره، لا يكفي للبناء على حجيته، لأن ما يكون موجباً للوثوق عنده، قد لا يوجب ذلك عند غيره.

 

وقد عرفت حال القول الثاني في مطلع البحث فلا نعيد، وأما القول الثالث، فقد استدل له بطائفتين من النصوص:

الأولى: النصوص العامة التي تضمنت النهي عن القراءة خلف الإمام، مثل: صحيح زرارة ومحمد بن مسلم، قالا: قال أبو جعفر(ع): كان أمير المؤمنين(ع) يقول: من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة[11].

وهي وإن كانت ظاهرة في المنع من القراءة خلفه سواء كان في الركعتين الأوليـين، أم في الأخيرتين، إلا أن الانصراف لخصوص الأوليـين مانع من البناء على حجية هذا الظهور، فيلزم رفع اليد عنه، وتخصيصها بخصوص الركعتين الأوليـين.

 

على أنه لو منع من الاستناد للانصراف، لكونه من الانصراف الناجم من غلبة الوجود، وليس من كثرة الاستعمال، فلا يكون صالحاً لرفع اليد عن الظهور، فإنه يجاب عنها بما ذكر في محله، من أنه يجوز للمأموم أن يقرأ خلف الإمام في الركعتين الأوليـين، عمدة ما كان أنه يكره له ذلك، وعليه فيكون مفاد هذه النصوص، جواز القراءة خلفه في الركعتين الأخيرتين أيضاً، لكن على كراهية.

 

الثانية: النصوص الخاصة:

منها: صحيح زرارة عن أبي جعفر(ع) قال: إن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئاً في الأولتين وأنصت لقراءته، ولا تقرأن شيئاً في الأخيرتين، فإن الله عز وجل يقول للمؤمنين:- (وإذا قرئ القرآن-يعني في الفريضة خلف الإمام-فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) فالأخيرتان تبعاً للأولتين[12]. ودلالتها على المطلوب واضحة، لأنها قد تضمنت النهي عن القراءة في الأخيرتين كالنهي عن القراءة في الأولتين، فكما يحرم ولا يجوز للمأموم أن يقرأ في الأولتين، كذلك لا يجوز له ذلك في الأخيرتين. نعم هي مطلقة من حيث مشروعية التسبيح له وعدمه.

 

ولا يخفى عدم صلاحيتها للدلالة على المدعى، لكونها أخص من المطلوب، إذ أن موضوعها الصلاة الجهرية، لقوله(ع): وأنصت لقراءته، وهذا لا يكون في الصلاة الإخفاتية، لأن المفروض أنه لا يسمع قراءته، فيكون المقصود منها الصلاة الجهرية، والمدعى ترك المأموم للقراءة مطلقاً، من دون فرق بين الصلاة الجهرية والإخفاتية.

 

والحاصل، إنه لما كان موضوع الصحيحة أخص من المطلوب، فلن تكون صالحة للدلالة على المدعى. نعم هذا يستدعي البناء على تمامية دلالته على المنع من القراءة في الصلاة الجهرية.

وقد يقال بأنه وإن كان مقتضى صحيحة معاوية المتقدمة في الطائفة الرابعة، تعين وظيفة الإمام في القراءة في الأخيرتين، إلا أن مقتضى جمعها مع النصوص الأخرى، يفيد أن ذلك هو الأفضل له، ففي صحيح عبد الله بن سنان، ، عن أبي عبد الله(ع): إذا كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأموناً على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأوليتين، وقال: يجزيك التسبيح في الأخيرتين، قلت: أي شيء تقول أنت؟ قال: أقرأ فاتحة الكتاب[13].

 

ويمنعه أنه أخص من المطلوب، لأن موضوع صحيحة عبد الله بن سنان، هو خصوص الصلاة الإخفاتية، وموضوع صحيحة معاوية أعم، وعليه، فإن أقصى ما يمكن البناء عليه، هو تقيـيد صحيحة عبد الله بن سنان لصحيح معاوية في خصوص الصلاة الإخفاتية، ليلتـزم بأن المأموم مخير بين القراءة والتسبيح، وأما في الصلوات الجهرية، يبقى مدلول صحيح معاوية على حاله، ليفيد تعين التسبيح على المأموم في الأخيرتين منها. وهذا ينسجم تماماً مع مدلول صحيح زرارة والذي تضمن النهي عن القراءة خلف الإمام في الأخيرتين، ولعله لهذا ألتـزم جملة من الأعلام بالاحتياط بترك المأموم القراءة في الصلاة الجهرية التي يسمع فيها قراءة الإمام في الأخيرتين.

 

والمتحصل مما تقدم، أنه يتعين على المأموم في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الجهرية التسبيح، ولا يجوز له القراءة، ولو من باب الاحتياط، ويتخير في الصلاة الإخفاتية بين القراءة والتسبيح. وهذه النتيجة تتفق وهذا القول في حرمة القراءة على المأموم في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الجهرية، وتخالفه في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الإخفاتية، وهذا يعني تشكل قول خامس في المقام.

 

ومنها: ما رواه جميل قال: سألت أبا عبد الله(ع) عما يقرأ الإمام في الركعتين في آخر الصلاة، فقال: بفاتحة الكتاب، ولا يقرأ الذين خلفه، ويقرأ الرجل فيهما إذا صلى وحده بفاتحة الكتاب[14]. فإن النهي عن أن يقرأ الرجل خلفه ناظر إلى ترك القراءة، بمعنى عدم مشروعية القراءة في حقه.

 

ويمنع من الاستناد إليها ضعفها السندي، فقد وقع في سندها علي بن السندي، ولم يذكره النجاشي والشيخ(ره)، فيكون مجهولاً، نعم نص على وثاقته نصر بن الصباح، وهو بحاجة إلى توثيق حتى تقبل شهادته. وقد تمسك بعضهم لإثبات وثاقة علي بن السندي، برواية محمد بن أحمد بن يحيى، وبعدم استثناء ابن الوليد له من النوادر، وهما لا يصلحان أمارة للتوثيق، كما فصل في محله. كما لا يمكن البناء على وثاقته لكونه من المعاريف، لأنه لو سلم بتمامية الكبرى، فإن أركانها غير متوفرة في المقام، لأنه وإن كان إمامياً، إلا أنه لم يمدح.

 

وأما من حيث الدلالة، فإن مقتضى إطلاقها حرمة القراءة على المأموم سواء في الصلاة الجهرية، أم في الإخفاتية منها، نعم مقتضى صحيح عبد الله بن سنان المتقدم، يقضي بتقيـيد الإطلاق الوارد فيها بالنسبة للصلوات الإخفاتية ليلتـزم فيها بالتخيـير بين القراءة والتسبيح، بحمل النهي عن القراءة فيها على الكراهة، ويبقى الحكم بالنسبة للصلوات الجهرية، فتأمل.

 

وأما القول الرابع، فقد تمسك القائلون به إلى أن ذلك مقتضى الجمع بين النصوص، فإنها على ثلاث طوائف، وهي الثالثة والرابعة، والثانية،

وقد يدعى أن المعارضة بين الطائفتين الثالثة والرابعة مستقرة، ما يوجب اللجوء للمرجحات، إلا أن وجود الطائفة الثانية يصلح أن يكون شاهد جمع بينهما، لتصرف في مدلول كل منهما، فتكون النتيجة تقيـيد الإطلاق الحاصل في كل منهما، ليحكم بالتخيــير بين الأمرين.

 

ويمنع من القبول بالجمع المذكور، ما عرفته في ما تقدم، من أن صحيح عبد الله بن سنان أخص من المدعى، ذلك أن موضوعه خصوص الصلاة الإخفاتية، والمفروض أن المقام أعم منها ومن الجهرية.

ولا مجال لدعوى منع الخصوصية للصلاة الإخفاتية، والتعدي منها للجهرية، لأن ذلك خلاف المتفاهم العرفي.

 

والصحيح أن المعارضة بين الطائفتين الثالثة والرابعة غير مستقرة، فإنه يمكن الجمع بينهما بأحد جمعين، إما بالجمع الواوي، فيلزم الإتيان بكلا الأمرين معاً، وهذا منتفٍ، لعدم وجود قائل بأنه يلزم المأموم في الأخيرتين الجمع بين القراءة والتسبيح فيهما. فيتعين الجمع الأوي، فيكون مفهوم كل واحدة منهما صالحاً لتقيـيد إطلاق منطوق الأخرى، لتكون النتيجة البناء على التخيــير بين الأمرين، فيكون المأموم مخيراً بين الإتيان بالقراءة في الأخيرتين، وبين التسبيح، من دون فرق بين الصلاة الجهرية، أو الإخفاتية.

 

هذا كله بعد البناء على حجية الطائفة الثالثة، وقد عرفت ضعفها السندي، ما يعني عدم وجود المعارضة للطائفة الرابعة التي تضمنت أن وظيفة المأموم هي التسبيح في الأخيرتين، وقد عرفت عند الحديث عن القول الثالث أن إطلاقها مقيد بما ورد في الصلاة الإخفاتية ليثبت التخيـير فيها في حقه، ويتعين عليه التسبيح في الصلاة الجهرية، وعدم جواز القراءة له.

 

نعم قد يتمسك لمختار المشهور من التخيـير بين القراءة والتسبيح سواء كان مأموماً، أم إماماً، أم منفرداً، بموثقة علي بن حنظلة، عن أبي عبد الله(ع) قال: سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما، فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن شئت فاذكر الله فهو سواء. قال: قلت: فأي ذلك أفضل، فقال: هما والله سواء إن شئت سبحت وإن شئت قرأت[15]. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون المصلي إماماً أو مأموماً، أو منفرداً.

 

ولا يعارضها معتبرة منصور بن حازم، عن أبي عبد الله(ع) قال: إذا كنت إماماً فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وإن كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل[16]. لأن موضوعها خصوص الإمام والمنفرد دون تعرض منها للمأموم، والتخيـير الثابت فيها للمنفرد وليس للمأموم.

 

نعم لو قيل بمعارضة خبر الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن ولي النعمة(عج)، أنه كتب إليه يسأله عن الركعتين الأخيرتين قد كثرت فيهما الروايات فبعض يرى أن قراءة الحمد وحدها أفضل وبعض يرى أن التسبيح فيهما أفضل فالفضل لأيهما لنستعمله؟ فأجاب(عج) قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح والذي نسخ التسبيح قول العالم(ع) كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج إلا العليل أو من يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه[17]. لأنه تضمن نسخ التسبيح، وهو مطلق شامل للمأموم والمنفرد.

ويمنع القبول بالمعارضة ضعفها السندي للإرسال، بل إن المتابع لفتاوى الأعلام لا يجد منهم عناية به. والظاهر عدم ورود شيء من المناقشات الأربع التي ذكرها بعض الأعاظم(ره).

 

نعم قد يتصور معارضة صحيح زرارة المتقدم في الطائفة الرابعة، وهو عن أبي جعفر(ع) أنه قال: لا تقرأن في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئاً، إماماً كنت أو غير إمام. قال: قلت: فما أقول فيهما؟ فقال: إذا كنت إماماً أو حدك فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات، ثم تكبر وتركع[18].

 

وكذا صحيح الحلبي المتقدم في نفس الطائفة، عن أبي عبد الله(ع) قال: إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما، فقل: الحمد لله وسبحان الله والله أكبر[19]. فإن مقتضى إطلاقهما عدم الفرق بين كون المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً.

والبناء على أن المعارضة بينهما غير مستقرة، فيعمد إلى تقيـيد إطلاق صحيحي الحلبي وزرارة، بصحيح منصور بن حازم، لتكون النتيجة، أنه لا يجوز للإمام القراءة في الركعتين الأخيرتين، لكنه يجوز ذلك للمأموم. ممنوع، لأن مقتضى النهي الوارد في صحيح الحلبي مثلاً الإرشاد إلى الفساد، كما أن مقتضى الأمر الوارد في صحيح منصور، المشروعية، وهذا يمنع من التصرف في ظهوره، بالتقيـيد المذكور. ومقتضى ذلك تساقطهما، فتبقى موثقة علي بن حنظلة سالمة عن المعارضة.

 

وقد يحكم بعلاج المعارضة المتصورة بينهما من خلال مسلك انقلاب النسبة، على أساس أن نصوص الطائفة الخامسة تقيـد إطلاق نصوص الطائفة الرابعة ليكون مفادها أن التخيـير للمأموم في الركعتين الأخيرتين يختص بالصلاة الإخفاتية، دون الصلاة الجهرية، وتكون وظيفته في الصلاة الجهرية هي التسبيح. وعندها تكون نصوص الطائفة الرابعة بعد تقيـيدها أخص من نصوص الطائفة الثانية، فتقيدها لتكون النتيجة أن التخيـير مختص بالصلاة الإخفاتية دون الصلاة الجهرية.

وما ذكر من العلاج قائم على التسليم بمسلك انقلاب النسبة، إلا أن المقرر في الأصول منعه، وعدم القبول به، ما يجعل المعارضة حاصلة بين الطوائف الثلاث.

 

وقد تعالج المعارضة بجعل موضوع موثقة علي بن حنظلة هو المنفرد، وليس المأموم، وموضوع صحيحة معاوية بن عمار هو المأموم، وعليه لا معارضة بينهما، ويقيد الإطلاق الموجود في صحيحة معاوية لتكون النتيجة البناء على أن وظيفة المأموم هي التخيـير في الصلوات الإخفاتية، وتعين التسبيح عليه في الصلوات الجهرية.

 

 

 

————————-

[1] السرائر ج 1 ص 284.

[2] وسائل الشيعة ج 6 ب 42 من أبواب القراءة ح 3 ص

[3] وسائل الشيعة ج 8 ب 32 من أبواب صلاة الجماعة ح 6 ص 362.

[4] كلمات توضيحية ج 1 ص

[5] الحدائق الناضرة ج 8 ص 396-397.

[6] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج ص

[7] وسائل الشيعة ج 8 ب 32 من أبواب صلاة الجماعة ح 5 ص 361.

[8] المصدر السابق ب 51 من أبواب القراءة ح 7 ص 124.

[9] المصدر السابق ح 1 ص 122.

[10] وسائل الشيعة ج 8 ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 9 ص 357.

[11] وسائل الشيعة ج 8 ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 ص 356.

[12] وسائل الشيعة ج 8 ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 3 ص 355.

[13] وسائل الشيعة ج 8 ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 9 ص 357.

[14] وسائل الشيعة ج 6 ب 42 من أبواب القراءة ح 4 ص 108.

[15] وسائل الشيعة ج 6 ب 42 من أبواب القراءة ح 3 ص

[16] وسائل الشيعة ج 6 ب 51 من أبواب القراءة في الصلاة ح 11 ص 126.

[17] المصدر السابق ح 14 ص 127.

[18] المصدر السابق ح 1 ص 122.

[19] المصدر السابق ح 7 ص 124.