2 مارس,2021

هــمّ يوسف وزوجة العزيز(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

هــمّ يوسف وزوجة العزيز(1)

 

من الآيات التي تمسك بها المخطئة لنفي العصمة عن الأنبياء(ع)، حديث القرآن الكريم عن نبي الله يوسف(ع) في قصته مع زوجة العزيز ومراودتها له، قال تعالى:- (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنع السوء والفحشاء إنه من عبادنا الصالحين)[1]. حيث قرر هؤلاء أن مفادها أنه(ع) قارب أن يفعل الفاحشة، لأن همه كان مثل همها، فيكون المعطوف وهو قوله تعالى:- (وهم بها)، والمعطوف عليه وهو:- (ولقد همت به)، كلاماً مستقلاً غير مقيد بشيء ليكون معنى ذلك أنها قد همت به من دون أي شرط ولا قيد، وأنه قد همّ بها جزماً وحتماً. نعم قد انصرف نبي الله يوسف(ع) عن الهمّ الذي كان عنده بسبب رؤية برهان ربه، وأما هي فقد بقيت على همها ورغبتها حتى عجزت عن الوصول إلى ذلك. قال تعالى:- (لولا أن رأى برهان ربه)، يعني لولا الرؤية لكان اقترف وارتكب وفعل، لكنه لم يفعل شيئاً لأنه قد رأى برهان ربه، فيكون جواب لولا في الآية محذوفاً وتقديره لأقترف.

 

واستشهد هؤلاء على دلالة الآية بالصورة السابقة ببعض النصوص، مثل ما روي عن ابن عباس: جلس يوسف منها مجلس الخائن وأدركه برهان ربه ونجاه من الهلكة.

وأما بالنسبة لتحديد المقصود من برهان ربه المذكور في الآية المباركة، فقد عرضوا في تحديده محتملات:

منها: أن طائراً جاء ووقع على كتفه، وقال في إذنه: لا تفعل، فإن فعلت سقطت من درجة الأنبياء.

ومنها: أنه رأى أباه النبي يعقوب(ع) عاضاً على إصبعه، وقال: يا يوسف أما تراني؟ وهكذا.

 

من كلام صاحب الميزان:

وقد يساعد على القبول بهذا التفسير ملاحظة المقتضي الداعي لحصول هذا الأمر من نبي الله يوسف(ع)، وفقدان المانع، وقد أشير لهذين العنصرين في كلمات السيد العلامة الطباطبائي(ره)، فذكر عناصر ستة يمكن عدّها بمثابة المقتضي لحصول ذلك منه(ع)، وأموراً ثلاثة تصلح أن تشكل المانع من حصوله.

 

أما بالنسبة للأمور التي تصلح أن تشكل المقتضي، فهي:

أحدها: جمال الخلقة التي كان يتمتع بها نبي الله يوسف(ع)، فقد أعطاه الله سبحانه وتعالى جمالاً فائقاً ومميزاً، قال(ره) في وصفه: وكان ذا جمال بديع يدهش العقول ويسلب الألباب.

ثانيها: لوازم الجمال، فإن من المعروف أن من لوازم الجمال والملاحة الميل إلى الهوى.

ثالثها: الطبيعة البشرية، القائمة على ميل الرجال إلى النساء، وميل النساء إلى الرجال، ومن المعلوم أن يوسف(ع) رجل، فمن الطبيعي أن يكون ميالاً بحسب الطبيعة إلى النساء.

رابعها: الوسط البيئي الذي كان يعيش فيه، فإنه كان يعيش في نعمة ورغد عيش وترف، ومثل هذه البيئة تساعد على الميل إلى ذلك.

خامسها: جمال الملكة الفائق والفاتن، وعشقها وولهها بيوسف(ع).

سادسها: إحسان الملكة إلى يوسف، وهذا يوجب تلبيته لرغباتها واستجابته لطلباتها وطاعته إياها.

 

مضافاً إلى ما كان سوف يحظى به يوسف الصديق(ع) من النعيم لو لبى رغبتها واستجاب لطلبها، إلا أنه مع ذلك امتنع ولم يقدم على ذلك.

وأما بالنسبة للمانع، فلا يخرج عن أحد أسباب ثلاثة:

الأول: الخوف من ظهور الأمر والافتضاح:

واحتمال حصوله بعيد، لأن المفروض أنهما كانا في مأمن، ولو بدا شيء من ذلك، فإن لزوجة العزيز القدرة على تأويله، كما فعلت ذلك عندما ظهر أمر مراودتها له، وقلبت العقوبة على يوسف(ع)، وأرضت العزيز حتى سجنه.

 

الثاني: مناعة نسب يوسف:

فإنه ولد نبي الله يعقوب، وجده نبي الله إسحاق، وجده الأعلى خليل الرحمن إبراهيم(ع)، ومثل هكذا نسب يمنع الإنسان من الوقوع في الرذيلة وفعل المعصية.

ويدفعه، أن النسب لو كان حاجباً ومانعاً لمنع أخوة يوسف(ع) عما هو أعظم من الزنا وأشدّ إثماً، فإنهم لم تمنعهم شرافة النسب من أن يهموا بقتله، ويلقوه في غياهب الجب، ثم يبيعوه من السيارة بيع العبيد، ويثكلوا أباهم يعقوب حتى أبيضت عيناه من البكاء عليه.

 

الثالث: قبح الخيانة للعزيز وحرمتها:

فإنه الذي أواه وأكرمه وقربه، وتعدّ خيانته وهتك حرمته بفعل الفاحشة مع زوجته وأهله أمراً قبيحاً ومحرماً.

ويجاب عن ذلك، بأن ذلك من القوانين الاجتماعية وهي إنما تؤثر أثرها بما تستتبعه من التبعة على تقدير المخالفة، وذلك إنما يتم إذا كان الإنسان تحت سلطة الحكومة العادلة فإذا فسقت هذه الحكومة وأهملت، أو خفي الجرم عن نظرها أو خرج عن سلطانها، لم يكن تأثير لشيء من هذه القوانين.

 

قال صاحب الميزان(ره): فقد كان يوسف(ع) رجلاً، ومن غريزة الرجال الميل إلى النساء، وكان شاباً بالغاً أشده وذلك أوان غليان الشهوة وثوران الشبق، وكان ذا جمال بديع يدهش العقول ويسلب الألباب، والجمال والملاحة يدعو إلى الهوى والترح، وكان مستغرقاً في النعمة، وهنيء العيش محبوراً بمثوى كريم، وذلك من أقوى أسباب التهوس والإتراف، وكانت الملكة فائقة الجمال، وكذلك تكون حرم الملوك والعظماء.

 

وكانت لا محالة متـزينة بما يأخذ بمجامع كل قلب، وهي عزيزة مصر، وهي عاشقة والهة تتوق إليها النفوس، وتتوق نفسها إليه، وكانت لها سوابق الإكرام والإحسان والإنعام ليوسف، وذلك كله مما يقطع اللسان ويصمت الإنسان، وقد تعرضت له ودعته إلى نفسها والصبر مع التعرض أصعب، وقد راودته هذه الفتانة وأتت فيها بما في مقدرتها من الغنج والدلال، وقد ألحت عليه فجذبته إلى نفسها حتى قدّت قميصه. والصبر معها أصعب وأشق، وكانت عزيزة مصر لا يرد أمرها ولا يثنى رأيها، وهي ربته، خصه بها العزيز، وكانا في قصر زاهٍ من قصور الملوك ذي المناظر الرائقة التي تبهر العيون وتدعو إلى كل عيش هنيء.

 

وكانا في خلوة وقد غلقت الأبواب، وأرخت الستور، وكان لا يأمن الشر مع الامتناع، وكان في أمن من ظهور الأمر وانتهاك الستر، لأنها كانت عزيزة بيدها أسباب الستر والتعمية، ولم تكن هذه المخالطة فائتة لمرة، بل كان مفتاحاً لعيش هنيء طويل، وكان يمكن ليوسف أن يجعل هذه المخالطة والمعاشقة وسيلة يتوسل بها إلى كثير من آمال الحياة وأمانيها كالملك والعزة والمال.

 

فهذه أسباب وأمور هائلة لو توجهت إلى جبل لهدته، أو أقبلت على صخرة صماء لأذابتها. ولم يكن هناك مما يتوهم مانعاً إلا الخوف من ظهور الأمر أو مناعة نسب يوسف أو قبح الخيانة للعزيز.

أما الخوف من ظهور الأمر فقد مرّ أنه كان في أمن منه. ولو كان بدا من ذلك شيء لكان في وسع العزيزة أن تؤوله تأويلاً كما فعلت فيما ظهر من أمر مراودتها، فكادت حتى أرضت نفس العزيز إرضاء فلم يؤاخذها بشيء وقلبت العقوبة ليوسف حتى سجن.

 

وأما مناعة النسب، فلو كانت مانعة لمنعت إخوة يوسف عما هو أعظم من الزنا وأشد إثماً، فإنهم كانوا أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمثال يوسف فلم تمنعهم شرافة النسب من أن يهموا بقتله ويلقوه في غيابت الجب ويبيعوه من السيارة بيع العبيد، ويثكلوا فيه أباهم يعقوب النبي(ع) فبكى حتى أبيضت عيناه.

وأما قبح الخيانة وحرمتها فهو من القوانين الاجتماعية، والقوانين الاجتماعية إنما تؤثر أثرها بما تستتبعه من التبعة على تقدير المخالفة، وذلك إنما يتم فيما إذا كان الإنسان تحت سلطة القوة المجرية والحكومة العادلة، وأما لو   أغفلت القوة المجرية أو فسقت فأهملت أو خفي الجرم عن نظرها أو خرج عن سلطانها فلا تأثير حينئذٍ لشيء من هذه القوانين.

 

فلم يكن عند يوسف(ع) ما يدفع به عن نفسه ويظهر به على هذه الأسباب القوية التي كانت لها عليه، إلا أصل التوحيد، وهو الإيمان بالله.

وإن شئت فقل المحبة الإلهية التي ملأت وجوده وشغلت قلبه فلم تترك لغيرها محلاً، ولا موضع إصبع[2].

 

معنى الهـــمّ:

ولا يخفى أن تمامية الدعوى المذكورة تقوم على ملاحظة المقصود من مفردة الهمّ التي وردت في الآية المباركة، وبالرجوع إلى كلمات أهل اللغة يتضح وجود معاني متعددة لها:

أحدها: أنه بمعنى العزم على الفعل:

ومنه قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون)[3] ، فإن الهمّ الوارد فيها بمعنى العزم والإرادة، ويكون المعنى أنهم قد أرادوا وعزموا على بسط أيديهم.

 

ثانيها: أن يكون بمعنى خطور الشيء في البال:

وإن لم يحصل من صاحبه عزم وإرادة على الفعل، فيكون الموجود عنده مجرد تفكير ليس إلا، وهو بهذا المعنى يكون أضيق دائرة من المعنى الأول، وقد يجعل مصداقه قوله تعالى:- (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون)[4]، فإن ذيل الآية الشريفة، وهو قوله تعالى:- (والله وليهما) يمنع من حمل الهمّ الوارد فيها على العزم والإرادة، لأنه لا يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى ولياً للمنافقين.

 

وعليه، لابد من أن يكون المقصود من الهمّ الوارد فيها شيئاً آخر، ولهذا حمل الهمّ الوارد في الآية على المعنى الثاني، وهو خطور الشيء في البال والتفكير فيه، وليس على العزم والإرادة. ويساعد على ذلك ملاحظة سبب نزول الآية الشريفة، حيث ذكر أنها نزلت في بني سلمة وبني حارثة، وهما حيان من الأنصار، وقد هموا بأمر فعصمهم الله من ذلك، وكان ذلك الأمر الذي هما به هو الانصراف عن رسول الله(ص)، والمؤمنين، بعدما انصرف عنه عبد الله بن أبي بن سلول بمن معه، وقد أدى هذا الانصراف إلى ضعف قلوب البعض فراودت النفس بالفشل. والمقصود من الفشل في الآية هو الجبن.

 

ثالثها: أن يكون الهمّ بمعنى مقاربة العمل والفعل:

وهو بهذا المعنى يشير إلى أمر أبعد من الإرادة والعزم على الإقدام، فيكون أوسع دائرة من الأول، فهو نظير وجود المحركية عند صاحبه، إلا أنه بعدُ لم يصل إلى مرحلة الفعل والعمل.

وإن شئت قل، إن موجبات الإتيان بالفعل كلها موجودة، فهناك شوق وإرادة وباعثية ورغبة، ومحركية، ولم يبق إلا الإيجاد للشيء خارجاً.

 

رابعها: الشهوة وميل الطباع:

ولهذا يقال لما يشتهيه الإنسان ويميل إليه طبعه، أن همه في كذا وكذا، فيقال عادة: فلان همه بطنه، أو همه فرجه، ويقال أيضاً: كالأنعام همها علفها. فإن هذا كله يشير إلى وجود شهوة حيال ذلك الشيء وميل إليه بحسب الطباع.

ومع تعدد المعاني المذكورة لمفردة الهمّ ، فلن يخرج الحال عن أن يكون الجميع منها حقيقة، أو أن واحداً منها حقيقة، والبقية مجاز، ومع البناء على كونها جميعها معاني حقيقية، فلا ريب أن ذلك إما أن يكون من المشترك اللفظي، أو المشترك المعنوي.

 

وعلى أي حال، ليس المقام مورد تحقيق ذلك، لأنه يوجب طولاً في المقام، ولم يكن البناء على ذلك، بل تمام الغرض هو ملاحظة مدى تمامية الدعوى المذكورة في كلمات المخطئة، وأن الآية المباركة موافقة لمدعاهم من عدمه.

ولا يخفى أنه مع تعدد المعاني المذكورة لمفردة الهمّ فإنه يصعب البناء على دلالة الآية المباركة على المدعى، ذلك أن دلالتها على دعوى القائلين بنفي العصمة مبني على الالتـزام بخصوص المعنى الأول من المعاني المذكورة دون البقية، ولا موجب لتعينه فيها دون بقية المعاني الأخرى، ومعه يكون في البين إجمال فلا يصح الاستناد للآية للدلالة على المطلوب.

 

معالجة مشكلة تعدد معاني الهمّ:

وقد يعالج ذلك بحيث يحصر المقصود من الهمّ الوارد في الآية المباركة بأحد بيانين:

الأول:  ما جاء في كلام ابن منظور في كتابه لسان العرب:

فإنه قد بنى على حصر معنى الهمّ في خصوص المعنى الأول، ولم يرتض المعاني الأخرى، وقد علل ذلك بأنها من الاستعمال النادر الذي لا يمكن حمل صريح الكتاب العزيز عليه.

 

الثاني: البناء على وجود قرينة معينة للمعنى الأول:

بوجود ما يوجب ترجيحه وتعينه دون بقية المعاني الأخرى، فيكون المقصود من الهم الصادر من نبي الله يوسف(ع) بمعنى العزم و الإرادة، والقرينة على ذلك هي المنع من التفكيك بين اللفظين مع عدم القرينة الموجبة لذلك، توضيح ذلك:

لا ريب في أن الهم الذي كان حاصلاً عند زوجة العزيز بمعنى العزم والإرادة، وحتى لا يلزم التفكيك بين اللفظين بأن يستعمل أحدهما في معنى ويستعمل الآخر في معنى آخر يغاير المعنى الأول الذي قد استعمل فيه نفس اللفظ، فلابد أن يكون المقصود منه هو أيضاً العزم والإرادة،  ولا يكون المقصود منه شيئاً آخر كخطور الشيء في البال مثلاً.

 

ومع البناء على اتحاد معنى اللفظة في الآية، يكون مقتضى ذلك البناء على أن وجود حالة العزم والإرادة عند نبي الله يوسف(ع) أيضاً، كما كان ذلك موجوداً عند زوجة العزيز، وهذا يوجب صدور المعصية منه، المانع من توفر العصمة لديه.

 

كلام السيد المرتضى:

وقد أشار السيد المرتضى(ره) إلى أن حمل الهمّ الوارد ذكره في الآية الشريفة على واحد من المعاني الثلاثة الأخيرة يبطل دعوى المخطئة القائلين بنفي العصمة عن نبي الله يوسف(ع)، نعم لو بني على تفسير الهمّ فيها بالمعنى الأول حذراً من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، كان ذلك مشكلاً، لأنه يثبت ارتكاب المعصية لنبي الله يوسف(ع).

 

نعم يمكن البناء على القبول بالمعنى الأول للهمّ في الآية الشريفة وجعله محتملاً فيها أيضاً مع ملاحظة أن يكون متعلق الهمّ أمراً آخر غير المعصية، فلا تكون الآية دالة على صدور المعصية منه(ع)، ويمكن تقريب ذلك بوجهين:

الأول: الالتـزام بجعل الهم متعلقاً بشيء آخر غير القبيح:

كأن يجعل متعلقاً مثلاً بضربها، أو دفعها عن نفسه، كما يقول القائل: هممت بفلان، يعني أوقع به ضرباً، أو مكروهاً، فيكون المعنى همّ بضربها، أو همّ أن يدفعها عن نفسه وذلك بإلقائها أرضاً مثلاً.

 

موانع القبول بهذا التوجيه:

ويواجه هذا التقريب إشكالان:

الأول: لغوية إراءة البرهان، توضيح ذلك:

إنه بعد التسليم بكون متعلق الهمّ أمراً غير قبيح، بل أمر حسن، كعزمه وإرادته ضربها، أو عزمه على دفعها عن نفسه، إلا أن هناك مانعاً يمنع من القبول بهذا التوجيه، وهو عدم وجود الداعي إلى رؤيته برهان ربه، ذلك أن الظاهر من الآية الشريفة أن رؤيته برهان ربه كان غرضه عصمته من الوقوع في أمر قبيح، ووفق الفرض أن ما كان مورد همه ليس أمراً قبيحاً، فلا يوجد موجب لإرائته برهان ربه حينئذٍ.

 

وأجاب عنه(ره) بجوابين:

أحدهما: إن الداعي إلى اراءة نبي الله يوسف(ع) برهان ربه مع أن ما هو بصدده أمر حسن، يعود إلى أنه لو أقدم على ضربها، أو على دفعها عن نفسه بإسقاطها مثلاً أرضاً، فإنه سوف يتعرض إلى الإيذاء من قبل ذويها كعزيز مصر، بل ربما كان في ذلك هلاكه وموته من قبلهم، ويظهر هذا من خلال ما قامت به من قلب الحقيقة، وإقناع العزيز بأنه بصدد الاعتداء عليها، فكيف لو وجد فيها أثر ضرب أو إسقاط على الأرض.

ثانيهما: إن إقدام نبي الله يوسف(ع) على عملية الضرب، أو الدفع بالإسقاط أرضاً مثلاً، موجب لإلصاق التهمة به من قبل زوجة العزيز، فيتوفر لديها برهان لاتهامه، فيمكنها حينئذٍ دعوى مراودته إياها على القبيح، فلما امتنعت منه عمد إلى ضربها أو ما شابه ذلك.

 

ومن الواضح أن الجوابين يؤولان لكون الغرض من إراءته سبحانه وتعالى البرهان كانت حماية نبي الله يوسف(ع) من الأذى.

 

الثاني: وحدة السياق:

إن مقتضى وحدة السياق تمنع أن يكون الهمّ الحاصل عند نبي الله يوسف(ع) بمعنى العزم على الضرب، أو إرادة دفعها عنه بإلقائها أرضاً مثلاً، لأن المفروض أن مقتضى وحدة السياق كون الهمّ الوارد في الآية المباركة بمعنى واحد، لأنه كما قد تعلق بها، فإنه قد تعلق به أيضاً، فكيف جاز التفكيك بينهما في المعنى، بأن حمل همها على إرادة المعصية والعزم عليها، والسعي إليها، وحمل همه(ع) على إرادة ضربها، ودفعها عن نفسه؟ من الواضح أن ذلك خلاف الظاهر، ومع كونه كذلك، فإنه لن يصار إليه.

 

وأجاب عنه(قده) بجواب مركب من مقدمتين:

الأولى: لا يخفى أن مقصود المستشكل من خلاف الظاهر هو حالة التقدير التي جعلت في الآية الشريفة بكون متعلق الهم المرتبط بنبي الله يوسف(ع) أمراً آخر غير متعلق الهم الموجود عند زوجة العزيز، ومن المعلوم أن الداعي للتقدير هو تعلق الهم في الآية الشريفة بالذات، ومن الواضح أنه لا يصح أن يكون متعلقاً بها، لأنه سوف يكون المعنى عندها: عزم الذات، أو أراد الذات، ومع عدم الصحة، فلا مناص من التقدير، وهذا يجعل التقدير عندها على وفق القاعدة، فيكون التقدير على وفق الظاهر، وليس مخالفاً له كما توهم المستشكل.

 

الثانية: بعد الفراغ عن الحاجة للتقدير، وأنه وفق القاعدة وليس مخالفاً للظاهر، فلابد من تحديد الفعل المحذوف المقدر ليكون متعلقاً للعزم والإرادة، ولما لم يحدد، فإن ذلك يوجب تعدد المحتملات في المقام، وترجيح أحدها على البقية بحاجة إلى قرينة مرجحة، ومقتضى الدليل العقلي القائم على تنـزيه الأنبياء(ع) عن المعصية والخطيئة، سوف يكون المحذوف فعلاً لا يتنافى مع ذلك، وهو الضرب مثلاً، أو الدفع عن النفس بالإلقاء على الأرض مثلاً، أو ما شابه.

ومع ضم المقدمتين إلى بعضهما، سوف يكون متعلق الفعل المحذوف المقدر إما الضرب، أو الدفع والإلقاء أرضاً مثلاً، أو ما شابه ذلك، وهو يتناسب مع العصمة وإن كان المقصود من الهم في الآية هو المعنى الأول.

 

 

 

 

[1] سورة يوسف الآية رقم 24.

[2] الميزان في تفسير القرآن ج 11 ص 126-127.

[3] سورة المائدة الآية رقم 11.

[4] سورة آل عمران الآية رقم 122.