18 يناير,2019

ازدواج الشخصية

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).(سورة الصف الآيتان رقم )

مدخل:

يتميز كل فرد من أفراد البشر بعضهم من بعض بالشخصية، ومن خلالها يمكن معرفة الموقعية الحقيقية والواقعية الذاتية لكل أحد.

نعم لا ينكر وجود تشابه عند الأشخاص بعضهم ببعض من حيث الصفات النوعية، وردود الفعل المشتركة، ومن جهة الجوانب العامة للحياة الاجتماعية، إلا أنه مع ذلك توجد لكل فرد كيفيات خاصة من حيث الخصائص الطبيعية والتربوية.

الشخصية الإسلامية:

والذي يهمنا الحديث عنه هي الشخصية الإسلامية، فلا علاقة لنا بالمقومات التي يتعرض لها علماء النفس وعلماء الاجتماع للشخصية، بل نقتصر التعرض لخصوص العناصر التي تشكل الشخصية الإسلامية، مكتفين بذلك، لعدم ارتباط غيره بمحل بحثنا.

عناصر الشخصية الإسلامية:

تتكون الشخصية الإسلامية من ثلاثة عناصر، وهي:

1-الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

2-الحب لله عز وجل.

3-حلول الإرادة الربانية، محل الإرادة الشخصية.

الإرادة الربانية محل الإرادة الشخصية:

ونركز حديثنا على العنصر الثالث، وتوضيحه:

إن لله تعالى إرادتين:

الأولى:إرادة تكوينية:وهي إرادة تـتعلق بذات الفعل والحدث، ولا ربط لها بالإنسان من قريب أو بعيد، ويشير لها قوله تعالى:- (إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون).

الثانية:إرادة تشريعية:وهي الإرادة الإلهية التي تـتعلق بفعل الإنسان على أن يصدر الفعل منه باختياره وحريته، كإرادة الصلاة والصوم وترك شرب الخمر،وما شابه ذلك.

ومن الواضح أن الإرادة التي تحل محل الإرادة الشخصية هي الإرداة التشريعية، ومعنى حلولها، أن تكون إرادة المسلم، وجهازه الحاكم في شخصيته ممتثلاً لإرادة الله تعالى، ومنسجماً معها.

ويتحقق ذلك من خلال حيثيات ثلاث:

الأولى:القدرة على التحكم في الأهواء، والشهوات، والسيطرة عليها، ومخالفتها، وتسمى الإرادة من هذه الجهة بـ(الصبر).

الثانية:انسجام هذه الإرادة، وتوافقها مع الإرادة الربانية التشريعية، وتسمى الإرادة بهذا اللحاظ بـ(الطاعة)أو (الالتزام).

الثالثة:انبعاث الإرادة الشخصية عن الإرادة الإلهية،أو عن دافع ديني عام،وهذا هو(الإخلاص).

ثم إن الشخصية الإسلامية باعتبار تمكن الإرادة الربانية فيها،تخرج في سلوكها وتصرفاتها،ومواقفها من دائرة السلوك الفطري الشهوي إلى دائرة السلوك الهادف،والملتـزم،ومن دائرة السلوك الفوضوي المزدوج إلى دائرة النظام،والوحدة والتماسك،ومن دائرة السلوك الأناني الذاتي،إلى دائرة حب الغير.

الفرق بين الشخصية الإسلامية، والشخصية الجاهلية:

ومما تقدم يتضح الفرق بين الشخصية الإسلامية، والشخصية العادية، وتصرفاتها الجاهلية التي لم يتمكن الدين منها، ولم يدخل الإيمان في وجدانها، وقلبها، ويمكننا إبراز الفرق في التالي:

1-إن الشخصية الجاهلية تعيش على شهواتها، وغرائزها الفطرية المصاغة بصياغة اجتماعية مادية، وبهذا تكون نظرتها للغرائز على أنها طاقة ودافع وغاية.

أما الشخصية الإسلامية، فالغرائز لا تكون في العموم سوى طاقة نفسية، ولكنها طاقة تستخدم في غايات أسمى ولخدمة هدف أخلاقي معين، وانسجاماً مع خط رسالي خاص، وهذا معنى خروج الشخصية الإسلامية من دائرة الفطرية والشهوة إلى دائرة الالتزام والهدفية.

2-إن للإنسان شهوات متعددة، وغرائز مختلفة وميول متباينة، نابعة من الغرائز، والشهوات الفطرية، والشخصية الجاهلية لا تملك محوراً مركزياًً وقيادة مركزية، تقوم بالتنسيق بين هذه الشهوات، والغرائز، والميول، وبذلك فهي تعاني من الفوضى والتعدد، والازدواج، والاضطراب النفسي.

أما الشخصية الإسلامية، فإنها بعكس ذلك، لامتلاكها المحور المركزي، الذي يتمثل في الإرادة الربانية، والحس الأخلاقي المتعلق بالله تعالى، وهذا يحقق وحدة الشخصية وانسجام طاقاتها، وتلاحمها لخدمة هدف معين، فتخرج الشخصية الإسلامية من دائرة السلوك المزدوج الفوضوي إلى النظام والوحدة والتماسك الذاتي.

3-إن الشخصية الجاهلية أنانية، لا تعمل لسوى ذاتها، ولا تخدم غير أغراضها الشخصية، وهذا بخلافه في الشخصية الإسلامية، فإنها شخصية أخلاقية تسعى إلى مثل أخلاقي أعلى يحقق للمجتمع مصلحته في الوقت الذي يحقق فيه للفرد مصالحه الشخصية.

الشخصية الإسلامية المزدوجة:

هذه هي الشخصية الإسلامية التي ينبغي أن تكون شخصياتنا موافقة إليها لما في ذلك رضا لله تعالى، ولنبيه(ص)وآله الطاهرين(ع)، لكن نجد في واقعنا ما يمكن تسميته بالشخصية الإسلامية المزدوجة، أو ازدواج الشخصية المسلمة، فنرى أشخاصاً يعيشون حالة من التشتت والتضارب في الأفكار والانتماءات، بحيث تجتمع عندهم في نفس الوقت أشياء فكرية أو غيرها لا تنسجم مع بعضها البعض، فهناك تضارب وتصارع فكري عندهم.

وهذا ما يعبر عنه في الدراسات النفسية بالازدواج في الشخصية.

وهؤلاء لما لم تتمكن الإرادة الربانية من السيطرة الكاملة على الإرادة الشخصية، والتحكم الكامل في قواها ودوافعها، نجم ذلك.

بين الازدواج والنفاق:

وقد يتصور البعض أن هناك تساوياً واتحاداً بين الازدواج والنفاق، فيعتقد أن لا فرق بينهما، أو أن الازدواج في الشخصية ضرب من ضروب النفاق.

لكن هذا التصور في غير محله، لأن المنافق ليس مزدوج الشخصية بين الإسلام والكفر، لا من جهة عقائدية، ولا من جهة ثقافية، ولا من جهة نفسية سلوكية، وإنما هو كافر خالص يعلن إيمانه زوراً ومنافاة، قال تعالى:- (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون).(سورة المنافقون الآية رقم 1).

أما الإنسان المزدوج الشخصية فهو الذي يعيش في نفسه قوى متصارعة ليس لأحدها الغلبة على الأخرى.

الازدواج الصريح والازدواج الخفي:

هذا وهناك قسمان للازدواج يلحظان في حياة الإنسان، وهما:

1-الازدواج الصريح.، وهو الجلي الواضح الذي يطلع عليه الجميع ويعرفونه، كمن يعمل مرة لدينه، ومرة يعمل لشياطينه، ويمكن للإنسان من الخارج أن يكتشفه، ويحكم عليه.

2-الازدواج الخفي، وهو الذي يظهر فيه الإنسان متديناً في كل شيء، لكنه في حقيقة أمره منشطر الذات إلى شخصيتين، شخصية متدينة، وأخرى منحرفة، فهو يظهر بمظهر ديني، لكن يخفي في نفسه حب المال والجاه، والدنيا.

وعلى أي نشير إلى قسمين، من الازدواج في الشخصية المسلمة.

الازدواج الديني:

ونعني به الازدواج في جنبة الالتزام الديني، بحيث يعيش بعض الأفراد الالتزام والتقيد ببعض الأحكام دون البعض، ويعمل بما يكون منسجماً مع أهوائه ومصالحه وأغراضه دون ما لا يكون كذلك، فلو أضرت الصلاة بأمواله أو بدنه أو بعض أعماله، لرفضها، وهكذا.

وقد وبخ الله تعالى اليهود على استخدامهم هذا المنهج المزدوج في امتثال تعاليم الله تعالى، وأنذرهم بخزي الدنيا وعذاب الآخرة، قال تعالى:- (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض).(سورة البقرة الآية رقم 85)،لأنهم التزموا بالأحكام التي تنسجم مع مصالحهم الدنيوية من الأحكام،أما حين تقتضي مصلحتهم أن يريقوا دم الآخرين ويستضعفوهم،فلا يألون جهداً في ارتكاب كل ذلك،مخالفين أحكام رب العالمين.

والعمل بالأحكام التي تنسجم مع مصالح الإنسان الدنيوية، لا ينطوي على دلالة تكشف عن طاعة العبد لله تعالى وعباداته، لأن الدافع لم يكن الاستجابة إلى دعوة الله بقدر ما كان استجابة لنداء الذات والمصالح الذاتية.

وإنما تبرز روح الطاعة لدى التزام الإنسان بما لا ينسجم مع مصالحه الآنية الذاتية، وهذا هو المعيار الذي يميز به المؤمن عن العاصي.

وعليه تكون الازدواجية في الالتزام بأحكام الله تعالى، كاشفة عن روح العصيان، بل ربما عن عدم الإيمان، لأن الإيمان يظهر أثره فيما لو كان القانون على خلاف مصالح الفرد، ومع ذلك يلتـزم به، وإلا فإن العمل بالأحكام الشرعية والقوانين إذا اتفقت مع المصالح الشخصية، لا يعتبر افتخاراً، ولا علامة على الإيمان، ولهذا يمكن تميـيز المؤمنين عن مزدوجي الشخصية من هذا الطريق، فالمؤمنون يلتـزمون بجميع الأحكام، ومزدوجي الشخصية يذهبون إلى التبعيض.

ثم إنه بمقتضى الآية القرآنية، سيكون مصير هذه الأمة هو الخزي في الدنيا، وأشد العذاب في الآخرة، لأن هذه السنة الكونية لا تقتصر على بني إسرائيل، بل هي سارية في كل زمان ومكان، وتشملنا نحن المسلمين أيضاً.

وأي خزي أعظم من هذا الخزي الذي تعيشه الأمة الإسلامية، وقد سقطت في مستنقع الذلة على الساحة العالمية، وصارت بيد الغزاة الجانب، وما عادت تملك إرادتها وحريتها، فها هي تقف مكتوفة الأيدي أمام المجازر التي ترتكب في الأقصى، ولا تحرك ساكناً تجاه شهدائه، ولا زالت أنهر الدم تواصل، ولا من كلمة تشير إلى ما ينبئ عن حرية الأمة، ورفضها للخزي والهوان والذل.

الازدواج الفكري:

فنواجه هنا بعض الطروحات التي تبرز على الساحة من قبل بعض المتمدينين، إذ يثيرون أنه بإمكاننا أن نأخذ من الإسلام الجانب الروحي، والأخلاقي، والعبادي، في الجوانب التشريعية المتعلقة بالحياة،بل حتى قانون الأحوال الشخصية في النكاح والطلاق،أما التنظيم الاقتصادي والسياسي والتخطيط الاجتماعي،فلابد لنا من الرجوع إلى الفكر الغربي الأوربي،لأن هذا الفكر يرتكز على قواعد علمية مبنية على دراسة الواقع من خلال المعطيات العامة التي أفرزها التطور،ويقررون في هذا المجال،أن التشريعات الإسلامية التي تـتصل بهذه الجوانب،لا تفي بحاجة الحياة إلى التنظيم والتخطيط،بل قد يترقى بعضهم،ليقول بأن الإسلام لا يحوي مثل هذه الأمور،وعلى فرض وجودها فيه فإنها بالية أكل عليها الدهر وشرب.

ولا يخفى أن هذا نوع من الازدواجية في الجانب الفكري، ونحن نشير للجواب عن مثل هذه الطروحة، بصورة موجزة إذ أن هذه الناحية تحتاج بحثاً موسعاً، ليس هذا مجاله.

إن التدقيق في القواعد العامة الإسلامية التي تضمنتها نصوص الكتاب والسنة الشريفة، وفصلتها أبحاث الفقهاء المسلمين المستمدة من المصادر الأصيلة للتشريع، تكشف عن وجود إمكانات فكرية وقانونية يمكن من خلالها أن تدفع حياة المجتمع إلى الإمام.

ومجرد عدم دراية الشخص بشيء منها، أو عدم إطلاعه عليها، لا يعني أن الإسلام لا يتضمن ذلك، أو أنها غير صالحة لهذا العصر أو ما بعده، وأنها صارت بالية، لا ينتفع بها.

منطقة الفراغ التشريعي:

ثم على فرض أن تلك التشريعات لم تعد متناسبة مع الواقع الحياتي الموجود حالياً، فإنه يمكن للاجتهاد الإسلامي أن يوجد بدائل من قلب التشريع مما يملأ هذا الفراغ، فلولي الأمر أن يمارس حرية التحرك في بعض المجالات العملية العامة، فيفرض على المفكرين المسلمين متابعة البحث عن الأحكام الشرعية، في كل ما استحدثه الإنسان من أوضاع الحياة وشؤونها وأساليبها،وكذا في الواقع السياسي والاقتصادي،والاجتماعي،لئلا يبقى الإنسان في حيرة أمام حركة التطور العام في الحياة.

ثم إن هذه كله،مع رفع اليد عن نقطة موجودة عندنا،وهي مقبولة في الجملة،ومفادها أن لله تعالى في كل واقعة حكماً.