31 مارس,2020

التشيع نبوي علوي

اطبع المقالة اطبع المقالة

التشيع نبوي علوي

 

 

يعتقد الشيعة الإمامة أن المؤسس لمذهب التشيع هو النبي الأكرم محمد(ص)، وأنه الذي زرع بذرته الأولى، من خلال النصوص العديدة الصادرة عنه، والتي تؤكد على لزوم متابعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، والسير في خطاه، وأنه مع الحق. إلا أننا غالباً ما نسمع وصف التشيع بأنه تشيع صفوي، وقد كان سابقاً يوصف بكونه تشيعاً فارسياً.

والظاهر من وصف المتحدث كون ذلك عيباً ونقصاً في المذهب تكشف عن عدم حقانيته وشرعيته.

وقد كثر هذا الوصف للتشيع أخيراً خصوصاً بعدما سقط النظام البعثي البائد في عراق أمير المؤمنين(ع)، فصار يظهر على وسائل الإعلام المختلفة بقنواته.

ويتخذ الوصف المذكور منحيـين:

 

الأول: ما يرد على لسان أبناء الجمهور من العامة، عندما يعمدون للحديث عن التشيع فيصفونه بكونه صفوياً، ما يوحي كما قلنا أنه نحو نقص وعيب فيه.

الثاني: ما ورد على لسان بعض الباحثين من أبناء الطائفة المحقة، مثل عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه تاريخ العراق المعاصر، ومن ثمّ الدكتور الإيراني علي شريعتي. بل قد ينسب هذا التوجه لجملة من علماء الطائفة.

ولا يخفى اختلاف المنحيـين من حيث الداعي للتوصيف بذلك والهدف المرجو من خلاله، فبينما يهدف أصحاب المنحى الأول إلى سلب المشروعية تقريباً عن المذهب وبيان عدم حقانيته للتعبد به من خلال الوصف المذكور، يهدف أصحاب المنحى الثاني إلى نقد بعض الممارسات التي يعتبرها دخيلة على المذهب الحق، والصائب وطريق التعبد إلى الله تعالى.

 

من هنا يوجد عندنا دعويان:

الأولى: ما يتردد على ألسنة الجمهور من أبناء العامة من وصف التشيع بالصفوي.

الثانية: ما جاء في كلام بعض الكتاب والمفكرين الشيعة من التعبير بالوصف المذكور، وتقسيمه التشيع إلى قسمين، يتصف كل واحد منهما بصفات تختلف عن الآخر كما سيتضح إن شاء الله تعالى.

ومقتضى الاختلاف الحاصل بين الدعويـين، يستوجب العمد إلى ملاحظة كل واحدة منهما مستقلة عن الأخرى، لما عرفت من أن أصحاب الدعوى الثانية، لا ينكرون مشروعية التعبد بالتشيع، وإنما يلاحظون بعض الجوانب الجزئية، بخلاف أصحاب الدعوى الأولى.

 

نشأة التشيع:

وقع الخلاف بين المؤرخين والباحثين والكتاب في تحديد نشأة التشيع، ومبتدأ وجوده، فذكرت آراء متعددة:

منها: أن التشيع قد تبلور ونشأ بعد وفاة النبي الأكرم محمد(ص)، وقد كان ذلك جراء ما حصل بين المسلمين في سقيفة بني ساعدة، إذ انقسم المسلمون إلى فريقين، فأختار فريق متابعة أبي بكر، وأختار جملة منهم متابعة الإمام أمير المؤمنين(ع)، فعرف المتابعون له منذ ذلك اليوم بشيعة علي بن أبي طالب، وعندها وجد مذهب التشيع. وقد أختار هذا الرأي اليعقوبي في تاريخه، وابن خلدون، والدكتور أحمد أمين المصري، وحسن إبراهيم[1].

ومنها: أن نشأة التشيع كانت في أواخر خلافة عثمان بن عفان، وذلك لما جاء الثوار يطالبون بعزله وإسقاط حكومته، وقد كان الثائرون من أتباع علي بن أبي طالب، والمؤيدين له، فعرفوا من يومها بشيعة علي بن أب طالب(ع). وهو مختار جماعة من المؤرخين والباحثين، منهم ابن حزم[2].

ومنها: لقد كانت نشأة التشيع ووجوده في أيام خلافة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع)، وقد انقسم القائلون بهذا الرأي إلى فريقين:

أحدهما: من جعل وجوده يوم حادثة الجمل: وقد استند القائلون بذلك لعبارة ابن النديم في الفهرست، حيث جاء فيها، قال محمد بن إسحاق: لما خالف طلحة والزبير علياً(ع)، وأبيا إلا الطلب بدم عثمان، وقصدهما علي(ع) ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل اسمه، تسمى من اتبعه أنه لما قصد أمير المؤمنين(ع) طلحة والزبير لقتالهما، تسمّى من اتبعه على ذلك الشيعة، فكان يقول: شيعتي، وسماهم الأصفياء، والأولياء، شرطة الخميس[3].

ثانيهما: من جعل وجوده يوم حادثة صفين: وبالتحديد بعد حادثة التحكيم، لأنه قد حصل انشقاق في أتباع أمير المؤمنين(ع) وانقسموا إلى فريقين، الذين بقوا في صفه(ع)، والخوارج. وقد يظهر هذا الرأي من الطبري، في تاريخه وغيره[4].

ومنها: البناء على أن نشأة التشيع كانت بعد واقعة الطف، وشهادة الإمام الحسين(ع). وقد أختاره كامل مصطفى في كتابه الصلة بين التصوف والتشيع[5].

ومنها: أن التشيع قد وجد منذ أيام النبي الأكرم محمد(ص)، وأن النبي هو أول من غرس بذرته ورعاه ونماها في نفوس المسلمين، وذلك من خلال ما ورد عنه من أحاديث كشفت عما لعلي(ع) من مكانة.

ولما كان هذا هو الرأي الصحيح من بين الآراء المذكورة، لذا سوف نقصر إقامة الدليل عليه، ولعلنا نوفق لبيان أدلة الأقوال البقية، والإجابة عنها في مناسبات أخرى إن شاء الله تعالى. ويدل على هذا القول أمور عديدة، نشير لبعضها:

 

أحدها: النصوص الكثيرة: والتي تضمنت إطلاق مفهوم شيعة علي(ع) ومدحهم والثناء عليهم، وقد كانت مختصة به، وملازمة له، فقد روى السيوطي عن جابر بن عبد الله الأنصاري وعن ابن عباس، أنهما قالا: كنا عند النبي(ص) فأقبل علي(ع)، فقال النبي(ص): والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) فكان أصحاب النبي(ص) إذا أقبل علي، قالوا: جاء خير البرية[6].

وروى ابن الأثير، قال النبي(ص) مخاطباً علياً(ع): يا علي إنك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيـين، ويقدم عليه عدوك غضاناً مقمحين[7].

ثانيها: تسمية بعض الصحابة بشيعته: فقد ذكرت المصادر التاريخية مجموعة من الصحابة بأنهم كانوا يعرفون في عصر الرسالة بشيعة علي(ع)، كسلمان، وأبي ذر، والمقدار، وعمار، وحذفة بن اليمان، وأبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله الأنصاري(رض)[8].

ثالثها: النصوص التي دلت على إمامته: وخلافته للنبي محمد(ص)، وهي نصوص عديدة ابتدأ ذكرها مع بداية الدعوة النبوية، وصدع النبي(ص) بدعوة الإسلام، في يوم حادثة الدار، فكان حديث الدار، وحديث الغدير، وحديث المنـزلة، وحديث علي مع الحق، وحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها، وغيرها، وهذه النصوص تشكل عنصر أساس لبنية التشيع، وإيجاد هويته، وتكونه ونشأته، لأن من الطبيعي أنه مع سماع المسلمين لهذه النصوص، سوف يكونوا مع علي(ع)، ويتابعونه.

وقد تحصل، أن التشيع نبوي الهوية، علوي النسبة، وأن وجوده كان منذ عصر الرسالة، بل قد رافقها في الوجود منذ البداية، لأن وجوده ابتدأ فعلاً يوم حديث الدار في مكة المكرمة، عندما نصب أمير المؤمنين(ع) بأمر من الله تعالى وصياً وخليفة للنبي(ص).

 

التشيع الصفوي وجوده المقصود منه:

ومع الإحاطة بقدم التشيع، وأن وجوده قد تزامن مع وجود الرسالة المحمدية، ليكون شريكاً لدعوة النبي(ص)، وعدم انفكاكه عن الإسلام منذ البداية، فلا إثنينية بينهما، بل هما شيء واحد، إذ كما كان(ص) يدعو للتوحيد، وعبادة الله تعالى، ونبوته(ص)، كان يدعو للإيمان بإمامة علي(ع) وخلافته، فمن أين جاءت إذن أطروحة التشيع الصفوي، وما هو المقصود منها؟!

يتفق المنحيان السابقان في توصيف التشيع بهذا الوصف في أن منشأ التسمية المذكورة يعود لوجود الدولة الصفوية، وهي الدولة التي أسسها الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي في سنة 905 هـ، واستمرت في الحكم لسنة 1146 هـ، وكان آخر حكامها هو الشاه عباس الثالث، وقد بسطت نفوذها على كل من إيران والعراق، وكانت عدواً لذوذاً للدولة العثمانية في ذلك الوقت. وقد كان حكامها من السادة الموسويـين الذين ينتهي نسبهم إلى الإمام موسى الكاظم(ع)، وقد كان المذهب الذي يتعبد به حكام هذه الدولة، هو مذهب أهل البيت(ع)، المعروف بمذهب التشيع.

 

ميز الدولة الصفوية:

وقد نص على أن للدولة الصوفية ميزاً امتازت بها:

أحدها: كثرة الاهتمام بنشر التشيع، وقد كان ذلك من خلال مجموعة من الأعمال التي قام بها حكامها على طول فترة الدولة، مثل: نشر الكتب التي تعرف العامة بالمذهب الحق، وطريق إثباته، بإقامة الأدلة والبراهين على ذلك. والاهتمام بالحوزات العلمية، وبعث المبلغين في أرجاء المعمورة يعرفون الناس بمذهب أهل البيت(ع).

ثانيها: قيامها بتعمير المشاهد المقدسة والمراقد الطاهرة للأئمة المعصومين(ع)، فعمر مشهد أمير المؤمنين(ع) في النجف الأشرف، وعمر مرقد الإمامين الكاظميـين، وكذا تم تعمير مرقد الإمام الضامن الرضا(ع).

ثالثها: التبجيل وزيادة الاحترام والتقدير لعلماء الدين، بإعطائهم مكانة خاصة ومرموقة، وإشراكهم في الحكم، وقد ظهر خلال هذه الدولة مجموعة من أقطاب علماء الطائفة، كالشيخ المجلسي غواص بحار الأنوار(ره)، والشيخ البهائي(ره)، والسيد المحقق الداماد(قده)، والشيخ الكركي(ره)، وغيرهم.

 

وبالجملة، إن منشأ التسمية المذكورة تعود إلى نسبة التشيع إلى الدولة الصفوية، ولهذا قيل: التشيع الصفوي.

نعم قد عرفت وجود الاختلاف بين أصحاب الدعويـين، ذلك أن أصحاب الدعوى الأولى، يقصدون من ذلك أن مذهب التشيع شيء مستحدث، وهو لم يكن له وجود مسبق على خارطة الدولة الإسلامية، وأنه فارسي الهوية وليس عربياً، ولهذا قد يعبر بعض هؤلاء عن التشيع مضافاً لكونه صفوياً بأنه فارسي.

ولا يختلف أصحاب الدعوى الثانية في الجملة مع أصحاب الدعوى الأولى، في وجود التشيع الصفوي، لكنهم يقررون أن هذا التشيع مزيف، وليس تشيعاً حقيقياً، لكونه بعيد كل البعد عن التشيع العلوي الذي كان في عصر النبي(ص).

 

وبالجملة، إن أصحاب الدعوى الثانية، يقررون وجود نوعين من التشيع:

الأول: التشيع العلوي: وهو الذي يبدأ وجوده من عصر النبي الكريم محمد(ص)، ويستمر حتى قيام الدولة الصفوية، ويمتار بمقومات ثلاث:

1-دعوته للتوحيد الخالص لله تعالى دون إشراك أحد معه.

2-تبنيه لأطروحة الوحدة مع الآخر المخالف.

3-تحكيم العقل، وتفعيل دوره.

الثاني: التشيع الصفوي: ويبدأ وجود هذا النوع من التشيع بقيام الدولة الصفوية وبسطها لنفوذها، وهو تشيع مزيف، وليس حقيقياً، ومقوماته هي:

1-اشتماله على الإشراك بالله سبحانه وتعالى من خلال جعل الوسائط إليه سبحانه، من الشفعاء وما شابه.

2-عدم إيمانه بأطروحة الوحدة مع الطرف المخالف، لأنه يرى أنه من أهل النار.

3-سيطرة الخرافات على أفراده، وتغلغلها في وجوده، بحيث أدت إلى إلغاء عنصر العقل لديهم.

ووفقاً لما تقدم، يتضح أن أصحاب الدعوى الثانية لا يلتـزمون بكون التشيع صفوي الهوية على نحو الإطلاق، وإنما يقررون أن هناك نوعاً خاصاً من ممارساته تعتبر صفوية الهوية.

ولا يعني نسبتهم ذلك للصفوية، كون التشيع فارسياً، وإنما يقررون ذلك لكون منشأ هذه الممارسات قد ابتدأ وجودها في الدولة الصفوية، كما سيتضح، وعليه قد يكون المنتمون لهذا النوع من التشيع بنظرهم ليسوا من الفرس أصلاً، بل عرب قحاح.

 

الفرق بين النوعين:

ويمكننا عرض الفرق بين نوعي التشيع وفق ما يستفاد من كلمات الدكتور شريعتي[9]، في ثلاثة أمور:

الأول: في المنهج.

الثاني: في الهوية.

الثالث: في القيادة الدينية.

 

أما في المنهج، فإن التشيع العلوي يتسم بسمة الثورية والنهضة والحركة، وهذا يجعله يرفض القبول بالأنظمة الحاكمة وبالحكومات القائمة، ولا يهادنها. وهذا بخلافه في التشيع الصفوي، فإنه يتسم بسمة القبول والرضا بما يقوم من الحكومات، وينطوي تحت الأنظمة الموجودة ليكون عنصراً من عناصرها، ويخضع لها، ويخنع أمامها.

وواضح جداً مدى الفرق بين النوعين في المنهج، فبينما يكون التشيع العلوي متخذاً لمنهج الثورية والحركة والانقلاب، نجد أن منهج التشيع العلوي هو المسالمة والمهادنة والاستسلام.

من هنا يمكن القول، بأن التشيع العلوي هو التشيع الثوري الحركي، وأما التشيع الصفوي، فهو التشيع المسالم والمهادن.

 

وأما من حيث الهوية، فإن هوية التشيع العلوي تقوم على مدّ الجسور مع الآخر وتوطيد العلاقات معه من خلال ملاحظة نقاط الالتقاء والتقارب، لهذا يعمد إلى تطبيق مبدأ الوحدة والتقارب معه. أما التشيع الصفوي، فهويته قائمة على رفض وضع يده في يد الآخر، ويرفض إيجاد أي نقطة التقاء معه، فضلاً عن أن يتحد وإياه.

فهوية التشيع العلوي وحدوية، بخلافة هوية التشيع الصفوي، فإنها تعددية.

وأما بالنسبة للقيادة الدينية، فهما وإن أتفقا في أن القيادة الدينية تكون بيد العلماء، إلا أن رؤية التشيع العلوي لهم تختلف تماماً عن رؤية التشيع الصفوي، إذ أن القيادة الدينية في التشيع العلوي تكون للعلماء الربانيـين النهضويـين الثوريـين. وهؤلاء وإن كان لهم من الاحترام والتقدير الكثير، ويرجع إليهم غير المتخصص ليقلدهم في تعاليمه الشرعية، إلا أنهم أشخاص يخطئون ويمكن انتقادهم والملاحظة عليهم.

وهذا بخلافه تماماً في التشيع الصفوي، فإن القيادة الدينية تكون للعلماء المهادنين للسلطة دون الثوريـين منهم، ويعطى هؤلاء من القداسة الشيء الكثير، بحيث لا تجوز مسائلتهم في أعمالهم وأفعالهم، ولا يحق لأحد نقدهم، ولا الملاحظة عليهم، وإنما يلزم الجميع متابعتهم.

ولهذا التقليد في التشيع الصفوي، ليس رجوع غير المتخصص للمتخصص، بل هو التبعية العمياء والتقليد التام للعلماء.

 

معالم التشيع الصفوي:

ثم إن مقتضى كون هوية التشيع الصفوي هوية تعددية، تستدعي أن يكون له معالم أخرى تختلف عن معالم التشيع العلوي، وهذا ما ذكره الدكتور شريعتي[10]، فعدد جملة من المعالم التي يتميز بها التشيع الصفوي، وهي غير موجودة في التشيع العلوي:

منها: وجود الشعائر الحسينية من قبيل: البكاء، واللطم، والضرب بالزنجيل، وخروج المواكب العزائية، وما شابه ذلك.

وقد كانت الغاية من هذه الأمور تعطيل عنصر العقل عند الأمة، وتخديرها.

ومن أجل تفعيل هذا المعلم، استحدثت الدولة منصباً جديداً أسمته منصب وزير الشعائر، وقد كانت وظيفة الوزير المذكور، البحث عن كل ما هو جديد مما يمكن أضافته لهذه المممارسات، وقد قام الوزير المذكور بزيارة لأوربا الشرقية، واطلع هناك على ما يقوم به النصارى من مارسات في عملية أحياء ذكرى شهدائهم، وجاء بتلك الممارسات وطبقها في الوسط الشيعي[11].

 

ومنها: تبني أطروحة السب واللعن لكل من خالف ما يعتقد ويؤمن به، فظهر سب أعداء أميرا لمؤمنين(ع)، ولعن قتلة الإمام الحسين(ع).

ومنها: جعل التقية من الظالمين منهجاً وقانوناً حياتياً متبعاً، وإن كان الضرر المترتب على ذلك ضعيف لا يعتني بمثله العقلاء.

ومنها: قدسية الإمامة وملكيتها، على أساس أن الأئمة صوراً لآلهة مصغرة، تعلم الغيب، ولهم ولاية تكوينية، وعندهم ملكة العصمة فلا يصدر منهم الخطأ، وهم أفضل من الملائكة وجميع الأنبياء السابقين على النبي محمد(ص).

وهناك معالم أخرى يجدها القارئ العزيز عند الرجوع لكتاب الكاتب المذكور، نعرض عن ذكرها حذراً من الإطالة.

 

وقفات وملاحظات:

وليس خافياً على القارئ العزيز بطلان الدعوى الأولى، فإن ملاحظة وقت نشأة التشيع، وأنه قد تكوّن بيد النبي(ص)، وهو الراعي لبذرته الأولى، والساقي لشجرته المباركة، يكذب دعوى فارسية التشيع وصفويته، ويثبت حقانيته وشرعيته، بل قد عرفت أنه لا ينفك عن الدين الإسلامي، وأن بينهما تمام الاتحاد.

 

وأما التنويع الذي ورد في كلمات بعض الباحثين، بوجود تشيعين، علوي وصفوي، فيجاب عن هذه الدعوى بجوابين:

الأول: وهو الجواب العام، ومفاده: إن الدعوى المذكورة والتي تضمنت تنويع التشيع إلى علوي وصفوي، تفتقر إلى الدليل والبرهان عليها، فإن القارئ لكتاب الدكتور شريعتي، وغيره، لا يجد القائلين بالتنويع المذكور يستندون في دعواهم إلى دليل، بل إنه يقف على أن أذهان هؤلاء قد تشبعت بشبهة تحولت عندهم مع الأيام إلى حقيقة، وقد جاءوا يريدون إثباتها، فهم بصدد إقامة الدليل على الحقيقة الموهومة عندهم، وليسوا باحثين عن الحقيقة، ولا يخفى مدى الفرق بين أن يكون الإنسان بصدد إثبات حقيقة، وبين أن يكون باحثاً عنها. فما هو الدليل على أن قانون الإمامة كان بالكيفية التي جعلها من معالم التشيع العلوي، وتحولت بعد ذلك بالصورة الثانية وأصبحت أحد معالم التشيع الصفوي. وكذا لم يذكر الدكتور الدليل على عدم وجود القول بالولاية التكوينية قبل تأسيس الدولة الصفوية، وأنه من معالم هذا التشيع.

ومن أي الأدلة قد استفاد الدكتور عدم القول بوجود العلم بالغيب أو العصمة للأئمة الأطهار(ع) قبل تأسيس الدولة الصفوية، ليكون ذلك معلماً من معالم التشيع العلوي، وخلافه يمثل معلماً من معالم التشيع الصفوي.

وبالجملة، ليس للتنويع المذكور دليل يسنده، ويدل عليه، وهذا يجعله مجرد دعوى عهدتها على مدعيها.

ويساعد على ذلك فقدان القائلين بهذا القول للمنهج ما جعلهم يتخبطون عندما يصطدمون ببعض الحقائق المخالفة لما يتبنون، كما حصل ذلك عندما تحدث الدكتور المذكور عما يلتـزم بثبوته للإمام المعصوم(ع)، وأنه من معالم التشيع الصفوي، وهذا يستوجب أن يكون وجوده مساوقاً لوجود الدولة الصفوية، لكنه اصطدم بوجود هذه الأمور في الكتب الحديثية التي كتبها مؤلفؤها قبل أن يخلق حكام الدولة الصفوية بمئات السنين.

 

وأما الجواب الخاص، فإنه ينطوي على عدة وقفات، بسبب بطلان ما ذكره بالنظر للمفردات المذكورة، بمعنى أن الدليل على خلافها:

منها: مسألة الإمامة: فإن الرجوع للمصادر الحديثية يفيد خلاف ما ذكر، إذ اشتملت النصوص الصادرة عن المعصومين(ع) تعداداً للصفات المطلوبة في الإمام من علم الغيب، والعصمة، وغير ذلك. كما أن القرآن الكريم قد نص على صفة العصمة المعتبرة فيه، مضافاً إلى أن العقل يحكم بلزوم توفر الصفات المذكورة فيه.

وجميع ما ذكر سابق في وجوده على وقت وجود الدولة الصفوية، فكيف ينسب إليه.

ومثل ذلك دعواه أن الإمام عملية وراثية تنتقل من شخص لأولاده، فإن هذا خلاف الأدلة الثابتة والدالة على أنها لا تختلف عن النبوة من هذه الناحية، بكونها عملية اصطفائية وانتخاب واجتباء إلهي، من الله سبحانه وتعالى، وليس لأحد يد في تحديد أو تعين من هو الإمام. وهذه مصادرنا وكتب علماءنا، ليدلنا القائلون بهذه المقالة على مصدر واحد تضمن قول مؤلفه أن الإمامة بهذا النحو، وهذا يؤكد ما ذكرناه في الجواب السابق، من أن كلام القائل المذكور لا يخرج عن الدعاوى غير المبرهنة والتي تفتقد إلى الدليل عليها.

ومجرد دعوى أن جذور هذا التوجه موجود منذ القدم، غير مسموعة.

وأضعف من ذلك التميــيز بين التشيعين في تصويره من خلال المنهج، بكون التشيع العلوي تشيعاً ثورياً نهضوياً، دون التشيع الصفوي، فإن هذا التميـيز ليس دقيقاً، إذ أن القارئ لسيرة المعصومين(ع) لا يجد هذه السمة في حياتهم(ع) بصورة دائمة، وإنما يكون لكل واحد منهم منهج متبع وفق مقتضيات وظروف يعيشها. فهذا الأمام أمير المؤمنين(ع) لم يتخذ أسلوب الثورة والنهضة، ومثله كان دور الإمام الحسن الزكي(ع)، لكن لما اقتضت المصلحة وتوفرت الدواعي والظروف، أتخذ الإمام الحسين(ع) منهجاً ثورياً وبعداً عسكرياً. وكذا كانت للإمامين الصادقين(ع) ثورة نهضوية، إلا أنها لم تكن ثورة عسكرية، بل كانت ثورة فكرية، وعندما نتأمل في سيرة الإمام الرضا(ع)، أيضاً نجد ثورة معرفية واسعة الانتشار فلم تقتصر على أبناء الإسلام، بل تعدتها لأصحاب الديانات السماوية الأخرى، بل والملحدين أيضاً، وهكذا.

وهذا يعني أن التشيع العلوي أيضاً لم يكن متسماً بسمة الثورية والنهضوية العسكرية التي أدعاها الكاتب المذكور.

ومنها: مسألة الولاية التكوينية: فإنها موجودة أيضاً في كلمات علماء الطائفة المحقة منذ القدم، وليس أبان وجود الدولة الصفوية لكي ينسب القول بها إلى ما توهم القائل المذكور، ويساعد على ذلك القرآن الكريم من جهة، والنصوص الروائية من جهة أخرى.

ومثل ذلك يجري أيضاً بالنسبة لمسألة أفضليتهم(ع) على الأنبياء والمرسلين غير النبي محمد(ص).

ومنها: مسألة الشعائر الحسينية: فإن الرجوع للمصادر التاريخية، كتاريخ الطبري وابن كثير وغيرهما، نجدها تنص على أنه كان من المعروف ومند القرن الرابع الهجري تقريباً خروج المواكب العزائية والتي تحوي لطم الصدر، والبكاء والنحيب على الإمام الحسين(ع) مضافاً إلى أن هذه الشعائر أغلبها مستمد من أهل بيت العصمة والطهارة، ونعني بها الشعائر المنصوصة.

ومنها: مسألة القيادة الدينية، وتقليد العلماء: فقد خلط الكاتب المذكور بين منصبين من مناصب الفقيه، إذ المعروف عندنا أن للفقيه مناصب ثلاثة: منصب الإفتاء، ومنصب القضاء، ومنصب الولاية.

ونقصد بمنصب الولاية، ما يعرف بمنصب ولاية الفقيه، وهناك خلاف بين الأعلام في حدود دائرة الولاية سعة وضيقاً، يطلب من محله.

إلا أن ما يهمنا هو ما حصل عند المذكور من خلط، فقد خلط بين منصب الإفتاء، ومنصب الولاية، لأنه لا يختلف من وسهم بالتشيع الصفوي في أن التقليد يعني رجوع غير المتخصص للمتخصص، وليس عندهم التقليد شيئاً آخر.

وأما ما أشير له من قدسية وعدم الملاحظة في كلامه، فهو إشارة لمنصب الولاية الثابت للفقيه، وهو منصب مجعول من قبل المعصومين، كما يستفاد من التوقيع الشريف الصادر من الناحية المقدسة(روحي لتراب حافر جواده الفداء): وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله. وهذا يدل على أن المنصوب المذكر مجعول للفقهاء منذ عصر الأئمة الأطهار وليس وليد الدولة الصفوية كما توهم، مضافاً إلى أنه لا يوجد عندنا ما يمنع من الملاحظة والنقد البناء في مورد استحقاق النقد، إلا أن ما يؤكد عليه أنه لابد لمن يود النقد أن يكون من أهله، بحيث يكون مختصاً ومحيطاً كي ما يكون نقده في محله، لا أنه يكون الباب مفتوحاً وشرعة لكل أحد.

وقد تحصل مما تقدم، أنه لا يوجد عندنا تشيعان، بل الموجود هو تشيع واحد، وهو التشيع النبوي العلوي، وجميع ما يوسم به التشيع إنما هي تخرصات وتهم، يعمد لإلصاقها به من دون أن يكون لها دليل من قريب أو بعيد.

 

 

 

[1] تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 104، تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 364، ضحى الإسلام ج 3 ص 209، تاريخ الإسلام ج  1 ص 371.

[2] عوامل وأهداف نشأة علم الكلام ج 1 ص 105.

[3] الفهرست ص 249.

[4] تاريخ الطبري ج 4 ص 46.

[5] حكاه الشهيد الصدر(ره) في كتابه نشأة التشيع ص 42.

[6] الدر المنصور ج 8 ص 538.

[7] النهاية لابن الأثير ج 4 ص 106.

[8] لاحظ التاريخ الكبير، الأخبار الطوال، أُسد الغابة، سير أعلاما لنبلاء، الإصابة، فقد تضمنت تعداداً لأسماء الصحابة المعروفين في عصر النبي(ص) بشيعة أمير المؤمنين(ع).

[9] التشيع العلوي والتشيع الصفوي.

[10] يجدها القارئ العزيز متناثرة في كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي.

[11] التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص