20 مارس,2019

فقهيات العمرة المفردة (1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

العمرة المفردة

 

تنقسم العمرة إلى قسمين: ١-عمرة تمتع.          ٢-عمرة مفردة

 

وتختلفان في أمور:

 

منها: أن عمرة التمتع ليس فيها طواف النساء، بينما يجب ذلك في العمرة المفردة.

 

ومنها: أن وقت عمرة التمتع يختص بأشهر الحج، فلا تقع في غيره، بينما لا يوجد وقت محدد للعمرة المفردة، فيمكن الإتيان بها في كل وقت.

وسوف يكون الحديث عن العمرة المفردة، وقد عبر عنها في بعض النصوص بالحج الأصغر، كما تضمنت نصوص أخرى أنها كفارة لكل ذنب، وجاء في نص ثالث أنه من العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما.

 

نعم يستحب الإتيان بها في شهري رجب ورمضان كما هو المشهور، فقد جاء عن رسول الله(ص): أنه قال: أفضل العمرة عمرة رجب.  وقال أبو عبد الله(ع): المعتمر يعتمر في أي شهور السنة شاء، وأفضل العمرة رجب.

وجاء عنهم(ع): إن العمرة في رجب تلي الحج في الفضل. نعم الإتيان بالعمرة المفردة في شهر رجب أفضل منه في شهر رمضان المبارك، فقد سئل الإمام الصادق(ع): أي العمرة أفضل، عمرة في رجب أو عمرة في شهر رمضان؟ فقال: لا، بل عمرة في شهر رجب أفضل.

 

ولا يسوغ للمكلف أن يأتي بأكثر من عمرة عن نفسه بعنوان الاستحباب في شهر واحد، وخالف في ذلك الشيخ زين الدين(ره) فألتزم باستحباب ذلك.  نعم يمكن للمكلف أن يفصل بينهما بعشرة أيام وتكون الثانية بعنوان رجاء المطلوبية.

والمقصود من الشهر كما هو المشهور بين الأعلام، هو الشهر الهلالي، وهو الذي يبدأ بطلوع الهلال، وينتهي بطلوع هلال الشهر الآخر، فلو أحرم في العاشر من شهر رجب، يستحب له الإتيان بالعمرة مرة ثانية بعد حلول شهر شعبان، وهكذا. نعم للسيد صادق الشيرازي(دام ظله) بيان يكون الشهر فيه عددياً.

 

ومن أتى بعمرة في شهر من الشهور جاز له الخروج من مكة والعودة إليها من دون إحرام، ما دام لم يدخل شهر جديد، فسائق الباص الذي أوصل المعتمرين في بداية شهر رجب واعتمر عن نفسه، يجوز له الخروج والدخول إلى مكة من دون إحرام حتى يدخل هلال شهر شعبان.

 

العمرة المفردة:

تتركب العمرة المفردة من أمور تسمى واجبات العمرة، وهي:

 

١-الإحرام من أحد المواقيت، أو بالمحاذاة على رأي بعض الفقهاء.

٢-الطواف حول الكعبة المعظمة سبعة أشواط.

٣-صلاة ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم(ع).

٤-السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة.

٥-التقصير.

٦-طواف النساء.

٧-صلاة ركعتي طواف النساء.

 

والحديث حول هذه الأمور بشيء من التفصيل:

 

الأول: الإحرام:

ويكون الإحرام من أحد المواقيت المحددة من قبل النبي(ص) وهي مواقيت خمسة معروفة: مسجد الشجرة، الجحفة، وادي العقيق، يلملم، قرن المنازل. أو بالمحاذاة كما هو رأي جملة من الفقهاء، أو من أدنى الحل، كما هو رأي الشيخ العصفور(ره) والسيد صادق الشيرازي(دام ظله).

ويغلب على المعتمرين في بلادنا الإحرام من ميقات قرن المنازل وهو في منطقة الطائف، خصوصاً الذين يذهبون بالحافلات.

 

مستحبات الإحرام:

هناك مستحبات قبل لبس ثوبي الإحرام، يحسن بالمؤمن مراعاتها:

١-تنظيف الجسد من الأوساخ، وتقليم الأظفار، وتخفيف الشارب وتهذيبه، وإزالة شعر الإبطين والعانة.

٢-أن يحرم في ثياب القطن، والأفضل أن تكون بيضاء.

٣-التلفظ بنية لبس ثوبي الإحرام، ونية الإحرام.

٤-الغسل قبل الإحرام، ويختلف الأعلام في إجزائه عن الوضوء، فيلتزم الشيخ العصفور والسيد الخوئي والشيخ زين الدين(ره) والسيد السيستاني والشيخ الوحيد والسيد الحكيم(دام ظلهم) بإجزائه عن الوضوء، نعم الأفضل ضم الوضوء إليه. بينما يقول السيد الخامنئي والسيد صادق الشيرازي(حفظهما الله) بعدم إجزائه عن الوضوء، فيلزم لمن اغتسل غسل الإحرام ضم الوضوء إليه.

 

ولا تختلف كيفية غسل الإحرام عن غسل الجنابة إلا في النية. فيغسل الرأس والرقبة ثم الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر.

ثم يلبس ثوبي الإحرام، ويأتي بنية اللبس وهي مستحبة فيقول: ألبس ثوبي الإحرام للعمرة المفردة طاعة وقربة إلى الله تعالى.

 

ويعتبر في ثوبي الإحرام : أن يكونا مما تصح الصلاة فيهما، فيعتبر أن يكونا مباحين ولا يكونا متنجسين، كما يعتبر في إحرام الرجل أن لا يكون متخذاً من الحرير.

وبعد فراغ المكلف من لبس ثوبي الإحرام يقوم بعقد نية إحرام العمرة المفردة، والأفضل أن يكون ذلك بعد صلاة الظهر، أو صلاة فريضة، أو صلاة ركعتين، ويقول في النية: أحرم للعمرة المفردة طاعة وقربة إلى الله تعالى.

ثم يأتي بعدها بالتلبية، والصيغة الجامعة عند جميع الفقهاء أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك.

فإذا قال التلبية حرمت عليه محرمات الإحرام.

 

الإحرام من جدة:

وقع الخلاف بين علمائنا في الإحرام من جدة بعد اتفاقهم على أنها ليست من المواقيت، وهذا يجعل الإحرام منها إما بالمحاذاة بناء على القول بجريان المحاذاة في كافة المواقيت، أو بالنذر، بناء على أنها تقع قبل الميقات. وقد ألتزموا جميعاً، بجواز الإحرام منها بالنذر،ما عدا العلامة العصفور(ره) فإن الظاهر من كلامه منع الإحرام منها مطلقاً.  نعم أختلفوا في جواز الإحرام منها بالنذر على قولين:

 

الأول: تقييد جواز الإحرام منها بالنذر بشرطين وهما: عدم تمكنه من الذهاب للميقات، وعدم تمكنه من الذهاب لمكان آخر يصح النذر منه. وهو مختار السيد الخوئي والشيخ زين الدين(ره) والسيدان الحكيم والخامنئي والشيخ الوحيد(حفظهم الله جميعاً). وأعتبر السيد الخوئي والشيخ زين(ره) والشيخ الوحيد أن عليه تجديد إحرامه من أدنى الحل أيضاً.

 

الثاني: البناء على جواز الإحرام منها بالنذر من دون قيد ولا شرط، وهو مختار السيدين السيستاني والشيرازي(دم ظلهما).

ولا يتوقف انعقاد النذر على عدم فعل شيء من محرمات الإحرام، فلو نذر الإحرام من بلده ثم ظلل لم يضر ذلك بنذره ولا بإحرامه، وخالف في ذلك السيد السيستاني(دام بقائه) فاشترط على الأحوط في صحة النذر أن لا يرتكب شيئاً من محرمات الإحرام، فلو نذر الإحرام، وأحرم في المخيط، أو ظلل، لم ينعقد نذره، وبالتالي لم يصح إحرامه.

 

صيغة النذر:

وتكون صيغة النذر بالكيفية التالية:

 

لله علي أن أحرم للعمرة المفردة من جدة طاعة وقربة إلى الله تعالى.

ثم بعد لبس ثوبي الإحرام، يقوم بالتلبية.

 

محرمات الإحرام:

إذا أتى المحرم بالتلبية فقد حرمت عليه أمور يصنفها الفقهاء إلى ثلاثة أصناف:

الأول: ما يختص بالرجال، فيكون محرماً على الرجل دون المرأة.

الثاني: ما يكون مختصاً بالنساء، فيحرم عليهن فقط دون الرجال.

الثالث: ما يكون مشتركاً بين الرجال والنساء، فيحرم عليهما معاً.

 

وسوف نقتصر في هذا المختصر على ذكر ما يبتلى به المحرم في الأقسام الثلاثة.

 

مختصات الرجال:

فمن المختص بالرجال التظليل، وقد اتفقت كلمة الفقهاء الى المنع منه نهاراً حال السير، لكنهم اختلفوا فيه ليلاً، فأختار العلامة العصفور والسيد الخوئي (ره) والسيد الحكيم والسيد صادق الشيرازي(حفظهما الله) عدم جوازه ليلاً أيضاً، وأحتاط وجوباً بتركه الشيخ الوحيد (دام بقائه)، وألتزم الشيخ زين الدين(ره) والسيد السيستاني والسيد الخامنئي(دام بقائهما) بجوازه في الليل، واحتاطا وجوباً بعدم جوازه حال المطر، وكذا حال البرد عند السيد الخامنئي.

 

وكما أختلف في زمان التظليل، فقد أختلف في مكانه، فيتفق الفقهاء جميعاً على حرمته في التنقل من مكان إلى مكان آخر، لكنهم يختلفون في حكمه حال التنقل في المكان الواحد كما لو أراد الانتقال في أنحاء مكة، فأختار العلامة العصفور والسيد الخوئي(ره) والشيخ الوحيد والسيد صادق الشيرازي(دام ظلهما) جواز التظليل حال التنقل داخل المنطقة الواحدة. وأختار الشيخ زين الدين(ره) والسيد الحكيم(دام بقائه) عدم الجواز، وأحتاط وجوباً السيدان السيستاني والخامنئي(دام ظلهما) بعدم الجواز.

 

ومن المختص بالرجال أيضاً تغطية الرأس والأذنين، وقد أختلف في تغطية الأذنين بالجوال، فأحتاط السيد السيستاني(دامت بركاته) وجوباً بعدم الإستعمال، بينما قال بقية الأعلام المعاصرين(حفظهم الله) بجواز استعماله.

 

مختصات النساء:

وأما المرأة فمن المحرمات التي تختص بها تغطية الوجه، نعم يجوز لها تغطيته عن الأجنبي، نعم أختلف الأعلام في مقدار ما تغطيه من وجهها، وكيفية التغطية، تطلب من المطولات.

 

المشتركات:

ومن المشترك بينهما استعمال الإدهان، نعم يمكن للإنسان الذي يخشى التسلخات الجلدية رجلاً كان أو امرأة استعمال الأدهان غير المطيبة قبل الإحرام بقصد التداوي.

 

الطواف وصلاته:

الثاني من واجبات العمرة المفردة الطواف حول الكعبة المعظمة سبعة أشواط، وهو واجب في نفسه تبطل العمرة بتركه عمداً أو جهلاً.

ونية الطواف أن يقول: أطوف حول هذا البيت سبعة أشواط للعمرة المفردة طاعة وقربة إلى الله تعالى.

 

وللطواف شروط وواجبات:

أما الشروط، فعدة أمور نشير لأهمها:

١-النية، وذلك بأن يأتي بالعمل متقرباً به إلى الله سبحانه وتعالى، فيطوف حول الكعبة قاصداً القربة لله تعالى.

٢-أن يكون على طهارة من بداية الطواف إلى نهايته. سواء كانت الطهارة بوضوء أم بغسل يجزي عن الوضوء.

 

تنبيه:

إذا انتقض وضوء المعتمر يمكنه الخروج من الطواف وتجديد الوضوء إذا كان ذلك بعد إكمال نصف الطواف، وإكمال الشوط الرابع عند السيد السيستاني(دامت بركاته)، ويعود لإكماله من حيث قطع مع مراعاة الموالاة. ومقتضى الإحتياط اجتناب الوضوء بماء زمزم الموجود في الحرم والمعدود للشرب.

٣-أن يكون بدنه ولباسه خاليين من أي نجاسة، الغائط أو الدم، وما شابه ذلك. فلو كان بدنه أو لباسه متنجساً لم يصح طوافه. نعم هناك خلاف بين الفقهاء في وجود الدم القليل المعفو عنه في الصلاة، فقال السيد الخوئي والشيخ زين الدين(ره) والسيد السيستاني بأن وجوده يضر بصحة الطواف على الأحوط وجوباً، بينما أفتى السيد الحكيم والشيخ الوحيد(حفظهما الله) بلزوم الإجتناب، وقال الشيخ العصفور(ره) والسيدان الخامنئي والشيرازي(دام ظلهما) أن وجوده لا يضر بصحة الطواف.

٤-ستر العورة بالحدود المعتبرة، فعلى المرأة حال طوافها مراعاة عدم خروج ما يجب عليها ستره حال الصلاة، فلا يظهر شيء من شعرها خلال الطواف.

 

واجبات الطواف: وهي أمور أيضاً نشير إلى بعضها:

الأول والثاني: أن يكون ابتداء طوافه من الحجر الأسود وانتهائه عنده، فيبدأ الشوط من الحجر الأسود وينتهي بوصوله إليه. نعم الأفضل أن يبدأ طوافه قبل الحجر قليلاً.

ومن الأخطاء الشائعة ابتداء الطواف بالركن اليماني ظناً أنه الحجر الأسود، فعلى المعتمر الالتفات إلى ذلك.

 

الثالث: أن تكون الكعبة على يسار الطائف في جميع أحوال الطواف، فلو استقبلها أثناء الطواف بسبب دفعه من الطائفين لم يعدّ ذلك المقدار من الطواف.

ولا يعتبر في جعل الكعبة على يسار الطائف ملاحظة الدقة العقلية الهندسية، بل يكفى صدق ذلك عرفاً بحيث لو رآه شخص قال أنها على يساره.

الرابع: أن يكون الطواف خلف حجر إسماعيل، بحيث يدخل الحجر في الطواف، فيطوف من خلفه لا من داخله، ولا من فوقه.

ويختلف الفقهاء في وضع الطائف يده على حجر إسماعيل ، فقال الشيخ زين الدين(ره) بعدم جواز وضعها عليه، ولو وضعها لم يحتسب ذلك المقدار من الطواف، وقال السيد الخوئي(ره) أن الأحوط وجوباً اجتناب وضعها عليه، وكذلك السيد الحكيم(دام ظله)، ولا إشكال فيه عند بقية الأعلام. وقد يظهر من الشيخ العصفور عدم جواز وضع اليد عليه، لقوله بعدم جواز وضعها على الجدار الخارجي.

 

الخامس: أن يدخل الشاذروان في الطواف، فلا يطوف عليه بل يطوف بعده.

السادس: أن يكون عدد الأشواط سبعة، فلا يكتفي بالأقل، كما يبطل الطواف بالزيادة العمدية.

السابع: الموالاة بمعنى التتابع بين الأشواط السبعة.

الثامن: إن تكون حركته حال الطواف حركة إرادية، وبإختيار منه، فلا يكون المتحكم في حركته غيره.

التاسع: أن يكون الطواف بين الكعبة ومقام إبراهيم، وهو واجب عند العلامة العصفور والشيخ زين الدين(ره) والسيد الحكيم(دام ظله)، وعلى الأحوط وجوباً مع عدم العسر عند السيد الشيرازي(دام ظله)، والأفضل عند بقية الأعلام.

 

صلاة الطواف:

وبعد الفراغ من الطواف، على المعتمر المبادرة مباشرة لأداء صلاة ركعتي الطواف، ونيتها: أصلي ركعتي طواف العمرة المفردة طاعة وقربة إلى الله تعالى.

وتكون الصلاة خلف مقام إبراهيم(ع) بأن يجعل المقام قبلة له. ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة التوحيد(قل هو الله أحد) ، وفي الركعة الثانية بعدها سورة الجحد(قل يا أيها الكافرون).