21 مايو,2019

عقيلة الطالبيـين اسمها، عصمتها، ولايتها، رضاها

اطبع المقالة اطبع المقالة
عقيلة الطالبيـين
اسمها، عصمتها، ولايتها، رضاها

 

عادة ما يغفل عن الانشغال بالنقاط الهامة البارزة في سيرة العظماء، ويشتغل بقضايا جزئية وإن كانت لها أهمية لكنها لا ترقى لغيرها، فمثلاً يسأل كثيراً عن مكان وجود السيدة زينب(ع) حين حصول حادثة الكساء، ونزول آية التطهير، وهي قوله تعالى:- (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)[1]، وهل كانت موجودة في الدار أم لا، وما هو السبب المانع من وجودها معهم تحت الكساء؟ وكذا يجري ذلك في شأن آية المباهلة أيضاً، وهي قوله تعالى:- (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين)[2] .

كما يسأل عن عدم شمولها(ع) في ما صدر عن النبي الأكرم(ص)، من قوله: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع. فلماذا لم تجعل الحوراء(ع) واحة منهن، وهي مَن هي في الفضل، وغير ذلك.

وتختلف الإجابات دفعاً لهذه التساؤلات والإشكالات، ويصرف الجهد في ذلك، ولا ريب في حسن الاطلاع على هذه الأمور والإحاطة بها، إلا أن هناك ما هو أولى أن يشتغل به حال دراسة سيرة العظماء، خصوصاً وأن لهذه الموارد موضوعاتها الخاصة التي تمنع من الشمول للسيدة زينب(ع)، منذ البداية.

وعلى أي حال، في يوم ولادتها الشريف، نسلط الضوء على جوانب من سيرتها العطرة، خصوصاً وقد خلت المصادر التاريخية عن ذلك، ولعل منشأه حالة الكتمان والستر المطبق الذي تحوط البيت الهاشمي داخلياً بحيث لا يتسنى لكل أحد الوصول إليه، والإحاطة بما فيه، ولا يعني هذا تبرأة التاريخ من ظلامته لهم(ع).

 

دلالات النصوص والعمل على وفقها:

ويحسن قبل الحديث عن ذلك التنبيه إلى أن هناك مجموعة من الحقائق التي تثبت للسيدة زينب(ع) قد لا تكون موجودة صراحة في النصوص، فضلاً عن أن يكون التاريخ قد نقلها، نعم تستفاد تلك الحقائق من ملاحظة بعض الأخبار واستنطاقها للوصول إليها، وهذا يستدعي توفر شروط في النصوص المستند إليها، ضرورة أنه لو كان المعنى المراد إثباته يرتبط ببعد عقدي، فمن الطبيعي جداً أن يعتبر الخبر الدال عليه مفيداً للعلم، لو كان ذلك البعد العقدي أصلاً من أصول الدين، أو أصلاً من أصول المذهب، أو ضروري للدين أو للمذهب، بل مطلقاً كما نسب إلى بعضهم من أنه يعتبر العلم في كل شأن من شؤون العقائد، من دون فرق بين مسائلها. أما لو لم يكن كذلك، فالظاهر أنه يكتفى بأن يكون الخبر معتبراً ولو كان خبر آحاد.

نعم بناءاً على ما أختاره جماعة من الأعلام، من كفاية الاستناد لأخبار الآحاد في الأمور الاعتقادية غير الضرورية، كتفاصيل البرزخ، وأشراط الساعة، ويوم القيامة، والأرواح، وكيفية الحشر، والملائكة، فإنه يمكن الاستناد لهكذا نصوص[3].

ومقتضى ما ذكر أنه يعتبر في الخبر المستند إليه أن يكون حجة بملاحظة الواقعين في سنده، ولا أقل من توفر جملة من القرائن الحافة به، والموجب للوثوق والاطمئنان بصدوره.

نعم يمكن أن يتغلب على ذلك من خلال الاعتماد في ثبوت بعض المقامات المعرفية، والشؤون العقدية على مرجع التقليد، بناءاً على القول بمشروعية التقليد في العقائد مطلقاً، أو التقليد فيما لا يعدّ من الأصول والضروريات، كما هو مفصل في محله.

والظاهر أن ما يود إثباته للسيدة الحوراء زينب(ع)، لا يعد من الضروريات المذهبية، فضلاً عن أصول الدين، ولا من ضرورياتهما، وعليه، يكفي فيه التقليد بناءاً على القول بجوازه.

 

تسميتها:

المنقول تاريخياً أن تسميتها بذلك كان من جدها رسول الله(ص)، فقد جاء في كتاب ناسخ التواريخ، أنه لما وضعت السيدة الزهراء(ع) ابنتها أخبر النبي(ص) فأتى منزلها وطلب إحضار المولودة، فلما أحضرت أخذها(ص) وضمها إلى صدره الشريف، ووضع خده على خدها وبكى بكاء شديداً عالياً وسالت دموعه على خديه، فقالت فاطمة(ع): مم بكاؤك، لا أبكى الله عينيك يا أبتاه؟ فقال: يا بنتاه يا فاطمة، إن هذه البنت ستبتلى ببلايا وترد عليها مصائب شتى ورزايا أدهى. يا بضعتي وقرة عيني إن من بكى عليها وعلى مصائبها يكون ثوابه كثواب من بكى على أخويها، ثم سماها زينب[4].

وقد جاء في الكتاب نفسه، أن مصدر تسميتها بذلك، من السماء، نزل بها الأمين جبرئيل(ع) من الباري سبحانه وتعالى، وقد ذكر أن النبي محمداً(ص) كان مسافراً وعاد من سفره وسماها بذلك الإسم[5].

وربما قيل، بأن الاختلاف الحاصل بين الخبرين لا يوجب وهنه، ولا ضعفه المانع من الاستناد إليه، لأن الاختلاف الحاصل، إنما هو اختلاف في بعض متعلقات الموضوع الذي اتفقت النصوص على نقله، وهو أن تسميتها بذلك تسمية سماوية، وليست بشرية، سواء كانت من الله تعالى نزل به الأمين جبرئيل(ع)، أم جرى ذلك على لسان رسول الله(ص)، وهو الذي لا ينطبق عن الهوى، بل هو وحي يوحى.

وقد يعترض، فيمنع من القبول بهذا الخبر، وذلك بلحاظ مصدره، فإنه لم ينقل إلا في كتاب ناسخ التواريخ، للميرزا محمد تقي سبهر، المعروف بلسان الملك، من كتّاب البلاط القاجاري، فقد كتب كتاباً حول تأريخ العالم من لدن آدم(ع) إلى عصره، وقد نقل هذا النص الخاص في القسم الخاص بحياة السيدة زينب(ع)، المسمى بالطراز المذهب في أحوال سيدتنا زينب.

ولم يحظ كتابه بالقبول عند الأعلام والمحققين، فقد ذكروا ما تضمنه من اشتباهات كثيرة، وأن معلوماته عارية عن السند، لا يمكن الاعتماد عليها، حتى أن الشهيد المطهري(ره) مع تصريحه بتدين المؤلف، إلا أنه اعتبر الكتاب بعيداً عن الاعتبار[6].

وعلى أي حال، إن الإشارة لوجود تسمية السيدة زينب(ع)، يوجد مجموعة من التساؤلات:

منها: هل أن أسماء أهل البيت(ع) حقائق شرعية، أم لا، لأنها ليست إلا مجرد ألفاظ منقولة؟

ومنها: هل أن أسماء أهل بيت العصمة والطهارة(ع) أسماء توقيفية، أم لا؟

 

أسماء المعصومين(ع) حقائق شرعية:

أما الجواب عن السؤال الأول، فإن المقصود من الحقيقة الشرعية: أن يكون هناك معنى لمفهوم ما لغة، ثم ينقله الشارع المقدس ليستعمله في معنى آخر لوجود علاقة مشابهة بين المعنيـين، كالصلاة والزكاة والحج مثلا، وهكذا.

وهذا يجري بالنسبة لأسمائهم(ع)، فهل هي حقائق شرعية نقلها الشارع المقدس من معانيها اللغوية وأطلقها عليهم لوجود مناسبة دعت إلى ذلك أم لا.

وتظهر الثمرة في أنه لو ثبت أنها حقائق شرعية كان مقتضى ذلك أن أسماءهم من الله تعالى، وهذا يعني اختلافها في حقيقتها ومعناها عن الأسماء التي كانت موجودة في تلك الأزمنة موافقة في المادة لأسمائهم، نظير أسم محمد، وفاطمة، وحسن، وحسين، وزينب، وهكذا.

 

ويكشف ذلك أيضاً عن تمام الانسجام بين الاسم والمسمى، لأنه لو كان المنتخب للاسم إنساناً عادياً فإنه قد ينتخب اسماً حسناً، ولا يوفق في انطباقه على المسمى به، لعدم علمه بحال المسمى ودراية عنه، فقد يَطلقُ على شخص اسماً يتضمن الصفات الحسنة، ويكون مجمعاً للصفات القبيحة عند بلوغه، وهكذا.

وهذا بخلاف ما لو كانت التسمية صادرة عن الله سبحانه وتعالى، وهو العالم بحال كل مخلوق مبدأ ومنتهى، فإن هذا يشير إلى أن التسمية متى أعطيت فلابد وأن تكون منسجمة تماماً مع المسمى من حيث الصفات والطباع.

وكذا لو كان مصدرها المعصوم(ع)، الذي لا ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى، لأن جميع ما يصدر عنه يكون خاضعاً للتسديد والعناية الإلهية.

إن قلت: إن ذلك قد يصدر عنه حال بشريته، وليس حال نبوته(ص).

 

قلت: هو حتى في حال بشريته لا يخرج عن التسديد والعصمة. نعم لا يعمل المعجزة والعلم الغيبي حال ذلك، وهكذا.

 

وعند الرجوع للنصوص الشريفة، يجد القارئ لها ما يشير لكون أسمائهم(ع) حقائق شرعية، قد صدرت من الباري سبحانه وتعالى مباشرة، أو جرت على لسان النبي الأكرم محمد(ص)، ولنذكر لذلك نموذجين:

الأول: النصوص الواردة في تسمية السيدة الزهراء(ع):

 

منها: ما رواه محمد بن زياد مولى بني هاشم، قال: حدثنا شيخ لنا ثقة يقال له: نجية بن إسحاق الفزاري، قال: حدثنا عبد الله بن الحسن بن حسن، قال: قال أبو الحسن(ع): لم سميت فاطمة فاطمة؟ قلت: فرقاً بينه وبين الأسماء، قال: إن ذلك لمن الأسماء، ولكن الاسم الذي سميت به أن الله تبارك وتعالى علم ما كان قبل كونه فعلم أن رسول الله(ص) يتزوج في الأحياء وأنهم يطمعون في وراثة هذا الأمر من قبله فلما ولدت فاطمة سماها الله تبارك وتعالى فاطمة ولما أخرج منها وجعل في ولدها ففطمهم عما طمعوا فبهذا سميت فاطمة فاطمة، لأنها فطمت طمعهم ومعنى فطمت قطعت[7].

 

ومنها: ما رواه يزيد بن عبد الملك، عن أبي جعفر(ع) قال: لما ولدت فاطمة(ع) أوحى الله عز وجل إلى ملك فانطق به لسان محمد(ص) فسماها فاطمة، ثم قال: إني فطمتك بالعلم وفطمتك عن الطمث، ثم قال أبو جعفر(ع): والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث بالميثاق[8].

الثاني: ما ورد في شأن تسمية الإمام الرضا(ع)، وأنها تسمية من رسول الله(ص)، ورفض الإمام أن يكون منشأها رضاه بولاية العهد.

والحاصل، إن المستفاد من النصوص أن أسمائهم(ع) سماوية، سواء كانت من الباري سبحانه وتعالى مباشرة، أم كانت مما أجراه الله عز وجل على لسان نبيه(ص).

ووفقاً لما تقدم، سوف تكون ألقاب أهل البيت(ع) ألقاب أهل البيت(ع) توقيفية لا يجوز إطلاقها على غير من جعلت له، لكونها صادرة عن الله تعالى مباشرة، أو بواسطة، فالصديقة لقب قد أعطي للسيدة الزهراء(ع)، فلا يصح إطلاقه على الحوراء زينب(ع)، فتأمل.

 

وهذا الأمر يجري بالنسبة لأسمائهم(ع)، إلا أن السيرة الجارية في عصر المعصومين(ع)، بل من المعصومين(ع) أنفسهم في إطلاق أسمائهم على غيرهم طلباً للتبرك، ونيل شرافة الاسم، تمنع من البناء على تخصيصه بهم(ع)، وإن كان لا يمنع ذلك مما ذكرناه، من أن مصدره الباري سبحانه وتعالى، أو المعصوم(ع).

نعم يبقى الجزم بثبوت هذا المعنى للأسماء التي أطلقها المعصومون(ع) على أبناءهم من غير المعصومين(ع)، خصوصاً الأسماء التي لم تكن لأحد من المعصومين(ع)، كاسم السيدة زينب، ومولانا أبي الفضل العباس(ع)، وأضرابهما، من الصعوبة بمكان، والمسألة تحتاج مزيد تأمل.

 

نعم يبقى أنه هل يترتب على تلك التسميات الصادرة عن الباري سبحانه وتعالى، أو عنهم(ع)، كشفاً عن مقام وعظيم منـزلة للمسمى، أو أنها لا تخرج عن كونها مجرد حبوة وتكريم للمسمى؟

ربما قيل، بالثاني، لعدم وجود خصوصية توجب البناء على الأول، سيما وأن بعض الأسماء التي أطلقها المعصوم(ع) على أبنائه تسميات مكررة لأسماء قد صدرت لمعصوم قبله، أو نسبة العبودية لله سبحانه وتعالى كعبد الله مثلاً.

وقد يبنى على الأول، على أساس أن العرف يفهم من ذلك التكريم والتفضيل والتعظيم، لكن يبقى لزوم إعطاء ذلك لجميع أبناء المعصوم(ع) صعب جداً، لأنه خلاف واقع الحال الموجود خارجاً في السيرة، من ابتعاد بعضهم عن الجادة القويمة.

نعم لو بني على التفصيل، بين التسميات الصادرة عن الله سبحانه وتعالى، فحكم بأن لها مدلولاً خاصاً يفيد التكريم والتعظيم، دون التسميات الصادرة من المعصومين(ع)، حذراً مما ثبت تاريخياً من خروج بعض أبناء الأئمة(ع) عن الجادة القويمة ولو في الجملة. بل لو بني على جريان ذلك في شأن رسول الله(ص) أيضاً كان ذلك ممكناً لعدم وجود شاهد خارجي على أن من سموا بذلك صدر منهم ما لا يحسن صدوره. بل لو بني على التفصيل في الأئمة(ع)، فقرر أن التسميات الجديدة غير المسبوقة في بني هاشم، يكون لها مدلولها الخاص الكاشف عن عظم مقام المسمى، دون التسميات المكررة، فإنها قد لا تكون موجبة لذلك.

 

اسم زينب:

وبعد الفراغ عما ذكر، يتساءل عن اسم السيدة زينب(ع)، وأن مصدره السماء، أم أنه من الأسماء البشرية؟

ويحسن قبل الإجابة على ذلك، أن يعرف معنى الاسم والمقصود منه، فيقال:

لقد ذكر اللغويون ثلاثة معاني لاسم زينب:

 

الأول: أنه اسم شجر حسن المنظر طيب الرائحة، وبه سميت المرأة[9]. وهو من فصيلة النرجسيات، أزهاره جميلة بيضاء اللون فواحة العرق.

الثاني: اسم مركب من كلمة زين وأب، فتكون بمعنى زينة أبيها.

الثالث: ما جاء في المعجم الوسيط، والمنجد، من أنها الجبانة.

 

وعلى أي حال، إن المقدار المحرز من الخبر المذكور، بعيداً عن ملاحظة سنده، هو أن تسميتها لو لم تكن من الله سبحانه وتعالى، فإنها لن تخرج عن النبي الأكرم محمد(ص)، أو أمير المؤمنين(ع). بل لو بني على أنها لن تخرج عن الله سبحانه وتعالى، أو عن النبي(ص)، لم يكن خطئاً لوجود قرائن متعددة تساعد على أن أمير المؤمنين(ع)، ما كان ليتقدم على رسول الله(ص) في شيء من الأمور أبداً.

وبالجملة، إن المقدار المطمأن به لو بني على اعتبار الرواية المذكورة، أن تكون تسميتها من السماء، وليست من الأرض، حتى لو كان المسمي لها هو أمير المؤمنين(ع).

هذا ولو بني على عدم التفريق في الأسماء الصادرة من الله سبحانه وتعالى، أو من المعصوم(ع)، بين كون المسمى به أحد الأئمة الأطهار(ع)، أو الصديقة الطاهرة فاطمة(ع)، وبين غيرهم، فسوف يستكشف من ذلك وجود مقامات خاصة ومنازل عالية للمسمى بها، ما يعني ثبوت هذه المقامات للسيدة الحوراء(ع)، لأن تسميتها كانت من السماء، ولو بواسطة النبي الأكرم محمد(ص).

 

نعم لما كان المفروض أن الأمور المذكورة تتضمن أمراً عقدياً، وبعد البناء على حجية خبر الواحد في الأمور العقدية غير الضرورية، يلزم أن يكون الخبر المستند إليه معتبراً سنداً حتى يرتب الأثر عليه، فلو لم يكن كذلك، فلا مجال للاستناد إليه، فضلاً عن البناء على ما تضمنه.

أما لو كان ما يراد استفادته من الخبر لا يخرج عن كونه أمراً تاريخياً، فلا يحتاج لذلك لما عرفت من عدم اعتبار شيء في الأخبار التاريخية غير معرفة مصادرها ومعرفة مؤلف المصدر، وعدم تمن الخبر ما ينافي ما ثبت من العقائد.

 

علمها:

من أبرز ما يشير لهذا الجانب كلمة الإمام زين العابدين(ع) لها يوم مسير السبايا من كربلاء، أو يوم ألقت خطبتها في أهل الكوفة، حيث قال(ع): أنت يا عمة بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة. وفي هذه العبارة الشريفة احتمالان:

الأول: أن تكون مشيرة لحادثة خاصة ترتبط بواقعة الطف وما تبعها، ويكون قوله(ع): غير معلمة، أي لا تحتاجين تعليماً مني فقد أطلعك الإمام الحسين(ع) على كل ما سوف يجري في كربلاء، فلا حاجة لأن أقول لك شيئاً.

ووفقاً لهذا الاحتمال لن تكون العبارة المذكورة كاشفة عن شيء، ولا دالة على فضل أو منقبة للسيدة الحوراء زينب(ع)، لأن ما لديها من علم ومعرفة مختص بحدود واقعة الطف ولا يشمل غيرها، وقد أعطيته(ع) لسبب من الأسباب وظرف من الظروف، مثل أنها ستتولى إدارة شأن النساء والأطفال في الأسر، وبالتالي يلزم أن تكون على دراية بالأمور، وغير ذلك.

الثاني: أن يكون لها إطلاق، فيكون معناها الحديث عن مقام علمي واسع، ومعرفة شاملة، غير محددة بأمر من الأمور أو موضوع من الموضوعات، وبالتالي تتضمن تأكيداً لمقام شامخ ثابت.

 

دفع وهم:

ولا يتوهم أحد أن يكون الكلام الصادر من الإمام زين العابدين للحوراء(ع) يتضمن نهياً وتوبيخاً لها(ع) عن الإقدام على فعل ما اعتماداً على الظرف الذي قد صدرت فيه هذه الكلمة منه(ع).

لأنه خلاف المتفاهم العرفي جداً، ضرورة أن التعبير المذكور ظاهر في الإشارة إلى أن من لديه إحاطة ودراية بأمر ما، أو بأمور، لا يحتاج أن يبين له آثاره ونتائجه، ولذا لو بني على اختصاص العبارة المذكورة، فإن مؤدى كلامه(ع)، هو التذكير، أو الإشارة إلى أن ما لديها من علم(ع)، يجعلها تمتنع من فعل ما يخالفه وينافيه. وأوضح من ذلك لو بني سعة مؤداها وشمولها لأكثر من ذلك، لأن مفادها أن مقتضى ما تملكينه من علم يحول بينك وبين الإقدام على ما لا ينسجم وإياه.

وبالجملة، لا ريب في أن العرف يفهم من العبارة المذكورة مدح مدح من الإمام زين العابدين(ع)، وليس تقريعاً أو توبيخاً.

على أن علو شأن السيدة الحوراء(ع)، وعظمة مقامها يمنع من حمل العبارة المذكورة على هذا المعنى.

 

تقريب الاحتمال الأول:

وقد يقرب الاحتمال الأول، من خلال ملاحظة الظرف الموضوعي الذي صدرت فيه الكلمة، ليشكل قرينة ومانعاً من انعقاد إطلاق لها، وتكون مختصة بمورد صدورها.

وربما منع من الاستناد له، بأن المورد لا يخصص الوارد، فلا يكون صدور الكلمة في موقف معين موجباً لتخصيصها به.

وهذا يتم، لو أحرز أنه(ع) في مقام بيان لقضية عامة، أو تكرر منه صدور هذا التعبير، ما يوجب رفع اليد عن الاختصاص، وإلا فإن الظرف الموضوعي الذي يصدر فيه الكلام يعدّ قرينة عقلائية موجبة للمنع من تعديته لأكثر منه.

وما ذكر وإن كان صحيحاً، إلا أن ما يذكر تقريباً للاحتمال الثاني، يوجب رفع اليد عنه كما سيتضح.

 

تقريب الاحتمال الثاني:

وأما الاحتمال الثاني، فيمكن تقريبه من خلال حذف المتعلق، لأنهم قد ذكروا أن حذفه علامة العموم والإطلاق، وعليه يكون مفاد الكلمة المذكورة شمولية العلم الموجود عند السيدة زينب(ع)، وعدم اختصاصه بواقعة الطف. ونكتة ذلك، تعود إلى أن حذف المتعلق يرتكز على أساس ظهور الكلام في تعيـين المتعلق المحذوف، الأمر الذي يغني المتكلم عن ذكره للمخاطب باعتبار قدرة المخاطب على تشخيصه في المحاورات العرفية.

ومع الشك في سعة المحذوف وضيقه، كما في المقام، وهو أنه خصوص العلم المرتبط بكربلاء، أو مطلق العلم، يمكن التمسك بالإطلاق، لأن المحذوف المقدر كالظاهر من هذه الجهة، فكما أن المحذوف لو كان مصرحاً به في الكلام وشككنا في إرادة الطبيعي منه أو حصة خاصة، جرت مقدمات الحكمة لإثبات الطبيعي، كذلك الحال في المحذوف المقدر.

ولا مجال لأن يتوهم أنه يمكن تشخيص المتعلق المحذوف في المقام، اعتماداً على المناسبات العرفية، لكون الخطاب مما يلقى للعرف، وأنه يحمل على ما يفهمونه، لأن الظاهر أن العرف لا يفهم من العبارة المذكورة الاختصاص بأحداث كربلاء وما يرتبط بها، ويساعد على ذلك ما جاء في ذيل الكلمة، من قوله(ع): غير معلمة.

 

وبالجملة، إن المتفاهم العرفي يساعد على ظهور العبارة في الاحتمال الثاني، وأن المقصود من ذلك الإشارة إلى سعة المعلوم الموجود عند الحوراء زينب(ع)، ولا موجب لتقيـيد ذلك بكربلاء خصوصاً وأنه لا يوجد في البين ما يوجب التقيـيد، بل إن الذيل قرينة الإطلاق كما عرفت.

ولا مجال لأن يقال، إن القدر المتيقن هو البناء على الاحتمال الأول، فيلتـزم به حال عدم التمكن من ترجيح أحد المحتملين على الآخر، لعدم وجود إجمال في البين، ولأن المورد من صغريات الدوران بين المتباينين، وليس من موارد الدوران بين الأقل والأكثر حتى يقتصر فيه على القدر المتيقن.

 

الشموخ والعظمة:

ويمكن استشراف الشموخ والعظمة من الكلمة المباركة الصادرة من الإمام زين العابدين(ع) بناء على الاحتمال الثاني، وهذا يتم حال ملاحظة المدلول التركيبي والمعنى المستفاد منها.

 

معنى العبارة:

والمهم فيها هو الإشارة للمقصود من العلم الذي تضمنته، فإن المعروف وجود نوعين من العلم يحصل عليهما الإنسان، وهما:

العلم الحصولي:

ويعبر عنه أيضاً بالاكتسابي، وهو الذي يكون بواسطة إحدى الحواس الخمس الموجودة عند الإنسان.

العلم اللدني:

ويعبر عنه بالعلم الحضوري، والعلم الإفاضي، وهو الذي يفيضه الله سبحانه وتعالى على من يرتضيه من عباده.

وحتى يكون للعبارة المذكورة دلالة في المطلوب، لتكشف عن عظم مقام وعظيم منـزلة، لابد وأن يكون المقصود من العلم الوارد فيها هو النوع الثاني، دون الأول، بحيث تكون السيدة زينب(ع) من النساء المحدثات، كما كانت أمها الطاهرة الزهراء(ع)، أو أنها قد تلقت هذا العلم من المعصوم(ع)، لكن من دون دخالة للحواس الخمس في الحصول عليه، نظير ما ورد في شأن أمير المؤمنين(ع): علمني رسول الله(ص) ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب.

أما لو بني على أن العلم الموجود عندها من العلم الحصولي، وسلم بوجود إطلاق للعبارة المذكورة، وفقاً للاحتمال الثاني فيها كما سمعت، فلن تكون كاشفة عن شيء من المقامات الخاصة، نعم تكشف عن مقام علمي عظيم، يمكن أن يناله أي أحد.

 

وربما بني على أن المقصود به الأول، لعدم توفر ما يدل على الثاني منهما، وبالتالي لا يكون للعبارة مدلول أكثر من الإشارة إلى سعة المعلومات الموجودة عند الحوراء زينب(ع).

والظاهر هو الثاني، بملاحظة ما جاء في ذيل الكلمة، من قوله(ع): غير معلمة، فإن العرف يفهم منها، مغايرة العلم الموجود عندها عن المعلوم البشري، فلا يكون علماً حصولياً كالموجود عند بقية البشر، فيثبت أنه علم حضوري يُحصل عليه من خلال الإلهام والتحديث. كما يمكن أن يكون مصدر علمها(ع) ما صدر من الإمام الحسين(ع) لها يوم كبلاء عندما قام بالمسح عليها، فحصل عندها العلم اللدني من خلال المسح التكويني الذي قام به الإمام(ع) عليها.

والحاصل، لا ريب في ظهور العبارة المذكورة في وجود علم مختلف عند الحوراء زينب(ع) يغاير العلم الموجود عند الآخرين، وما ذلك إلا العلم اللدني الغيبي.

 

وليست السيدة الجليلة أم نبي الله موسى(ع) بأفضل شأناً وأعم مكاناً من الحوراء زينب(ع)، حتى تحدث، وتلهم، ولا يكون ذلك حاصلاً لها(ع).

ولا مجال لأن تحمل الكلمة المذكورة، على أن المقصود منها، نفي قيامه(ع) بتعليمها، لوجود من أعلمها بذلك قبله، فإنه مضافاً لكونه خلاف المتفاهم العرفي منها، أيضاً يساعد على المطلوب، في وجود علم عندها مسبق، ومع عدم تحديد نوع العلم الموجود عندها، بسبب حذف المتعلق، يتمسك بالإطلاق، ليكون مفاد ذلك أن معلومها شامل للعلم الحضوري والعلم الحصولي.

 

شروط نيل العلم الحضوري:

ومن المعلوم أن الحصول على العلم الحضوري لا يكون لكل أحد، وإنما يكون مختصاً بمن توفرت عنده شروط معينة:

منها: التواضع.

ومنها: حسن الخلق.

ومنها: مداومة النوافل.

ومنها: صلاة الليل.

ومنها: صفاء القلب.

 

الآثار المترتبة عليها:

ثم إنه وفقاً للنتيجة الحاصلة من العبارة تترتب مجموعة من الآثار، تعطي مقامات عظمى للحوراء زينب(ع)، نشير لبعضها:

العصمة والطهارة القدسية:

من أبرز الآثار المترتبة على المدلول التركيبي لكلمة الإمام زين العابدين(ع)، البناء على ثبوت العصمة للسيدة زينب(ع)، سواء بني على تفسير العصمة بالعلم، أم بالملكة، توضيح ذلك:

وقع الخلاف بين الأعلام في تحديد المقصود من العصمة، فذكر مسلكان:

الأول: ما هو المشهور بين المتكلمين، من البناء على أنها عبارة عن: الملكة النفسانية الراسخة في النفس والتي تمنع صاحبها من المعصية مطلقاً.

الثاني: ما أختاره جملة من المحققين، كالعلامة الطباطبائي[10]، وبعض الأعاظم، وشيخنا التبريزي(ره)[11]، من أنها عبارة عن: العلم.

 

وقد أوضح ذلك بعض الأعلام المعاصرين(حفظه الله)، بأن العلم القطعي بعواقب الأعمال الخطيرة يخلق عند الإنسان وازعاً قوياً يصده عن ارتكابها[12].

ومن الواضح أن النسبة بين التعريفين، نسبة العموم المطلق، لأن التعريف الأول أعم من الثاني، وهذا يعني أخذ المشهور في تعريفهم للعصمة قيدية العلم، وأن له دخالة في وجودها، فلا يمكن أن يكون الإنسان معصوماً حال خلوه منه، لأن المعصوم بحاجة أن يكون مطلعاً ومحيطاً بالعواقب الوخيمة المترتبة على الذنوب والمعاصي، كما يكون مطلعاً على الآثار الناجمة عن فعل الطاعات.

ومع البناء على مدخلية العلم اللدني في حصول صفة العصمة عند فرد من الأفراد، يمكن البناء على توفر الصفة المذكورة عند الحوراء زنب(ع)، سواء بني على التعريف الأول للعصمة أم التعريف الثاني. نعم ليست العصمة الثابتة لها(ع) على وزان العصمة الثابتة للمعصومين الأربعة عشر(ع)، فإن عصمتها تختلف حتى عن عصمة الأنبياء(ع)، بل هي عصمة دون المرتبة الثابتة لهم(ع)، ولا ضير في ذلك خصوصاً مع ما هو الثابت من أن العصمة من المفاهيم المشككة.

 

الولاية التكوينية:

إن امتلاك الإنسان للعلم اللدني يعد مصدراً أساسياً موجباً لأن يملك الإنسان الولاية التكوينية، فلا يتصور امتلاك شخص إياها دون ذلك. فكل من امتلك العلم المذكور يكون ممتلكاً للولاية التكوينية، وقد عرفت وجود العلم المذكور عند الطاهرة زينب الحوراء(ع)، فيكون ذلك موجباً لوجود هذه الولاية عندها، ولا أظن من يتأمل في أحداث واقعة الطف يفتقر الوقوف على الشواهد الدالة على وجودها عندها.

 

الرضا والتسليم:

ويقصد من ذلك التسليم المطلق لله سبحانه وتعالى بترك الاعتراض على ما يقع على الانسان، وهو أحد مقامات الصديقين، الذين بلغوا درجات اليقين، وهذا يعني الوصول لهذا المقام فرع بلوغ الإنسان مرتبة اليقين. ويتجلى هذا في شأن عقيلة بني هاشم(ع) ليلة الحادي عشر، عندما كانت حول الجسد الشريف للإمام الحسين(ع)، وقالت كلمتها المعروفة: اللهم تقبل منا هذا القربان، وأيضاً: اللهم هذا قربان أهل بيت نبيك فاقبله منا.

 

خاتمة:

بقي أن يشار إلى أن ما استفيد من ملاحظة المدلول التركيبي للنص، والآثار المترتبة عليه، فرع توفر أمرين:

الأول: أن يلتـزم بكفاية خبر الواحد في الأمور العقدية، ولا يعتبر فيها ما يفيد العلم.

الثاني: البناء على اعتبار الخبر الذي كان محل البحث.

 

ومع أن الأول منهما مورد خلاف بين الأعلام، إلا أن الظاهر بناء القائلين به على كفاية جريانه في الأمور العقدية كلها من فرق بين شيء وآخر منها.

نعم يبقى الحديث عن اعتبار الخبر محل البحث، وهو ضعيف سنداً، فإن الشيخ الطبرسي(ره) لم يذكر طريقه إليه، فهو مرسل، وهذا مانع من الاستناد إليه، حتى مع البناء على كفاية خبر الواحد في العقائد.

اللهم إلا أن يدعى أن هناك قرائن خارجية تساعد على القبول بمضمونه، وهو ما جرى من الإمام الحسين(ع) يوم عاشوراء من المسح التكويني على السيدة زينب(ع) ليفيض عليها علماً لدنياً، وكذا ما كان منها في مواجهة المواقف العصيبة في تلك الحادثة الأليمة، وموقفها ليلة الحادي عشر عند الجسد الشريف، وكذا قيامها بمسؤولية الإمامة ومهام الإمام بعد العودة من كربلاء فقد كانت المرجع الذي تفزع إليه الأمة في تلبية ما تحتاج، وتجيب على كل ما تواجه من مشاكل، كما صريح رواية أحمد بن إبراهيم، قال: دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن صاحب العسكر(ع) في سنة اثنتين ومئتين، فكلمتها من وراء حجاب وسألتها عن دينها فسمت لي من تأتم بهم، ثم قالت: والحجة بن الحسن(ع) فسمت إلى أن قال: فقلت لها: أين الولد؟ يعني الحجة(عج) قالت: مستور، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ فقالت إلى الجدة أم أبي محمد(ع)، فقلت لها اقتدي بمن وصيته إلى امرأة؟ قالت: اقتداء بالحسين بن علي، والحسين بن علي(ع) أوصى إلى أخته زينب بنت علي(ع)، في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين(ع) من علم ينسب إلى زينب ستراً على علي بن الحسين(ع). وأضراب ذلك، فإنها قرائن توجب الوثوق والاطمئنان بصدوره، وبالتالي ترتيب الأثر عليه، فتأمل.

 

 

———————–

[1] سورة الأحزاب الآية رقم

[2] سورة آل عمران آية رقم 61.

[3] يمكن تقسيم الأمور الاعتقادية إلى قسمين: العقلية، كأصل ثبوت الباري سبحانه وتعالى، وصفاته الجمالية والجلالية، وأصل التوحيد، وأصل النبوة والمعاد، وهكذا.

غير العقلية، وهي قسمان، ضرورية، كالبرزخ، والقيامة، والصراط، ووجود الجنة والنار، وما شابه.

غير ضرورية، وهي التفاصيل المرتبطة بالأمور الضرورية غير العقلية، مثل كيفية حشر الخلائق يوم القيامة، والملائكة، وما شابه ذلك.

ويعتبر في العقائد العقلية، والعقائد النقلية الضرورية العلم، فلا يكفي الظن المعتبر كخبر الواحد، نعم وقع الخلاف بين الأعلام في كفايته في العقائد النقلية غر الضرورية.

[4] ناسخ التواريخ

[5] المصدر السابق

[6] الموسوعة ج 1 ص 100.

[7] بحار الأنوار ج 43 ب سمائها وبعض فضائلها ح 7 ص 13.

[8] المصدر السابق ح 9 ص 13.

[9] لسان العرب

[10] ورد ذلك في أكثر من موضع من تفسيره القيم الميزان، فلاحظ ج 5 ص 78، ص 80، ج 11 ص 154، ص 162.

[11] صراط النجاة ج 2 ص 633.

[12] الإلهيات ج 2 ص 149.