7 يوليو,2022

حلق اللحية(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

حلق اللحية(2)

 

الخامس: ما ورد من النصوص المتضمنة أن طلحة والزبير قد أخذا رجلاً ونتفا لحيته فتأثر الرجل من ذلك قائلاً: كنت رجلاً والآن صرت أمرداً. فبلغ ذلك أمير المؤمنين(ع) فتأثر لذلك[1].

وتقريبها: أنه لو لم يكن حلق اللحية وإزالتها محرماً لما كان لتأثر أمير المؤمنين(ع) وجه، بل لما تأثر لذلك.

وفيه: مضافاً لضعف سند هذه النصوص لا ريب في كون النتف الذي جرى عليه هتك له، ولعله هو السبب في تأثر أمير المؤمنين لما لحقه من أذى لا لأن حلق اللحية محرماً. على أنه لو دل فإنما يدل على حرمة حلق الغير للحية الآخرين لا حرمة حلق الإنسان لحية نفسه.

السادس: خبر البزنطي المنقول في مستطرفات السرائر قال: وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته؟ قال(ع): أما من عارضيه فلا بأس وأما من مقدمها فلا. وتقريب دلالتها على المدعى أن يقال:

لقد تضمن الخبر أمرين محتملين في السؤال بحيث يحتمل أن محط نظر السائل هو أحدهما:

الأول: أن يكون محط نظره تخفيف اللحية فهو يسأل الإمام(ع) عن جوازه.

الثاني: أن يكون محط نظر السائل حلق اللحية وإنما أتى بعبارة الأخذ من اللحية إما بإرادة البيانية من خلال كلمة من فالسؤال عن أخذ اللحية المساوق لحلقها أو بلحاظ التبعيض في حلقها فيسأل عن حلق بعضها دون بعضه ففصل(ع) بين العارضين والمقدم.

ثم إنه بناءاً على الأمر الأول لا دلالة للخبر على الحرمة، لأن النهي عن تخفيف المقدم محمول على كراهة التخفيف لما دون القبضة.

وأما على الأمر الثاني فإن دلالتها على المدعى أعني الحرمة تكون واضحة. نعم يختص ذلك حينئذٍ بالمقدم فقط فيجوز الحلق للعارضين.

هذا والتأمل في لسان السؤال والجواب يقتضي استظهار الأمر الثاني من الخبر لأن سوق السؤال بعبارة هل يصلح ظاهر في وجود محذور في ذهن السائل دفعه إلى الاستعلام من الإمام(ع).

وقد أجابه(ع) بنفي البأس عن أخذ اللحية من العارضين ولسان نفي البأس لسان ترخيص مما يكشف عن أن السؤال كان بلحاظ محذور الحرمة. وبما أن تخفيف اللحية لا محذور فيه في أذهان المتشرعة بل جوازه واضح في أذهانهم فلذا يكون الخبر ظاهراً في الأمر الثاني فيدل على حرمة الحلق.

وقد أورد عليها شيخنا التبريزي(قده)بضعف السند لعدم معرفة طريق ابن إدريس إلى جامع البزنطي[2].

وقد عدل(قده)على الظاهر عن ذلك مما هو المستفاد من أبحاثه الفقهية حيث أنه صار يصرح بصحة روايات المستطرفات المنقولة من جامع البزنطي.

وقد يوجه كلامه بأحد أمرين:

أولهما: أن ابن إدريس(ره) لا يعمل بأخبار الآحاد فعمله برواية كاشف عن ثبوت مجموعة من القرائن التي أوجبت له القطع بصدورها.

ثانيهما: إن كتاب البزنطي من الكتب المشهورة والمعروفة بين الأصحاب فلا تحتاج إلى ثبوت طريق.

والصحيح ضعف كلا الأمرين لأن شهرة كتاب البزنطي يمنعها عدم خبرة ابن إدريس(قده) بالكتب كما فصلناه في محله. وثبوت الخبر بقرائن توجب الوثوق عند ابن إدريس ربما لا توجبه عندنا فلا يعول عليه.

وأضعف من ذلك ما قام به بعض مشايخنا(دام علاه) في بحوثه الرجالية إذ سعى إلى تصحيح المستطرفات من خلال الاعتماد على نظرية التعويض[3].

وجه الضعف ما ذكرناه في محله من أنه لابد من توفر مجموعة من الشرائط حتى يمكن تطبيق كبرى النظرية المذكورة فلا يكفي مجرد وجود ذلك في الإجازات كما أشار له شيخنا المذكور.

والحاصل أن الخبر المذكور عليل من ناحية السند لا يمكن الركون إليه في مقام الفتوى.

وأجاب عن دلالتها بعض الأعاظم وتابعه شيخنا التبريزي(قده):بأن هذا الخبر يدل على حرمة الأخذ من مقدم اللحية ولم يصدق عليه الحلق وهو مقطوع الخلاف فلا يعتمد عليها[4].

ويلاحظ عليه: إن ما ذكر تسليم بالدلالة فيبقى الإشكال المذكور يمكن دفعه بأن يقال: إن للأخذ فردين:

1-أخذ لا يبقى معه شعر في اللحية.

2-أخذ يبقى معه مقدار من الشعر فيها.

وقد خرج عن إطلاق الخبر الفرد الثاني إذا بقي في اللحية مقدار بحيث يصدق عليه اللحية عرفاً لما دل على جواز قص مقدار منها وتدويرها[5]. ويبقى تحت الحرمة الفرد الآخر وهو الأخذ الذي لا يبقى بعده ما يصدق عليه اللحية.

ثانياً: لا خصوصية للحلق في إبقاء شعر اللحية، إذ المستفاد من الخبر هو لزوم إبقاء اللحية في الوجه فلا يجوز إزالتها بأي نحو كان لأن الأخذ عبارة عن الإخلاء فالأخذ من اللحية إخلاء الوجه منها.

والتحقيق في الجواب: أن قضية جواز تقصير اللحية خاصة إلى ما دون القبضة لم تكن من الأمور الواضحة في أذهان المتشرعة بل كانت مثار خلاف بين فقهاء المسلمين إذ كان بعضهم يفتي بحرمة التقصير وكان بعضهم يراه تشهيراً أو مثلة ففي النهاية نقلاً عن بعض علماء الأحناف: وأما الأخذ منها وهي دون ذلك_أي القبضة_كما يفعله المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد وأخذها كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم.

ومذهب المالكية هو حرمة القص إذا كان يحصل به مثلة وفي فيض القدير: فلا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قص الكثير منها.

وعلى هذا يترقب اتجاه السؤال من الإمام(ع) عن هذا الأمر فلا أقل من إجمال الخبر.

نعم يدل الخبر على حرمة الحلق بناءاً على الأمر الأول لو كان النهي عن التقصير نهي تحريم. لكن بما أن الثابت عدم حرمة تقصير اللحية ولو دون القبضة فلذا لا دلالة للخبر على حرمة الحلق.

هذا ويحتمل قوياً جداً أن المراد من الأخذ التدوير فيكون سؤاله عن تخفيفها كما هو الأمر الأول وذلك لما ورد في صحيح محمد بن مسلم قال: رأيت أبا جعفر(ع) والحجام يأخذ من لحيته، فقال: دورها[6].

وجاء في خبر سدير الصيرفي قال: رأيت أبا جعفر(ع) يأخذ عارضيه ويبطن لحيته[7].

هذا وقد ألتـزم بعض الأعاظم(ره) في تقريره الآخر بتمامية دلالة هذا الخبر على المدعى فلاحظ[8].

السابع: ما رواه في الوسائل عن كتاب علي بن جعفر وهو نفس الخبر السابق مع إضافة كلمة: يأخذ بعد قوله: فلا.

وقد حكم شيخنا التبريزي(قده)بصحة طريق صاحب الوسائل إلى كتابه[9].

والطريق المشار إليه ما ذكره في خاتمة الوسائل في الفائدة الرابعة لكننا قد ذكرنا في بحث تعارض الأدلة عدم تمامية هذا الطريق فراجع ما فصلناه هناك.

وقد رواها في قرب الإسناد بطريق فيه عبد الله بن الحسن الذي عرفت غير مرة عدم ثبوت وثاقته. هذا مع ما عرفته منا من المناقشة في دلالة الخبر.

الثامن: النصوص الواردة في النهي عن التشبه بالنساء بدعوى أن حلق اللحية من مصاديق التشبه.

فمنها: موثق سماعة عن أبي عبد الله(ع) أو أبي الحسن(ع) في الرجل يجر ثيابه قال: إني لأكره أن يتشبه بالنساء[10].

ومن المعلوم أن الكراهية هنا ليس المراد منها المعنى الاصطلاحي بل يراد منها المبغوضية الدالة على الحرمة لبيان منشأها كما أن الحكم المستفاد من الموثق عام يعطي كبرى كلية.

ومنها: مرسل مكارم الأخلاق عن أبي عبد الله(ع) قال: كان رسول الله(ص) يزجر الرجل أن يتشبه بالنساء وينهى المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها[11].

ومنها: خبر جابر عن أبي جعفر(ع) قال: قال رسول الله(ص) -في حديث-لعن الله ….والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال[12].

ومنها: خبر عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي(ع) أنه رأى رجلاً به تأنيث في مسجد رسول الله(ص) فقال له: أخرج من مسجد رسول الله(ص)من لعنه رسول الله(ص) ثم قال علي(ع): سمعت رسول الله(ص) يقول: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال[13].

ومنها: بالإسناد السابق عن علي(ع) قال: كنت مع رسول الله(ص) جالساً في المسجد حتى أتاه رجل به تأنيث فسلم عليه فرد(ص) ثم أكب رسول الله(ص) إلى الأرض يسترجع ثم قال: مثل هؤلاء في أمتي أنه لم يكن مثل هؤلاء في أمة إلا عذبت قبل الساعة.

ويلاحظ على الاستدلال بها مضافاً لما سبق وذكرناه في محله أن المراد من التشبه المنهي عنه هو التشبه الذي يأتي على سبيل التخنث والتأنث لا مطلق المشاكلة. ومجرد حلق اللحية إذا لم يكن على هذا المنوال لا يعد تأنثاً حتى يكون حراماً.

التاسع: التمسك بما دل على عدم جواز السلوك مسلك أعداء الدين من خلال أن الحلق مصداق من المصاديق الداخلة في هذا المسلك فلا يجوز.

ففي خبر إسماعيل بن مسلم عن الصادق(ع) قال: أنه أوحى الله إلى نبي من أنبيائه قل للمؤمنين: لا تلبسوا لباس أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي ولا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي[14].

وفيه أولاً: لو سلم دلالته على الحرمة فلا ريب في كونه من الأحكام الثانوية الدائرة مدار ثبوت هذا العنوان وهو كونه من مسالك الأعداء فيكون محدداً بزمان خاص عندما كان الحلق من ذلك القبيل. وأما متى ما شاع وأنتشر أو لم يعد من مسالك أعداء الدين فلا ريب في ارتفاع الحرمة.

لا يقال: بعدم معقولية الحمل على النهي الولائي.

فإنه يقال: أنه معقول جداً عند العرف لأن المتصدي لتنفيذ الشرع إذا رأى أنه يترتب على محاكاة أعداء الدين مفسدة على المجتمع الديني فإن له أن يمنع هذه المحاكاة تصرفاً منه في منطقة الفراغ بالمنع الولائي.

والنتيجة أن هذا يمنع ثبوت الحرمة الواقعية للحلق إذ الظاهر عدم كون الخبر في مقام التشريع.

العاشر: التمسك بسيرة المتشرعة كما في كلام بعض الأعاظم(قده) حيث أدعى قيام السيرة القطعية بين المتدينين المتصلة بزمان المعصوم(ع) حيث أننا نجدهم ملتزمين بحفظ اللحية ويذمون حالقها بل يتعاملون معه معاملة الفساق في الأمور التي تعتبر فيها العدالة[15].

لكن الإنصاف عدم إمكان التمسك بهذا الدليل لكون إبقاء اللحية عادة عربية متأصلة حتى في العصر الجاهلي بل الظاهر أنهم كانوا يرون أن ذلك زيناً يزين الرجل ويبرز رجولته وكانوا يرون أن من الإهانة حلق لحية شخص أو قصها وقد حسن الإسلام هذه العادة والعرف فلا يمكن حينئذٍ أن يستكشف قيام سيرة نشأت من أن الاحتفاظ بها لكون ذلك محرم شرعاً كما أن استكشاف مذمة المتشرعة لحالقها ومعاملته معاملة الفساق صعب.

فتحصل إلى هنا أنه لم ينهض دليل معتبر يدل على حرمة حلق اللحية فالمرجع حينئذٍ هو الأصل المؤمن.

لكن الالتزام فيها بجواز الحلق لا يمكن ركون النفس إليه لكون إبقائها أصبح اليوم من الشعائر التي يتميز بها المتدينون ويعرفون بها ويمتازون بها عن غيرهم فلا أقل من بناء الحكم فيها على الاحتياط ولذا لا يترك الاحتياط بحرمة حلقها.

ثم إنه بناءاً على الاحتياط في الفتوى بحرمة الحلق هل يجوز الأخذ من العارضين أو لا؟..

الصحيح أنه لا يجوز ذلك. نعم لو استند لخبر البزنطي أو خبر علي بن جعفر بأحد طريقيه الذين أشرنا لهما كان القول بجواز الأخذ متعيناً.

هذا ولا يخفى أن البناء على الحرمة فتوى أو احتياطاً إنما هو في صورة عدم وجود عسر أو حرج أو ضرر على المكلف وأما معهم فإن الحكم بالحرمة يرتفع.

وأما لو ترتب على إبقائها الاستهزاء فهل ترتفع الحرمة فيحكم حينئذٍ بالجواز أو لا؟.

الظاهر أنه لا ترتفع لأن الاستهزاء ليس موجباً برفع الحكم.

نعم يحرم على الإنسان تعريض نفسه للاستهزاء إذ يحصل التـزاحم حينئذٍ بين الحكم بالحرمة وبين حرمة التعريض للإهانة فإن ترجح أحدهما أخذ بالأهم وإلا ففي مثل ذلك يحكم بالتخيير ومعه يجوز الحلق. والله العالم بحقائق الأمور وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

[1] شرح النهج ج 14 ص 231.

[2] إرشاد الطالب ج 1 ص 146.

[3] أصول علم الرجال ص

[4] محاضرات في الفقه الجعفري ج 1 ص 292.إرشاد الطالب ج 1 ص 146.

[5] الوسائل ب 63 من أبواب آداب الحمام.

[6] الوسائل ب 63 من أبواب آداب الحمام ح 1.

[7] المصدر السابق ح 4.

[8] مصباح الفقاهة ج 1 ص 335.

[9] إرشاد الطالب ج 1 ص 146.

[10] الوسائل ب 13 من أبواب أحكام الملابس ح 1.

[11] المصدر السابق ح 2.

[12] الوسائل ب 87 من أبواب ما يكتسب به ح 1.

[13] الوسائل ب 87 من أبواب ما يكتسب به ح 2.

[14] الوسائل ب 19 من أبواب لباس المصلي ح 8.

[15] مصباح الفقاهة ج 1 ص 335.