25 فبراير,2020

الإعجاز القرآني(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

 

الإعجاز القرآني(2)

 

ثالثها: الإعجاز في عدم القدرة على التغلب عليه:

فإنه لم يتمكن أحد ممن تحداهم القرآن الكريم من رده، أو التغلب عليه، فلم يستطع أحد إبطال آثاره في القلوب والنفوس، كما لم يتمكن أحد أن يمنع تأثيره في الأشياء، على الرغم من وجود الدوافع لذلك، ومحاولات البعض أن يحقق ذلك إلا أنها محاولات لم يكتب لها النجاح، وهذا خلاف ما هو المعروف من طريقة السحرة المرتاضين، فإن بعضهم يقلب عمل الآخر.

وبالجملة، جعل بعضهم معنى الإعجاز القرآني، حالة العجز التي أصابت الجميع أمام القرآن الكريم، بحيث لم يتمكن أحد أن يفعل شيئاً حياله.

 

رابعها: قدرته في إبطال أعمال الآخرين:

فإن المعارضين للقرآن الكريم كان يملكون أموراً يعتبرونها شيئاً يمتازون به على غيرهم، كالمعلقات السبع مثلاً، والتي كانت تفخر قريش بها على بقية القبائل، وأنها لا تملك ما تملكه قريش من فصاحة وبلاغة، وقد تمكن القرآن الكريم من إبطال أثر هذه المعلقات حتى لم تعد شيئاً عند القرشيـين أنفسهم.

ولم ينحصر الأمر في خصوص ذلك، بل قد أبطل أعمال السحرة والشياطين أيضاً، وتدابير القادة السياسين المعادين له.

 

والحاصل، إن الإعجاز القرآني لا يخرج عن واحد من هذه المحتملات الأربعة، فهو إما أن يكون تأسيساً لأمر يعجز عن رده، أو المنع من تأثيره.

وقد خص علماء الكلام الأول من هذه المحتملات بالعناية، وأسهبوا فيه كثيراً دون البقية، مع أن الرجوع للآيات القرآنية يفيد عدم الفرق بين المحتملات الأربعة، وأنها كلها مقصودة ومشمولة، فيكون إعجازه بها جميعاً وليس بواحد منها فقط. يقول سبحانه وتعالى:- (قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)[1]،فلم يقتصر التحدي الإلهي لمعارضة القرآن الكريم على المحسوسات بالحواس الخمس، بل تعدى ذلك ليشمل ما لا يدرك ولا يحس بشيء منها كالجن.

ولم ينحصر التحدي في جانب واحد، بل إن لفظة المثل الواردة في الآية القرآنية شاملة لكل ما تضمنه القرآن، ليكون الأمر شاملاً للمحتملات الأربعة المتصورة في إعجازه.

 

ويبتني التحدي القرآني للطائفتين، الأنس والجن على ركنين:

 

الأول: مطالبة المنكرين لنبوة النبي الأكرم(ص) بالإتيان بمثل القرآن الكريم.

الثاني: إقرارهم بالعجز والقصور عن تحقيق ذلك بعدما تعذر عليهم القيام بذلك.

فيكون ذلك سبباً لإثبات صدق النبي(ص) في دعواه، وحقانية ما جاء به من السماء، وأنه نبي مرسل من قبل الله تعالى.

 

والحاصل، إن الإعجاز القرآني ليس منحصراً في خصوص البعد البياني، أعني الفصاحة والبلاغة، بل يشمل كل ما يعتبر من خصوصيات القرآن الكريم، كالعلوم والمعارف والآثار المعنوية ونحوها، كما عليه كثير من الأعلام، وخلافاً لما عليه الأكثر منهم، لأن ذلك هو مقتضى حقيقة القرآن النورية في عالم الملكوت، وحجيته على العالم أجمع في جميع الأزمنة، لعدم اختصاص حجيته بالعرب فقط، أو بالعلماء، أو العباقرة، ولا خصوص البلاغيـين.

 

ذاتية الإعجاز القرآني وعرضيته:

وقع الخلاف بين المتكلمين والمفسرين، وأهل النظر في علوم القرآن الكريم، في حقيقة الإعجاز القرآني، وحدوده، فذكرت أقوال في المقام:

الأول: ما ذهب إليه المشهور، من أن أعجاز القرآن الكريم منحصر في ذات القرآن الكريم، وهذا يعني أن الباري سبحانه وتعالى قد أنزل القرآن منذ أنزله من السماء وهو معجز، فلا يقدر أحد من البشر على الاتيان بمثله.

وقد استند القائلون بهذا إلى ظواهر الآيات الشريفة، والنصوص المباركة.

 

ولا يذهب عليك، أنه يلزم من البناء على هذا القول، أن يكون الإعجاز وصفاً لازماً للقرآن، وليس أمراً عارضاً عليه. نعم هل أن اللزوم المذكور لزوم ذاتي، أو أنه لزوم وجودي؟ احتمالان، بل قولان.

الثاني: ما أختاره جماعة من البناء على أن إعجازه ليس ذاتياً، وإنما إعجازه في صدوره عن مثل النبي محمد(ص)، الذي لم يتعلم عند أحد، واللازم مما ذكر أن يكون الإعجاز في النسبة، وليس الإعجاز في ذات القرآن، وعجز العرب عن الاتيان بمثله، وهذا يجعل الإعجاز أمراً عارضاً على القرآن الكريم، وليس أمراَ ذاتياً له.

الثالث: إن الإعجاز ناشئ من السبب القاهر الصادر من الله سبحانه وتعالى على العرب، ذلك أن الله عز وجل منع العرب القادرين على الاتيان بمثل القرآن عن ذلك، من خلال صرفه سبحانه وتعالى لأنظارهم عن ذلك، أو بسلبه للقدرة منهم، أو بسلب العلم عنهم، أو غير ذلك. ويصطلح على هذا المسلك بمسلك الصرفة. ووفقاً لهذا لن يكون الإعجاز القرآني ذاتياً ناشئاً من ذات القرآن، بل سوف يكون راجعاً إلى السبب المانع، فيكون الإعجاز عرضياً.

 

وقد وجه القائلون بهذا القول مختارهم بأمور:

أحدها: إن الله سبحانه وتعالى قد سلب الدواعي النفسية لمناوئي القرآن الكريم على أن يأتوا بمثله، مع قدرتهم على ذلك لو أرادوا.

ثانيها: لقد قام الباري سبحانه بسلب ما عند هؤلاء من قدرة وعلوم تمكنهم من معارضة القران الكريم.

ثالثها: لقد ألجأهم الباري سبحانه بالقهر والإجبار على عدم الاتيان بمثل القرآن، مع توفر الدواعي عندهم لذلك، وامتلاكهم للعلوم، والأدوات.

وقد اعتمدوا فيما قالوه من وجود القدرة والقابلية على المعارضة، وإحاطتهم بالعلوم والمعارف التي تمكنهم من ذلك لولا تدخل القدرة الإلهية على شاهدين:

 

الأول: شهادة الوجدان، لأن العرب كان قادرين على التكلم بنفس المفردات التي جاء بها القرآن الكريم، وتضمنتها السور القرآنية، مثل: الحمد لله، رب العالمين، وما شابه ذلك، وهذا يكشف عن وجود القدرة عندهم على سبك الألفاظ وصياغتها بمثل ما جاء به القرآن.

الثاني: شهادة التأريخ، فإن المنقول توقف بعض الصحابة في بعض سوره، فلو كان القرآن معجزاً في نفسه لم يصدر التوقف منهم.

وليس المقام مورد مناقشة لما قدم من استدلال، وجعل شاهداً على المدعى، فإن ذلك يخرج هذا المختصر عما أعدّ له، فليطلب ذلك من مجال آخر.

وبعد توفر المقتضي للبناء على كون الإعجاز ذاتياً، وعدم وجود المانع، يتعين البناء على صحة القول الأول منها دون القولين الآخرين. على أنه يكفي لرد ثالث الأقوال عدم توفر المقتضي، ووجود المانع من القبول به.

 

[1] سورة الإسراء الآية رقم 88.