18 يوليو,2018

الزواج بالكتابية (1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

الزواج بالكتابية(1)

 

اختلف الأعلام في مشروعية الزواج بالكتابية على أقوال أشار إليها الفاضل الهندي(ره) في كتابه كشف اللثام، وقد عدها خمسة أقوال، ويمكن حصرها في ثلاثة:

 

الأول: البناء على جواز التزويج بها مطلقاً، سواء كان الزواج دواماً أم كان الزواج منقطعاً، وهو مختار ابن أبي عقيل، والصدوقين(ره).

الثاني: البناء على عدم جواز التـزويج بها مطلقاً، وقد اختاره كل من السيد المرتضى، والشيخ(ره)، وقد قواه ابن إدريس(ره).

الثالث: التفصيل بالالتزام بجواز نكاحها في بعض الموارد دون موارد أخر، وقد ذكرت أقوال في هذا التفصيل:

 

منها: التفصيل بين الدوام والمنقطع، فلا يجوز نكاحها دواماً، ويجوز منقطعاً، وهو قول أبي الصلاح وسلار من القدماء، وعليه المتأخرون.

ومنها: التفصيل بين الاختيار والاضطرار، فلا يجوز نكاحها حال الاختيار مطلقاً سواء كان دواماً أم كان منقطعاً، ويجوز حال الاضطرار، سواء كان دواماً أم كان منقطعاً، قاله ابن الجنيد على ما في المختلف.

ومنها: التفصيل بين الاختيار والاضطرار في خصوص الدائم، فلا يجوز حال الاختيار، ويجوز حال الاضطرار، وأما في المنقطع، فلا إشكال فيه.

 

والمتيقن من الكتابية في المقام خصوص اليهودية والنصرانية، للخلاف في كون الصابئة والمجوس من أهل الكتاب.

 

وتنحل المسألة إلى فرعين:

الأول: نكاح الكتابية مع عدم كونه متزوجاً بأمرأة مسلمة.

الثاني: نكاحها مع  كونه متزوجاً منها.

والظاهر عدم تفريق الأعلام في الأقوال المحكية عنهم بين الفرعين، نعم قد تضمن التفريق المذكور في كلمات بعض أساطين العصر من المحققين(دامت أيام بركاته)، مع احتياطه بعدم مشروعية نكاحها مطلقاً دواماً ومنقطعاً حال وجود زوجة مسلمة تحته، ولو كان ذلك برضاها.

ومع تعدد الأقوال في المسألة يصعب دعوى إجماع فيها، نعم لا ينكر وجود شهرة في بعض الأقوال كما عرفت، وعليه سوف يكون الدليل منحصراً في الكتاب العزيز، والسنة الشريفة.

 

الاستدلال بالكتاب العزيز:

وقد استدل القائلون بعدم مشروعية نكاحها بمجموعة من الآيات الشريفة:

منها: قوله تعالى:- (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)[1]، ويمكن تقريب دلالتها على المنع ببيانين:

الأول: من خلال الاستناد لسعة مفهوم المشرك الذي جعل موضوعاً للنهي الوارد في الآية الشريفة حتى يشمل الكتابية، ويمكن تقريب شموله للكتابية، بلحاظ قوله تعالى:- (قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله)[2]، فإن المستفاد من هذه الآية أنهم قد جعلوا لله سبحانه وتعالى شركاء. وكذا قوله تعالى:- (اتخذوا رهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون)[3]، فإن أتخاذهم رهبانهم أرباباً بالإضافة إلى الله سبحانه وتعالى، لا أنهم قد جعلوهم آلهة وأنكروا وجود الله سبحانه، ويساعد على ذلك أيضاً وصف الله سبحانه وتعالى إياهم في ذيل الآية الشريفة بالمشركين، قال سبحانه:- (سبحانه عما يشركون).

ومثل ذلك قوله تعالى:- (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)[4].

 

وبالجملة، إن مقتضى ملاحظة جملة من الآيات الشريفة يفيد البناء على كون أهل الكتاب مشركين، فتكون الآية الشريفة الدالة على حرمة نكاح المشركة شاملة لهم.

وبعبارة ثانية، إن تقريب الاستدلال بالآية المباركة يكون من خلال تشكيل قياس منطقي من الشكل الأول:

كبراه: حرمة نكاح المشركة.

صغراه: الكتابية مشركة، فتكون النتيجة حرمة نكاح الكتابية.

 

الثاني: الاعتماد على مفهوم الغاية الذي تضمنته الآية الشريفة، وهو المستفاد من قوله تعالى:- (حتى يؤمن)، فإن مفاده عدم جواز زواج المسلم من غير المسلمة، وأن جواز ذلك بها معلق على حصول الإيمان منها.

نعم تعتمد تمامية هذا التقريب على التسليم بالسعة الموجودة في مفهوم الشرك، وأنه شامل للكتابية كشموله لغيرها، وقد تقدم في البيان الأول.

وقد منعت السعة في البيان الأول إما لانصراف مفهوم الشرك المذكور في الآية الشريفة لغير الكتابي، أو لأنه موضوع حقيقة لغير أهل الكتاب، ويساعد على ذلك عطف مفهوم الشرك في جملة من الآيات على أهل الكتاب، مثل قوله تعالى:- (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين)[5]، إذ لا ريب في كون العطف يقتضي المغايرة. وكذا قوله تعالى:- (ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً)[6].

 

ويلاحظ عليه، أولاً: بمنعه، لأن مفهوم الشرك من المفاهيم المشككة، وهذا يعني أن العطف الواقع في بعض الآيات الشريفة غايته الإشارة إلى مزيد العناية والاهتمام ببعض الأقسام الواردة فيه.

ثانياً: إن الانصراف المذكور لا يصلح لرفع اليد عن الظهور في العموم الشامل للكتابي وغيره، لأنه من الانصراف الناشئ من غلبة الوجود، وليس ناشئاً من كثرة الاستعمال.

وقد ذكر بعضهم أن ما جاء في ذيل الآية الشريفة محل البحث:- (سبحانه عما يشركون)، لا يمنع من حصول الانصراف لمفهوم الشرك لغير الكتابي. ولم يتضح لي وجه ذلك، لما سمعت من أن التعبير المذكور يكشف عن كون الكتابي أحد مصاديق المشرك، فكيف مع ذلك يتحقق الانصراف؟!

 

وقد منع من الاستناد للآية الشريفة بعد التسليم بدلالتها على المطلوب، كونها منسوخة بقوله تعالى:- (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتوهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان)[7]، لدلالتها على جواز نكاح الكتابية، وهي إحدى آيات سورة المائدة التي هي آخر ما نزل من القرآن الكريم على النبي الأكرم محمد(ص)، بينما الآية محل البحث إحدى آيات سورة البقرة، فتكون آية الحل ناسخة للآية مورد البحث، ومن هنا قال أصحاب القول الأول بالجواز مطلقاً، بل حتى القائلين بالجواز في الجملة بأحد التفصيلات السابقة، بنوا على أن الآية المذكورة مخصصة بالنصوص الآتية.

والحاصل، لا ريب في دلالة الآية الشريفة على جواز التزويج بالكتابية، وهي بحسب لسانها عامة شاملة لمورد الدوام والمنقطع، وقد نسخت آية المنع من نكاح المشركات لما سمعت.

ومنها: قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهن ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليكم حكيم)[8]، ومورد الاستدلال هو قوله تعالى:- (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، فإن المقصود من الإمساك معناه العرفي ولا يراد به معنى آخر، وأما العصم، فقد ذكر في المفردات: العصام هو ما يمسك به الشيء ويشد[9]. ولعله مأخوذ من المعصم لأنه عندما يراد مسك الإنسان يشد معصمه، وعليه تكون عصمة المرأة ما يمسكها ويشدها عن الرذيلة والخطيئة وهو الإحصان لأنها عندما تتزوج تصبح محصنة ومشدودة إلى الزوج، وبسبب هذه العصمة لا يمكنها إقامة أية علاقة مع رجل آخر. والكوافر جمع كافرة.  فالنهي الإلهي الوارد في الآية الشريفة عن الإمساك إشارة إلى المنع من إبقاء هذه العصمة ولزوم فكها وعدم بقائها.

وعليه، سوف يكون مدلول الآية الشريفة هو النهي عن استمرار تلك العصمة التي بين الرجل المؤمن والكافرة لأنها كانت زوجته قبل الإسلام، لكن بعدما أسلم فإن تلك العصمة تنقطع فلا يجوز له إبقائها، وعليه أن يتجنبها، فتدل الآية الشريفة على انقطاع العلاقة الزوجية التي كانت ثابتة قبل الإسلام، وإذا كانت العلاقة الزوجية الثابتة قبل الإسلام تنقطع، لأن الزوجة كافرة، فمن باب أولى يمنع من إيجاد علاقة زوجية جديدة بين المسلم والكافرة.

 

ومقتضى عموم الآية الشريفة المنع من تزويج مطلق الكافرة بما في ذلك الكتابية من دون فرق بين كون التـزويج دواماً أو منقطعاً، إلا أن يدل دليل على جواز التـزويج بالكتابية مثلاً مطلقاً أو في المنقطع دون الدوام.

والحاصل، سوف يتمسك بعموم الآية الشريفة على المنع من تزويج المسلم بالكافرة ابتداء واستمراراً، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك، فيكون مخصصاً لهذا العموم.

ويؤيد النتيجة المذكورة، ما ورد من استدلال الإمام(ع) بالآية الشريفة لبيان حرمة التـزويج بها، فعن زرارة عن أبي جعفر(ع) قال: لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت: جعلت فداك، وأين تحريمه؟ قال: قوله:- (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)[10]. لظهور كلمة(لا ينبغي) في المنع، وعدم الجواز. نعم في سندها درست،

 

وقد منعت دلالتها على العموم بأحد بيانين:

الأول: بملاحظة سبب نزولها، لدلالته على أن المقصود بالكافرة في الآية هي خصوص الكافرة الوثنية وليس مطلق الكافرة، فعن ابن عباس، أنه صالح رسول الله(ص) بالحديبية مشركي مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده عليهم، ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله(ص) فهو لهم، ولم يردوه عليه، وكتبوا بذلك كتاباً ختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب والنبي(ص) بالحديبية فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم، وقال مقاتل هو صيف بن الراهب في طلبها وكان كافراً، فقال: يا محمد، اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فنـزلت الآية:- (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات) من دار الكفر إلى دار الإسلام فامتحنوهن، قال ابن عباس: امتحانهن أن يستحلفن ما خرجت من بغض زوج، ولا رغبة عن أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، وما خرجت إلا حباً لله ولرسوله فاستحلفها رسول الله(ص) ما خرجت بغضاً لزوجها ولا عشقاً لرجل منا ولا خرجت إلا رغبة في الإسلام فحلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، فأعطى رسول الله(ص) زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها عليه، فتـزوجها عمر بن الخطاب[11].

الثاني: ما جاء في كلام بعض الأساتذة (دام ظله) من خلال مختاره في مانعية القدر المتيقن في مقام التخاطب من انعقاد الإطلاق، وذلك لأن دلالة الآية على الإطلاق من خلال حذف المتعلق، فتكون شاملة للكتابية كشمولها لغيرها، لكن لما لم يذكر ما قد كفرنا به، وأنه الكفر بالله سبحانه، أو بالتوحيد مثلاً، فتختص الآية بالملحدات والمشركات، أو بنبوة رسول الله(ص)، فتشمل الكتابيات. فيقتصر على القدر المتيقن من ذلك، وهو ما كان راجعاً للكفر بالله سبحانه وتعالى أو بالتوحيد، فلا تشمل الكتابيات[12].

 

وكلاهما، يمكن الجواب عنهما، فإن الأول، لا يصلح أن يكون قرينة مانعة من انعقاد الإطلاق، لأنه يشير إلى فرد من الأفراد، لا أنه تمام موضوع الحكم الوارد في الآية الشريفة، ويساعد على ذلك، ما يتكرر دائماً، من أن المورد لا يخصص الوارد.

وأما الثاني، فإن الجواب المذكور، صغروي، يرجع للمختار في مقدمات الحكمة، وأن القدر المتيقن في مقام التخاطب مانع من انعقاد الإطلاق أو لا، وقد قرر في محله عدم مانعيته.

 

على أنه لو رفعت اليد عن ما تقدم، فإنه يمكن البناء على شمول الآية الشريفة لهن وإن كان المقصود بذلك الكفر بالله سبحان وتعالى أو التوحيد، لما هو المعروف من أن أهل الكتاب يلتـزمون أن عزير وعيسى(ع) أبناء الله سبحانه، وهذا يعني عدم قولهم بالتوحيد.

نعم يجاب عن دلالة الآية على المطلوب، من خلال تخصيص عمومها بقوله تعالى:- (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتوهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان)[13]، لأنها تدل على جواز نكاح أهل الكتاب مطلقاً فتكون مخصصة للعموم المذكور. بل هناك كلام في كون هذه الآية ناسخة للآية محل البحث، ولعل النسخ أقرب من التخصيص، خصوصاً بملاحظة صدر الآية الشريفة:- (اليوم أحل لكم الطيبات) فإن هذا التعبير كاشف عن وجود أمر محرم، والآن قد حل. والظاهر عدم الخلاف في تأخر نزول سورة المائدة عن سورة الممتحنة، كما أن جميع آياتها متأخرات أيضاً، فقد نزلت آية سورة الممتحنة في السنة السادسة من الهجرة عند عقد صلح الحديبية، ونزلت سورة المائدة في السنة العاشرة منها.

 

ويمنع ذلك ما جاء في صحيح زرارة أن قوله تعالى:- (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، هو الناسخ لقوله تعالى:- (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب)، فعنه قال: سألت أبا جعفر(ع) عن قول الله عز وجل:- (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)؟ فقال: هي منسوخة بقوله تعالى:- (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)[14].

ويؤيده ما جاء في تفسير العياشي، عن مسعدة بن صدقة، قال: سئل أبو جعفر عن قول الله:- (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، قال: نسختها:- (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)[15].

ومرسل الطبرسي، حيث روى عن أبي الجارود أن آية المائدة منسوخة بآيتين:- (لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)، وبقوله تعالى:- (لا تمسكوا بعصم الكوافر)[16].

 

وفي هذا احتمالان:

الأول: أن تكون الآية محل البحث قد نزلت مستقلة عن آيات سورة الممتحنة، ويكون ذلك بعد نزول سورة المائدة، ومتأخرة عنها ليصح نسخها لآية سورة المائدة.

ويمنعه، ما ذكروه من سبب نزول للآية المذكورة، وقد تقدمت الإشارة إليه.

الثاني: أن تكون الآية المذكورة قد كرر نزولها، فنـزلت مرة في واقعة الصلح بين رسول الله(ص)، وقريش في السنة السادسة من الهجرة، ونزلت مرة ثانية بعد نزول سورة المائدة، في السنة العاشرة من الهجرة.

وهو وجيه، لو وجد له شاهد يساعد عليه، وإلا كان مجرد احتمال ثبوتي ليس إلا.

 

وقد عالج مشكلتها العلامة المجلسي(ره)، بما حكاه عن والده(قده) من حمل النسخ الوارد فيها ليس على رفع الحكم الثابت من الجواز إلى الحرمة، بل بكون المقصود من نسخها، يعني كراهة التزويج منها، بعدما ثبتت مشروعيته، لكون النهي أعم من الحرمة والكراهة[17]. وهو خلاف الظاهر، لأن معنى النسخ لا يتحمل ما ذكره(ره)، وكون النهي ظاهراً في الأعم من الحرمة والكراهة ليس واضحاً، بل قد قرر في محله ظهوره في الحرمة.

إلا أن مخالفة صحيح زرارة وغيره من الأخبار للقاعدة العقلية المعتبرة في نقد النصوص، لمخالفتها لما ثبت تاريخياً من سبق نزول سورة الممتحنة على نزول سورة المائدة، وأن ذلك من المسلمات، مانع من البناء على صدورها، وموجب لرفع اليد عنها، ولزوم ردها إلى أهلها.

وعليه، لا يكون في المقام ما يمنع من تحكيم آية سورة المائدة، للدلالة على مشروعية نكاح الكتابية مطلقاً.

 

ومنها: التمسك بقوله تعالى:- (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم)[18]. فقد تضمنت النهي عن المودة لكل من يحاد الله ورسوله مهما كانت العلقة نسبية أو سببية معه، ولا ريب في أن الزواج بامرأة ما، يوجب وجود مودة ومحبة إليها، لأن الزواج لا ينفك عن ذلك عادة، لم يجز الزواج بالكتابية، للنهي عنه، لأنها غير مؤمنة لله تعالى، وتحاد الله عز وجل ورسوله(ص).

 

وقد أجيب عنها ببيان منا، بأجوبة ثلاثة:

الأول: بمنع وجود الملازمة المدعاة في الآية الشريفة بين التـزويج والموادة التي هي بمعنى الموالاة، لأن النسبة بين العنوانين نسبة العموم من وجه، إذ يمكن أن يحصل الزواج من دونها، كما يمكن حصولها من دونه، ويمكن أن يجتمعا، وهذا يعني أن التـزويج ليس مصداقاً من مصاديق الآية الشريفة. ويساعد على ذلك، أن التـزويج غايته قضاء حاجة في النفس وتلبية رغبة موجودة فيها، وليس التـزويج غايته موالاة الكفر، وتأيـيد الكافر على ما هو عليه.

الثاني: إن المنهي عنه في الآية الشريفة ليس المنع عن موادة مطلق الكافر، ليقال مثلاً بعدم مشروعية مودة الطبيب الماهر، والمهندس المتميز، والمعلم البارع، وغيرهم من أصحاب الحرف والمهن والصناعات، لمجرد كونهم كفاراً، بل إن المنهي عنه فيها هو من يكون متصفاً بصفة المحادة لله سبحانه وتعالى ورسوله(ص) وعدم الموالاة لهما، فكل من لم يكن متصفاً بهذه الصفة لا إشكال في مودته، وإن كان كافراً.

 

الثالث: إن من المحتمل جداً عدم كون الآية الشريفة من آيات الأحكام حتى يستفاد منها حكم شرعي، وهو حرمة التـزويج بالكتابية مثلاً، فإن الآية الشريفة بصدد الحديث عن المنافقين الذين كانوا يتعاونوا مع اليهود ضد النبي الأكرم محمد(ص)، والمسلمين، فينقلون لهم أخبار المسلمين كاملة، ويعمدون للتخطيط معهم للتنكيل بالمسلمين والإساءة إلى رسول الله(ص)، ومن معه من المسلمين، ويساعد على ذلك ملاحظة ما سبقها من آيات مثل قوله تعالى:- (ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون* أعد لهم عذاباً شديداً إنهم ساء ما كانوا يعملون* اتخذوا أيمناهم جنة فصدوا عن سيل الله فلهم عذاب مهين* لن تغني عنهم أوالهم ولا أولادهم من الله شيئاً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون* يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون* استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون* إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين)[19].

ومنها: قوله تعالى:- (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن إذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف)[20]، فإن المستفاد من الآية الشريفة أن من لا يملك القدرة على الزواج من الحرة المؤمنة، فعليه أن يتـزوج من الأمة المؤمنة، وهذا يعني أنه يعتبر في الزوجة قيد الإيمان، وأن تكون متصفة بذلك، فلا يجوز الزواج ممن المرأة التي لا تكون متصفة به.

ولا يخفى أن دلالتها على المطلوب، مبنية على الالتزام بثبوت المفهوم للوصف، وقد قرر في محله منع ذلك، على أنه لو سلم بثبوت المفهوم له، فإن آية سورة المائدة تصلح لرفع اليد عن الحكم الوارد فيها.

 

 

 

_______________

[1] سورة البقرة الآية رقم 221.

[2] سورة التوبة الآية رقم 30.

[3] سورة التوبة الآية رقم 31.

[4] سورة المائدة الآية رقم 73.

[5] سورة البقرة الآية رقم 105.

[6] سورة آل عمران الآية رقم 186.

[7] سورة المائدة الآية رقم 5.

[8] سورة الممتحنة الآية رقم 10.

[9] مفردات غريب القرآن ص 336.

[10] وسائل الشيعة ج 20 ب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 4 ص 534.

[11] مجمع البيان ج 6 ص 50.

[12] مجلة فقه أهل البيت العدد 39 ص 13.

[13] سورة المائدة الآية رقم 5.

[14] وسائل الشيعة ج 20 ب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 1 ص 533.

[15] وسائل الشيعة ج 20 ب  من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح  ص

[16] وسائل الشيعة ج 20 ب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ح 7 ص 535.

[17] مرآة العقول ج 20 ص 68.

[18] سورة المجادلة الآية رقم 22.

[19] سورة المجادلة الآيات 14-20.

[20] سورة النساء الآية رقم 25.