2 مارس,2021

مواجهة النبي، السخرية نموذجاً

اطبع المقالة اطبع المقالة

مواجهة النبي، السخرية نموذجاً

لم يختلف حال القرشيـين في مواجهتهم لرسول الله(ص) عن الأساليب التي أتبعتها الأقوام السابقة مع أنبيائها كما يظهر ذلك لكل من قرأ الآيات القرآنية وتدبرها.

أساليب الأمم السابقة في مواجهة أنبيائها:

لقد أتخذ خصوم الأنبياء(ع) أساليب عديدة في مواجهتهم، ويمكن حصرها في أربعة أساليب:

الأول: ما كان يتضمن التعرض إلى شخص النبي والإساءة إليه بصورة مباشرة.

الثاني: ما كان يتضمن التعرض للرسالة التي جاء يدعو إليها، ويطالبهم الإيمان بها.

الثالث: ما كان يتضمن توجيه الإساءات لأتباعهم وأنصارهم.

الرابع: ما كان يتضمن توجيه الاتهامات إلى معتقدهم وضد ربهم سبحانه الذي يوحي إليهم.

 

وقد اشتملت الآيات القرآنية الإشارة إلى هذه الأساليب الأربعة، فقد أشير للأسلوب الأول مثلاً في قوله تعالى:- (يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون)[1]، ومن الأسلوب الثاني قوله سبحانه:- (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين)[2]، ومن قبيل الأسلوب الثالث قوله عز من قائل:- (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب)[3]، ومن أمثلة الأسلوب الرابع قوله تعالى:- (وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون)[4]، ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه:- (ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعلمون)[5].

 

وقد أختلف استخدام خصوم الأنبياء(ع) لهذه الأساليب على ثلاثة أنواع:

الأول: أن يكون ذلك من خلال القول، ويشير إليه قوله تعالى:- (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)[6].

الثاني: أن تكون المواجهة بالفعل، وله يشير سبحانه:- (ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول)[7].

الثالث: أن يشتمل على الأمرين معاً، أعني بالقول والفعل، قال سبحانه:- (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه)[8].

 

ومع اختلاف أساليب المواجهة وسبل استخدامها، إلا أنها تشترك مع بعضها البعض في أساليب الاستعمال مع وجود خصوصيات لكل واحد من هذه الأساليب أيضاً، فمن اشتراكها في الاستعمال وعمد الخصوم إلى الاستفادة منها من زوايا متعددة وبصيغ متجددة ومختلفة.

 

فيستخدم التوهين تارة للنيل من شخصية الرسول،  يقول تعالى:- (وإنا لنراك فينا ضعيفاً)[9]،ويستخدم أخرى للنيل من شخصيات أصحابه وأنصاره، يقول سبحانه:- (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون)[10] ، ومثل ذلك بقية الأساليب الأخرى كالافتراء مثلاً، فمرة يتهم(ص) أنه يختلق، وأخرى أنه يتقول، وثالثة أنه يكذب، ورابعة أنه يشك في صدقه، وهكذا.

 

موجبات تغير الأسلوب:

ولا ريب أن تغير الأسلوب وتجديد الصيغة تعطي للموضوع حيوية جديدة، وتمنع الإصابة بالملل الناتج عن كثرة استعمال أسلوب ومنهج واحد.

وقد كانت هذه الأساليب تعرض تارة بشكل جمعي، وأخرى بشكل فردي، فمن الأول اتهام قريش رسول الله(ص) بالسحر، ومن الثاني منعه(ص) من الصلاة، قال تعالى:- (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى)[11].

 

وكيف ما كان، فإنه يجمع الأساليب الأربعة المتقدمة وتفصيلاتها عنصران:

الأول: التكذيب.

الثاني: القتل.

 

وقد أشير إليهما في قوله تعالى:- (ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون)[12].

وقد أتخذ التكذيب ألواناً وأشكالاً متعددة بحيث يمكن للقارئ أن يقف على أكثر من مائة وعشرين لوناً وشكلاً ذكرها القرآن الكريم في آياته المباركة، نشير لبعضها:

منها: الاتهام بالكذب.

ومنها: الاتهام بالجنون.

ومنها: الاتهام بأنه أذن.

ومنها: الاتهام بالافتراء.

ومنها: الاتهام أنه يتعلم من بشر.

ومنها: الاتهام بالشعر.

ومنها: الاتهام بالكهانة.

ومنها: السخرية والاستهزاء.

 

أساليب مواجهة النبي محمد(ص):

وقد استخدم القرشيون ذات الأساليب السابقة مع النبي(ص)، والتي يجمعها التكذيب والقتل، فقد حاولوا قتله كما يجد  ذلك المراجع لكتب السيرة والتأريخ، وأما التكذيب فهو جلي واضح، وقد أتخذ ذلك صوراً وألواناً متعددة، وسوف نركز الحديث على واحد من تلك الأشكال التي مورس التكذيب بها ضد رسول الله(ص)، وهو السخرية والاستهزاء.

 

السخرية والاستهزاء:

إن المستفاد من ملاحظة كلمات اللغويـين أن المفردتين السخرية والاستهزاء بمعنى واحد، وهو: ذكر ما يستحقر ويستهان به الانسان بقول أو فعل أو إشارة تقليداً بحيث يضحك منه بالطبع.

وقد كان يمارس هذا الأسلوب بأشكال وصور مختلفة:

أحدها: السخرية.

ثانيها: الاستهزاء.

ثالثها: الضحك.

رابعها: الهزل.

خامسها: الإهانة والتحقير والتصغير والتوهين والاستخفاف.

سادسها: التغامز والتفكه.

 

الأغراض من السخرية:

ومن الطبيعي أن يكون للخصوم أغراض يسعون للوصول إليها من خلال ممارسة تلك الأشكال والصور من السخرية والاستهزاء، نشير لبعضها:

الأول: إلحاق الذل والإهانة والتحقير والأذى والقهر بالمستهزئ به، ويكون ذلك بتصويره بصورة غير لائقة به، ولا منسجمة معه شكلاً ومضموناً.

الثاني: تكذيب المستهزئ به، فإن أحد الآثار المترتبة على السخرية والاستهزاء بشخص ظهور عدم صدقه في ما يقوله، وإلا لم يكن كلامه موجباً للسخرية والاستهزاء به.

الثالث: وضع المستهزئ به في موضع لا يليق به بجعله سفيهاً أو كالسفيه، وأنه لا ينبغي الاعتناء بأمره.

 

وقد عرض القرآن الكريم صوراً من الاستهزاء برسول الله(ص):

منها: طلبهم منه أن تكون آيات الوحي مكتوبة في قرطاس ليقرأونها، قال تعالى:- (ولو أنزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين)[13]. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:- (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا يظنون)[14].

 

ومنها: الأسئلة الساخرة التي قدمت له(ص)، قال سبحانه:- (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)[15]، في الرد على قوله سبحانه:- (خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون)[16].

ومنها: إظهار موارد التعجب والسخرية، قال عز من قائل:- (فاستفتهم أهم أشدّ خلقاً أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون)[17].

 

المستهزئون اليوم:

ولا يتصور أحد أن عملية الاستهزاء والسخرية سواء بالرسول محمد(ص)، أو برسالته، أو بأتباعه، ومعتقده وربه سبحانه وتعالى، قد انتهت بانتصار الإسلام وحلوله ديناً وشريعة في الجزيرة العربية، بل لا زال المستهزئون بهم موجودين لم ينقطعوا عن المواجهة، ولا زال هؤلاء يتخذون الاستهزاء والسخرية أسلوباً لمواجهة الرسول والرسالة والمرسل وأتباع الرسول(ص)، ويمكن ذكر مصاديق عديدة لهم، نكتفي بذكر واحد منهم، وهو العلمانية الفلسفية والتي تبرر للاستهزاء والسخرية والاستخفاف بالآخرين رغبة في تحقيق مطامعها الشخصية وأهدافها الخبيثة، وهذا ما وقف عليه العالم أجمع ويقف عليه بين فينة وأخرى جراء الإساءات الصادرة تجاه المقام المقدس للرسول الأكرم محمد(ص)، ولأتباعه ولرسالته من المجتمعات الغربية المعادية للإسلام، وقد كان آخرها ولا أظنها سوف تكون الأخيرة، ما حصل في فرنسا من خلال الرسوم الكاريكاتيرية والتي حملت صوراً مشوهة جداً لرسول الإنسانية، وعنوان الشفقة والرحمة، والرأفة والكرامة بتصويره مثلاً وعلى رأسه قنبلة، يراد بذلك الإشارة إلى دموية الرسول(ص)، وبشاعة أفعاله، وأن الإسلام دين القتل والدم، وحاشا رسول الله(ص)، وهو رجل السلم والسلام أن يكون كذلك.

 

وما أجمل ما ورد على لسان أمير المؤمنين(ع) واصفاً به رسول الإنسانية محمد(ص)، بقوله: طبيب دوار بمياسمه.

 

كيف ندافع عن رسول الله(ص):

ومع تعدد الهجمات الصادرة من الغرب تجاه الإسلام ونبيه وأتباعه، وعقيدته، لابد وأن يكون للمسلمين دور في الدفاع عنهم، وتوجد طرق وأساليب متعددة يمكن اتخاذها في هذا المجال دفاعاً عن رسول الله(ص)، نشير لبعضها:

أحدها: تقديم رسول الله(ص) للعالم، وهذا يكون من خلال ثلاثة عناصر:

الأول: التعريف برسول الله(ص) في المحافل الدولية:

وذلك من خلال توفير الدراسات والدوريات والنشرات التي تتضمن دراسات موضوعية عن شخصيته المباركة، والحديث عن أهم صفاته وسماته الإنسانية البارزة في المجالات المختلفة من حسن خلقه وتواضعه، وصفحه ورحمته وسلمه وسلامه.

الثاني: تنقية التراث الإسلامي:

مما علق به من الإسرائيليات الموضوعة والتي ترسم صورة مشوهة عن رسول الإنسانية محمد(ص)، لأن وجود مثل هذه النصوص سواء في المصادر الحديثية أم كتب السيرة والتاريخ موجب لسلب عنصر القدسية عن الشخصية المحمدية ومظهر لها بصورة عادية لا تختلف عن بقية الشخصيات.

 

الثالث: تمثيل رسول الله(ص):

بقيمه وأخلاقه وإنسانيته ورحمته وعفوه وسلمه وسلامه فينا من خلال تطبيق ذلك قولاً وعملاً على أرض الواقع في تصرفات المسلمين، حتى يقف المجتمع الغربي على ما قام به النبي محمد(ص) في الإنسانية، وما أحدث فيها من تغيـير.

ثانيها: اللغة المعاصرة في تقديم الإسلام بما يتناسب والحياة العصرية، خصوصاً وأن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وليس مختصاً بعصر دون عصر، أو مكان دون آخر[18].

 

 

[1] سورة الحجر الآية رقم 6.

[2] سورة القلم الآية رقم 15.

[3] سورة البقرة الآية رقم 212.

[4] سورة الصافات الآية رقم 158.

[5] سورة فصلت الآية رقم 22.

[6] سورة التوبة الآية رقم 61.

[7] سورة المجادلة الآية رقم 8.

[8] سورة العنكبوت الآية رقم 24.

[9] سورة هود الآية رقم 91.

[10] سورة الشعراء الآية رقم 111.

[11] سورة العلق الآية رقم 10.

[12] سورة البقرة الآية رقم 87.

[13] سورة الأنبياء الآية رقم 10.

[14] سورة الأنعام الآية رقم 8.

[15] سورة الأنبياء الآية رقم 38.

[16] سورة الأنبياء الآية رقم 37.

[17] سورة الصافات الآية رقم 12.

[18] خط الأنبياء والمواجهة.