26 مايو,2020

مبدأ حساب المسافة

اطبع المقالة اطبع المقالة

[size=6][/size]
[font=arial]يقع الحديث في البحث عن مبدأ المسافة ضمن نقطتين:

الأولى: في مبدأ المسافة في البلدان الصغيرة، أو المحلات.

الثانية: في البلدان الكبيرة.

أما بالنسبة للنقطة الأولى: فقد وقع الخلاف بين الأصحاب في تعيـين مبدء المسافة على أقوال:[/font]
1-إن مبدأها هو آخر خطة البلد، أو سورها لو كان لها سور، وإن لم يكن لها سور، فمن آخر البيوتات. بلا فرق بين البلدان الصغيرة والكبيرة. وهذا هو قول المشهور.

هذا ويترتب على هذا القول، أنه لو اتسعت البلدان بحيث أنه بعدما كانت المسافة بين بلدين ثمانية فر اسخ، لكنه نتيجة لاتساع البلدان من خلال امتداد الأبنية، سواء كان ذلك في كليهما أم في واحدة منهما، صارت المسافة لا تبلغ ذلك، فلا ريب أنه لن يجب القصر حينئذٍ.

2-التفصيل بين البلدان الكبيرة فتحسب المسافة فيها من آخر المحلة. وفي غيرها من آخر البلد وخطته. وهذا مختار الشهيد في الذكرى والبيان.

ولعل منشأ هذا القول هو ملاحظة أن التحديدات الشرعية تنسجم دائماً مع المتعارف، فكما أن حدّ ما يغسل من الوجه في الوضوء بحسب اليد المتعارفة، كذلك المسافة يعتبر مبدؤها من آخر البلد بلحاظ كون ذلك أمراً متعارفاً، وهذا بخلاف ما لو كانت مدينة عظيمة في الاتساع، فإنها تعدّ عرفاً بمنـزلة المدن المتعددة المتلاصقة، وعندها يكون مبدأ حساب المسافة من محلة المكلف نفسه.

3-إن مبدأ المسافة هو المنـزل وهو قول الشيخ الصدوق.

4-إن مبدأ المسافة هو المحل الذي ينشيء المكلف منه السفر وهو مختار السبزواري في الذخيرة والكفاية. ولذا لو خرج من منـزله غير قاصد للسفر لكنه لما بلغ أطراف محلته عزم على السفر وأنشأها من هناك كان مبدأ الحساب هو محله الذي أنشأ السفر منه.

5-إن مبدأ المسافة هو حد الترخص، وقد نسبه صاحب الجواهر إلى الشهيد الأول(ره) وهو الظاهر من كتابه الذكرى، قال:

كما نسبه صاحب مفتاح الكرامة إلى المقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان، لكنني لم أجده في الكتاب بالمراجعة إليه.

وكأن منشأه ملاحظة أن المناط في القصر حصول التغرب عن الوطن، فما دام بعد لم يصل المسافر إلى حد الترخص فهو بعدُ لم يتحقق فيه مناط القصر، لأن مقدار حدّ الترخص داخل في توابع البلد، وعليه لابد من وصوله إليه لكي يكون مبدأ حساب السفر.

وقد احتاط بعض الفقهاء لعدم وضوح رأي خاص عندهم.

وأعلم أنه لا يمكن في هذه المسألة دعوى شهرة فضلاً عن إجماع لأن هذه المسألة غير معنونة في كتب القدماء وأول من عنونها هو الشهيد Q.

ثم إن النصوص في المورد على طوائف:

الأولى: ما دل على أن مبدأ حساب المسافة هو آخر البلد:

منها: صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عنه قال B: وقد سافر رسول الله 9 إلى ذي خشب وهو مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان أربعة وعشرون ميلاً فقصر وأفطر فصارت سنة[1].

ولا يخفى أنها دلت أن بداية الاحتساب هو نهاية المدينة المنورة، وليس المنـزل كما لا يخفى، فلاحظ.

نعم يمكن القول بأن فيها دلالة على أن مبدأ الحساب هو محل إنشاء السفر، إذ يمكن ادعاء أن نهاية المدينة كانت نقطة إنشاء السفر، إلا أن هذا الاحتمال يدفعه ما يعلم من أنه(ص) قد عزم السفر من وقت مسبق، مما يبعد أن يكون محل إنشاء السفر هو خارج المدينة، فلاحظ.

لا يقال: إن المحكي فيها فعل، ولا يخفى أن الفعل مجمل، فلا مجال للاعتماد عليه.

فإنه يقال: إن كونه وارداً مورد التحديد يخرجه عن الفعل إلى القول، وبالتالي لا يكون في البين إجمال، فتأمل.

ومنها: معتبر العيص بن القاسم عن أبي عبدالله B قال: إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافراً أفطر. وقال: إن رسول الله 9 خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة فلما انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشربه وأفطر معه الناس[2].

هذا وقد يقرب الاستدلال بها من خلال طريقين:

الأول: التمسك بصدر الرواية، وهو مقوله(ع)، لا ما حكاه عن النبي(ص)، فيقال: إن الخروج لا ينطبق على الإنسان وهو بعدُ في بلده حيث أنه لا يتصف بالوصف العنواني أي كونه مسافراً إلا إذا خرج من بلده، وعليه يقال: بأن المراد من الخروج هو الخروج من آخر بلده، كما لا يخفى.

نعم للمنع من دلالة هذا التقريب على المدعى مجال واسع، إذ لا يـبعد القول بعدم كونها في مقام البيان من هذه الناحية، بل هي في مقام بيان وظيفة المسافر، وما هو حكمه حين السفر من حيث الصيام والإفطار، وبالتالي لا مجال للتمسك بها في المقام.

الثاني: التمسك من خلال ما حكاه من فعل النبي(ص)، حيث ذكر أن مبدأ الخروج من المدينة، وهو واضح في أن مبدأ حساب المسافة هو آخر البلد كما لا يخفى.

والإنصاف أن الكلام فيه هو عين الكلام في سابقه من حيث أنها ليست في مقام البيان من هذه الجهة، بل هي في مقام بيان وظيفة المسافر متى خرج في نهار الصوم، فاللازم عليه الإفطار، ولا يسوغ له الصوم حينئذٍ.

ومنها: موثقة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله B-في حديث- قال: قلت له: كم أدنى ما يقصر فيه الصلاة؟ قال: جرت السنة بياض يوم فقلت له: إن بياض يوم يختلف يسير الرجل خمسة عشر فرسخاً في يوم ويسير الآخر أربعة فراسخ وخمسة فراسخ في يوم قال: فقال: إنه ليس إلى ذلك ينظر أما رأيت سير هذه الأثقال بين مكة والمدينة؟ ثم أومأ بيده أربعة وعشرون ميلاً يكون ثمانية فراسخ[3].

وتقريب دلالتها من خلال ما جاء في كلامه(ع): أما رأيت سير هذه الأثقال بين مكة والمدينة، فإنه ظاهر في أن مبدأ الحساب ما يكون خارج البلد، وليس داخلها.

نعم لا يـبعد القول بعدم دلالة الموثقة على المدعى، ضرورة أنها ليس في مقام البيان من هذه الجهة، وإنما هي في مقام بيان مقدار المسافة، وليست في مقام بيان مبدأها، وبالتالي تكون أجنبية عن المقام.

ومنها: مرسلة محمد بن يحيى الخزاز عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله الله B قال: بينا نحن جلوس وأبي عند والٍ لبني أمية على المدينة إذ جاء أبي فجلس فقال: كنت عند هذا قبيل فسائلهم عن التقصير فقال قائل منهم: في ثلاث وقال قائل منهم في يوم ليلة وقال قائل منهم روحة فسألني فقلت له إن رسول الله 9 لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي 9 كم ذاك؟ فقال: في بريد قال وأي شيء البريد؟ فقال: ما بين ظل عير إلى فيء وعير قال: ثم عبرنا زماناً ثم رأى بنو أمية يعملون أعلاماً على الطريق وإنهم ذكروا ما تكلم به أبو جعفر B فذرعوا ما بين ظل عير إلى فيء وعير ثم جزؤه على اثني عشر ميلاً فكانت ثلاثة آلاف وخمسمأة ذراع كل ميل فوضعوا الأعلام فلما ظهر بنو هاشم غيروا أمر بني أمية لأن الحديث هاشمي فوضعوا إلى جنب كل علم علماً[4].

بتقريب: إن وضع الأعلام على الطريق بين البلدان لا بين المنازل. وقد أمضى الإمام B هـذه الطريقة. نعم هي ضعيفة سنداً بالإرسال، فلا مجال للاستناد إليها.

ومنها: خبر صفوان عن الرضا B-في حديث- أنه سئل عن رجل خرج من بغداد فبلغ النهروان وهي أربعة فراسخ من بغداد قال: لو أنه خرج من منـزله يريد النهروان ذاهباً وجائياً لكان عليه أن ينوي سفراً من الليل والإفطار فإن هو أصبح ولم ينو السفر فبدا له بعد أن أصبح في السفر قصر ولم يفطر يومه ذلك[5].

بتقريب: إنها مشتملة على معهودية في ذهن السائل بأن حساب المسافة من سور البلد ولذا حدد المسافة من بغداد.

إلا أن هذا التقريب ممنوع، ضرورة أن الخبر يدل على أن مبدأ حساب المسافة هو المنـزل، فلاحظ قوله(ع): لو أنه خرج من منـزله يريد النهراوان…الخ…، وبالتالي يكون هذا بمثابة الردع عن ما كان في ذهن السائل، لو قلنا بثبوت ارتكاز في ذهنه.

هذا كله مضافاً إلى كونه ضعيفة السند بالإرسال، حيث أن إبراهيم بن هاشم يرسلها عن رجل، وليس هو ممن لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة، فتدبر.

ومنها: صحيحة أبي ولاد قال: قلت لأبي عبد الله الله B إني كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة وهو من الكوفة على نحو عشرين فرسخاً في الماء فسرت يومي ذلك أقصر الصلاة ثم بدا لي في الليل الرجوع إلى الكوفة فلم أدرِ أصلي في رجوعي بتقصير أم بتمام؟ وكيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً فكان عليك حين رجعت أن تصلي بالتقصير لأنك كنت مسافراً إلى أن تصير إلى منـزلك[6].

وتقريـبها: لقد حدد السائل المسافة بأخر خطة البلد بقوله وهو من الكوفة وقد أقره الإمام B على ذلك وقد حدد الإمام B للسائل في الجواب مسافة بريد فلو كان المبدأ الذي فرضه السائل ليس صحيحاً شرعاً لنبهه الإمام B عند تحديده البريد على مبدأ المسافة. ومنه يعلم إقراره B إياه على أن مبدأ المسافة آخر خطة البلد فتكون تامة على المدعى.

والإنصاف أن التقريب المذكور يتم لو قلنا بأن الصحيح المذكور في مقام البيان من هذه الجهة، مع أن الظاهر خلاف ذلك، ضرورة أن الصحيح في مقام بيان مقدار المسافة الشرعية، ومع كونه كذلك وعدم وجود إطلاق لكي يقال بأنه في مقام البيان من جميع الجهات يمنع من الاعتماد على الصحيح لإثبات المدعى.

هذا ولو سلمنا تمامية دلالة هذه الطائفة من النصوص على المدعى، وأنها ظاهرة في أن مبدأ المسافة هو آخر البلد، إلا أن في البين سؤالاً ينبغي ملاحظته، وهو:

هل أن المراد من آخر البلد سورها لو كان لها سور أو بيوتاتها وآخر خطتها لو لم يكن لها سور، أم أن المارد منه الخروج من جميع توابعها ومرفقاتها، بمعنى الوصول إلى حد الترخص؟…

لا يخفى أن كليهما محتمل، ضرورة أن المسافر ما لم يخرج عن حدّ الترخص، لا زال في حدود البلد، ويشهد له أنه لا يسوغ له الصلاة قصراً قبل بلوغه، وكأنه لعدم انطباق عنوان المسافر عليه، مما يعني أنه لا زال في البلد، وبالتالي لم يخرج عنها.

وعلى هذا، فإن كان في البين ما يعين أحد المحتملين في المقام، وإلا فلابد من الاقتصار على القدر المتيقن، ونفي الزائد، ومن الواضح أنه خصوص حد الترخص.

هذا وإن أبيت عما ذكرنا، فلا مناص عندها من الإجمال والالتـزام بعدم وضوح المراد من خارج البلد، فلاحظ، وتدبر.

ودعوى أن المتبادر بحسب الفهم العرفي من النصوص أن المراد من الخروج من البلد، هو الخروج من سوره لو كان له سور، أو هو آخر البيوتات مما لا سور له[7]، عرية عن الشاهد، خصوصاً بملاحظة ما ذكرناه من أنه لو لم يبلغ حدّ الترخص، فإنه لا زال داخل دائرة البلد، لأنه يدور في ملحقاتها، وتوابعها، ومن هنا لا يلتـزم القائل(ره)، ولا غيره، بأنه لو دار في توابع البلد، ومرفقاتها بالتقصير إذا بلغ مسافة شرعية، مع أنه خارج عن بلده، وهذا يؤكد أن السفر عرفاً لا يتحقق إلا إذا خرج المسافر من ملحقات البلد وتوابعها، ويتأتى ذلك بوصوله إلى حدّ الترخص، فلاحظ.

الثانية: ما دل على أن حساب المسافة هو المنـزل وهي روايات:

فمنها : مرسلة الصدوق قال: روي عن أبي عبدالله B أنه قال: إذا خرجت من منـزلك فقصر إلى أن تعود إليه[8].

ومنها: خبر المروزي قال: قال الفقيه B التقصير في أربعة فراسخ فإذا خرج الرجل من منـزله يريد اثني عشر ميلاً وذلك أربعة فراسخ ثم بلغ فرسخين ونيته الرجوع أو فرسخين آخرين قصر وإن رجع عما نوى عند بلوغ فرسخين وأراد المقام فعليه التمام وإن كان قصر ثم رجع عن نيته أعاد الصلاة[9].

ويجاب عنها: إن المراد من المنـزل هو آخر البلد بملاحظة روايات الطائفة الأولى المشيرة إلى تحديد المسافة باثني عشر ميلاً مبتدأة بتحديدها من آخر البلد. مضافاً إلى ضعف سنديهما.

ومنها: رواية موسى بن الخزرج قال: قلت لأبي الحسن B: أخرج إلى ضيعتي ومن منـزلي إليها اثنا عشر فرسخاً أتم الصلاة أم أقصر؟..فقال: أتم[10].

وفيه: إنها مؤيدة للطائفة الأولى لأنه لو كان مبدأ حساب المسافة من المنـزل لأمره B بالقصد لأنه بلغ البريد. ولكن لما كان الحساب من خطة البلد ولم تكن المسافة كذلك أمره بالتمام. نعم لا يـبعد أن الأمر بالتمام منشأه أنها ضعيته فتكون دالة على المدعى فتأمل.

ومنها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله الله B أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم؟ قال: إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم وإن خرج بعد الزوال فليتم صومه[11].

وفيه: إنه لا دلالة لها على المدعى لأن عمدة ما تدل عليه هو بيان وظيفة الصائم من حيث جواز الإفطار وعدمه.

وإن قيل بمطابقة الجواب للسؤال فللإعراض مجال.

ومنها: مرسلة ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله الله B: في الرجل يخرج من منـزله يريد منـزلاً له آخر أو ضيعة له أخرى؟ قال: إن كان بينه وبين منـزله أو ضيعته التي يؤم بريدان قصر وإن كان دون ذلك أتم[12].

والإنصاف أنها تامة الدلالة على المدعى إلا أن دلالتها على المبدأ من المنـزل مطلقة حالة كونه في آخر البلد أو أوله أو وسطه منفرداً أو منضماً إلى مجموعة بيوت فيمكن تقييدها بروايات الطائفة الأولى فتفيد حين كونه آخر البلد. هذا مضافاً لضعف سندها.

الثالثة: ما دل على أن مبدأ المسافة هو النقطة التي ينشأ المسافر منها سفره: وهي موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله الله B قال: سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ فيأتي قرية فينـزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك ثم ينـزل في ذلك الموضع؟ قال B: لا يكون مسافراً حتى يسير من منـزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم صلاته[13].

وفيه: إن هذه الرواية ناظرة لمن يحمل بيته معه. لأننا لو لم نقبل ذلك قلنا أن المسافر مخـير بـين احتساب المسافة من منـزله أو من قريته، وهذا تخيـير بين الأقل والأكثر، وقد ثبت في محله أن مردّه للبراءة بجريانها عن الأكثر، لعدم وجود أصالة التخيير، فتحصل أن الرواية مؤيدة للطائفة الأولى لأنها تشير إلى معنيين:

1-إن مبدأ حساب المسافة من القرية لمن كان بيته في القرية.

2-إن مبدأها المنـزل لمن كان بيته معه.

ويستدل للقول الخامس: بأن التقصير لا يكون إلا ببلوغ حد الترخص كما نصت عليه النصوص فكذلك حساب المسافة.

وفيه: منع الملازمة بينهما، لأن موضوع دليل التقصير هو القصد لثمانية فراسخ، وهو يـبدأ من سور البلد ولا علاقة له بمتى يـبتدأ التقصير.

هذا وقد يعمق هذا القول بتقريب آخر، حاصله: إنه متى كان الأمر دائراً بين التخصيص والتخصص نتيجة الشك في الخروج من تحت العموم، كما لو قال: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم زيداً، ودار أمر زيد بين أن يكون عالماً لكنه لمانع ما خرج من تحت العموم، فيكون خروجه من باب التخصيص، أو أنه جاهل فيكون خروجه من تحت العام من باب التخصص بسبب انتفاء الموضوع عنه، ففي هكذا مورد يقتض الأصل الأخذ بالتخصص دون التخصيص، على أساس أن ظهور العام أمارة، وحجة في لوازمه المثبتة، وبالتالي يكون المراد من زيد الجاهل لا العالم المخصص.

ومقامنا من هذا القبيل، إذ يدور أمر التقصير قبل بلوغ حدّ الترخص بين كونه من باب التخصيص كي يكون خروجه من تحت العام بسبب وجود مخصص منفصل، أو من باب التخصص لعدم صدق الموضوع عليه، وقد عرفت أن الأصل يقضي بالتخصص[14].

والإنصاف قوة هذا التقريب. بل لا يـبعد حمل الطائفة الأولى من النصوص عليه، بملاحظة ما ذكرناه في بيانها عند تعرضها، حيث أن المكلف ما لم يخرج عن حد الترخص لا يقال له عرفاً بأنه مسافر، ولا يـبدأ الحساب إلا بعد الخروج عن كل ما يكون متعلقاً بالبلدة أو المحلة، وبالتالي تكون نصوص الطائفة الأولى مؤيدة له، فتأمل.

وبعبارة أخرى، إن التقريب المذكور يبتني على أمرين:

الأول: أن المسافر عرفاً ولا شرعاً لا ينطبق عليه العنوان المسافر إلا إذا خرج من حدّ الترخص. ويشهد لاعتبار هذا الأمر ما جاء عنه(ره) في بيان حقيقة المسافر، إذ قال: إن السفر بمعنى الظهور والوضوح من أسفر الصبح بمعنى أضاء، وهو لا يحصل ما دام الشخص في البلد بحيث يرى الناس ويرونه، وعليه يرجح اعتبار حدّ الترخص مبدأ حساب المسافة، لاستلزامه الخروج من البلد بتوابعه، فيصدق عنوان المسافر عليه.

الثاني: عدم وجود دليل صالح للتخصيص في المقام، لكي يكون المورد من الدوران بين التخصيص والتخصص.

وبالجملة، لو أمكن الخدشة في أحد الأمرين كان ذلك كافياً للمنع من التقريب المذكور.

هذا وقد يخدش أول الأمرين من خلال ما ذكره السيد البروجردي(قده)، حيث أنه جعل صدق عنوان المسافر يدور مدار خروجه من خطة البلد، قال(ره): إن عنوان السفر والإقامة متقابلان عرفاً، كما يستفاد من قوله تعالى:- (يوم ظعنكم ويوم إقامتكم). وعنوان المقيم إنما يطلق على الشخص باعتبار توطنه في بلد خاص من دون نظر إلى كونه ساكناً في منـزل مخصوص من منازله، فيقال: فلان مقيم بلدة قم مثلاً من جهة كونه متردداً دائماً في شوارعه ومحلاته لقضاء حوائجه اليومية. فما دام كون الشخص في البلد، وإن كان يتردد في شوارعه، يطلق عليه المقيم عرفاً، فإذا قيل: سافر فلان، تبادر إلى أذهان السامعين أنه خرج من البلد الذي كان متوطناً فيه وتغرب منه.

وبالجملة المتبادر إلى ذهن العرف من لفظ السفر هو التغرب من الوطن ومحل الإقامة، ويحصل ذلك بالخروج من خطة البلد ونهايته، إذ مجموع البلد يعدّ محلاً لإقامة من جهة أن الشخص يتردد دائماً في طرقه وشوارعه لقضاء الحوائج اليومية، وما هو الملاك عرفاً لصدق عنوان السفر هو السير الزائد على ما كان يتحقق من الإنسان في كل يوم في نقاط محل الإقامة[15].

إلا أنه يمكن دفعه بأن ما أفاده السيد المزبور(ره) صحيح في أن المتبادر من لفظ السفر هو التغرب عن الوطن، وأنه ذلك يتحقق بالخروج من خطة البلد ونهايته، إلا أنه لا يثبت أن نهاية البلد هو سورها لو كان لها سور أو آخر بيوتاتها لو لم يكن لها سور، على أننا لو قبلنا أن ظاهر كلام السيد(ره) ذلك، لنا أن نمنع من كون المتبادر عرفاً هو ما ذكره من أن نهاية البلد سورها أو آخر بيوتاتها، بل هو آخر ما يرتبط بها من الملحقات والتوابع، وهو حدّ الترخص.

ومنه يتضح أنه (ره) لا يريد إثبات ملازمة بين صدق عنوان المسافر وحساب المسافة كما توهم في بعض الكلمات، بل نظره إلى أن حساب المسافة إنما يكون بعد انطباق عنوان المسافر على المكلف، وهو يتحقق ببلوغه حدّ الترخص، فلاحظ.

لا يقال: إن هذا المعنى للمسافر، يخالف معنى المسافر لغة، بل وعرفاً أيضاً.

قلت: لا ضير في ذلك، إذ ربما كان موضوع المسافر من المواضيع العرفية التي تدخل الشارع المقدس فيها، كما هو في الإقامة، أو أنه من الموضوعات الشرعية المخترعة، فلاحظ.

ثم إنه يشهد لما ذكرناه في معنى السفر ما جاء في كلام العلامة(قده) في المختلف، فإنه ذكر عند الاستدلال على أن مبدأ التقصير هو بلوغ حدّ الترخص، التمسك بالآية الشريفة، وهي قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم)[16]، فقال: فعلق نفي البأس بالضرب في الأرض، ولا يتحقق في المنازل، فلابد من اعتبار الخروج عن البلد، وإنما يتحقق ذلك بغيـبوبة الأذان والجدران[17].

هذا ولو قيل بالخدشة في الأمر الثاني بدعوى أن الطائفة الثانية دالة على التخصيص، وبالتالي لا حاجة للرجوع لإعمال مقتضى الأصل والقاعدة في الدوران بين التخصيص والتخصص، قلنا بأن نصوص الطائفة الثانية لو لم تكن ظاهرة في اعتبار حدّ الترخص، فلا أقل من كونها مجملة، وبالتالي لا مجال للرجوع إليها ورفع اليد عن مقتضى الأصل والقاعدة، فلاحظ.

هذا وقد أجاب بعض الأعيان(قده) عن هذا الوجه، بأنه قياس، لأن الخطاب بالتقصير شيء قد حدد بالدليل المخصوص بحدٍ خاص، ومبدأ تقدير المسافة شيء آخر لا ربط لأحدهما بالآخر، فتحديد مبدأ القصر ذهاباً ومبدأ الإتمام إياباً غير تحديد مبدأ المسافة[18].

ولا يخفى ما فيه، ضرورة أن كلامه(ره) مبني على ظهور الطائفة الأولى في كون مبدأ المسافة هو سور البلد، لو كان لها سور أو آخر البيوتات مما لا سور له، وقد عرفت حال ذلك، فلاحظ.

على أن نسب القول بذلك للقياس، في غير محله، إذ أن تمام النكتة في البين مبنية كما عرفت على تحقق عنوان المسافر، ولا يبعد القول بأنه حتى العرف يـبني على أنه لا يتحقق إلا بخروجه من كل ما هو مربوط ببلده من ملحقات وتوابع، فتأمل.

هذا وقد قرب هذا القول بوجه آخر، حاصله:

إن كل قضية صادقة في المنطق فعكس نقيضها صادق أيضاً، وبما أن قضية: كل مسافر يقصر، صادقة، فعكس نقيضها وهو: من لا يقصر فليس بمسافر، صادق أيضاً، وحيث أن الذي لم يبلغ حدّ الترخص لا يقصر، فليس بمسافر[19].

وبعبارة أخرى: إن الثابت في علم المنطق هو الالتـزام بأن نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم، إذا كان المحمول أخص من الموضوع، ومقامنا من هذا القبيل، ضرورة أن أصل القضية هو: كل مسافر يقصر، وعكس نقيضها: من لا يقصر فليس بمسافر، ومن لم يصل إلى حدّ الترخص فإنه لا يقصر، فهو ليس بمسافر[20].

ولا يخفى أن ما أفاده(قده) مبني على حصر لزوم القصر على المسافر، فمن لم يثبت أنه مسافر فلا قصر عليه، وهو منفي بمن كانت وظيفته التمام في السفر مع أنه لا يشك في انطباق عنوان المسافر عليه كما لا يخفى.

اللهم إلا أن يدعي بأن ذلك خرج من تحت هذا العموم، بدليل خاص، وبالتالي لا يكون مانعاً من تمامية ما ذكر من الدليل، فلاحظ وتدبر.

فتحصل أن الصحيح هو القول الخامس، وأن الطائفة الأولى، لو لم تكن ظاهرة فيه، فلا يـبعد القول بإجمالها، وعدم وضوحها في حساب المسافة من سور البلد، أو خطته.

نعم لا يترك الاحتياط لو كان مقدار المسافة المقطوعة من سور البلد أو آخر البيوتات فيها إلى المقصد يـبلغ مسافة شرعية، مع أنه لو حسب من حدّ الترخص لم يكن كذلك، بالجمع بين القصر والتمام، والله العالم بحقائق الأمور.

النقطة الثانية: مبدأ المسافة في البلدان الكبيرة:

قد عرفت أن المشهور بين الأصحاب، قد التـزموا بالتفصيل ما بين المدينة الكبيرة والمدينة الصغيرة، فبنوا على أن مبدأ حساب المسافة في المدينة الكبيرة هو آخر محلة المسافر، وهذا ما يظهر من كلمات بعض أساطين العصر(دامت أيام بركاته).

مع أن الحق أن المتفاهم العرفي هو عدم التفريق في صدق عنوان المسافر على من سافر من بلاد

صغيرة أو كبيرة وهذا دليل على عدم الفرق بينهما، مضافاً إلى إطلاق الروايات.

وما جاء في المتن لم يتضح له وجه، إذ قد عرفت أن المدار على انطباق عنوان المسافر على المكلف، وبالتالي الظاهر أنه ينطبق عليه ذلك سواء كانت المدينة كبيرة أم كانت المدينة صغيرة، فلاحظ.

نعم لو كانت المدينة متناهية في الكبر وخارقة للعادة، بحيث يعدّ المكلف أثناء تنقله فيها مسافراً، فلا ريب في أنه يلزمه الحساب من آخر المحلة، والله العالم.

——————————————————————————–

[1] الوسائل ب1 من صلاة المسافر ح4.

[2] الوسائل ب1 من صلاة المسافر ح .

[3] الوسائل ب1 من صلاة المسافر ح15

[4] الوسائل ب2 من صلاة المسافر ح13.

[5] الوسائل ب4 من صلاة المسافر ح1.

[6] الوسائل ب5 من صلاة المسافر ح1.

[7] مستند العروة ج 8 ص 50.

[8] الوسائل ب7 من صلاة المسافر ح5.

[9] الوسائل ب2 من صلاة المسافر ح4.

[10] الوسائل ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 15.

[11] الوسائل ب5 ما يصح منه الصوم ح2.

[12] الوسائل ب14 من صلاة المسافر ح3.

[13] الوسائل ب14 من صلاة المسافر ح3

[14] محاضرات في فقه الإمامية ص 69.

[15] البدر الزاهر ص 152.

[16] سورة النساء الآية رقم 101.

[17] المختلف ج 3 ص 111.

[18] مهذب الأحكام ج 9 ص 153.

[19] محاضرات في فقه الإمامية ص 68.

[20] محاضرات في فقه الإمامية ص 70.