20 سبتمبر,2020

حرية العقيدة (1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

تعتبر مسألة حرية العقيدة من المسائل المهمة للغاية التي تحظى بالعناية في عالم اليوم،خصوصاً مع وجود النداءات المتكررة من المنظمات الدولية كمنظمة حقوق الإنسان،وطروحاتهم الأخيرة،بشأن الحقوق المدنية والسياسية.

فقد جاء في المادة الثامنة عشر من ميثاق الأمم المتحدة بخصوص الحقوق المدنية والسياسية ما يلي:

1-يحق لكل إنسان أن يتمتع بحرية الفكر والوجدان والمذاهب،ومنها حقه في اعتناق المذهب والعقيدة التي يرغبها،كما أن له الحق في التظاهر بمذهبه أو عقيدته انفرادياً أو جماعياً،في الجلوة أو في الخلوة عن طريق العبادات وممارسة الفرائض والطقوس المذهبية.

2-لا يجوز لأحد أن يتعرض أحد لمكروه يخل بحريته في التمتع بدينه أو معتقده،أو في اعتناق ما يوده من مذهب أو عقيدة.

3-لا يجوز أن تخضع حرية التظاهر بالمذهب أو العقيدة لأي نوع من التحديد،إلا فيما ينحصر فيما يستوجب قانوناً تفرضه الضرورة لحماية الأمن والنظم وسلامة الأوضاع أو الحفاظ على العفة العامة أو حفظ حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.

وجاء في المادة التاسعة عشر من نفس الميثاق ما يلي:

1-يحق لكل أحد أن تكون له عقائده مصونة من تدخل الآخرين.

2-لكل إنسان حقه في حرية التعبير عن رأيه،وهذا يشمل حرية البحث عن المعلومات والأفكار وتحصيلها نشرها أياً كان نوعها،بغض النظر عن الحدود،وذلك سواء بصورة شفهية أو كتابية أو مطبوعة أو على شكل فن أو بأية وسيلة أخرى يرغبها.

بعد هذا التصدير،نود الحديث عن مسألة حرية العقيدة من وجهة نظر العقل في رأي الإسلام،ثم نبين الهدف من عرض هذه المسألة في عالم اليوم.

هذا وسيكون حديثنا ضمن ثلاثة محاور:

المحور الأول:معنى العقيدة.

المحور الثاني:منشأ العقيدة.

المحور الثالث:معنى حرية العقيدة.

معنى العقيدة:

قد تقدم منا الحديث حول هذا المحور في الدرس السابق،ووصلنا إلى أن العقيدة عبارة عن كل ما يؤمن به الإنسان سواء أكان حقاً أم باطلاً،صحيحاً أم مخطئاً،مطابقاً للواقع أم غير مطابق،مفيداً له ولمجتمعه أم كان مضراً.

منشأ العقيدة:

من أين تـنشأ عقيدة الإنسان،وتصديقاته،هذا هو المحور الثاني،في حديثنا.هذه العقائد التي تشكل الأساس في تصرفات الإنسان ومواقفه في الحياة،كيف يؤمن الإنسان بشيء ويعتقده ويصدق به؟…

إنه سؤال مهم للغاية،نحتاج أن نجيب عنه قبل أن نـتطرق للحديث عن المحور الثالث،وهو حرية العقيدة،لأن الجواب عنه يساعد على إبداء الرأي في مسألة حرية العقيدة بسهولة.

إذا أمعنا النظر قليلاً،لتشخص لنا أن عقائد الإنسان وتصديقاته راجعة إلى أحد هذين المصدرين،أو المنشأين:

1-التحقيق.

2-التقليد.

فالإنسان عندما يفكر بملء حريته ويطالع ويحقق في مسألة ما،قد يتوصل في هذا الصدد إلى عقيدة ما،مثلاً لو أنه حقق فيما إذا كانت الأرض تدور حول الشمس،أم أن الشمس تدور حول الأرض،أو فيما إذا كان هناك شيء آخر وراء المادة أم لا…وما شاكل،لكان حينئذٍ قد اتخذ التحقيق أساساً ومنشأ تصدر عنه عقيدته،سواء أكان رأيه واعتقاده سديداً مطابقاً للواقع،أم لم يكن.

وقد لا تكون عقيدة الإنسان حصيلة دراسة وفحص ينبيان على تفكير حر،إما أن يكون قد قبل العقيدة بلا دراسة أو قبلها بعد الدراسة ولكنه بتأثير من التفكير المكبل بالتقليد،وفي كلتا الحالتين يقوم اعتقاده على أساس التقليد.

وعليه فمنشأ العقيدة الأساسي ومصدرها،إما أن يكون التحقيق وإما أن يكون التقليد.إلا أن هناك بطبيعة الحال منشأً ثالثاً،هو الإلهام والإشراق،ونظراً لكونه ليس مصدراً عاماً بل خاص بمن يستـثنون من الأفراد بما يخرج عن نطاق بحثنا الآن فلنستمهله حتى حينه.

أما ما يسترعي الإنتباه هنا،فهو أنه بمجرد دراسة معمقة يتضح أن أغلب عقائد الناس وتصديقاتهم فاقدة للأساس الفكري ولا أصل لها من البحث والإستدلال،وإنما هي ثمرة التقليد.

فالأب والأم،والقوم والقبيلة،والبيئة،والشخصيات المحترمة،كل يلقن الآخر رأياً ونظراً،وتقبله تلقائياً فيقلده دون أن يطالب بدليل أو برهان عليه،فيألفه،ثم يتعود عليه رويداً رويداً حتى ينعقد في ذهنه وروحه ويصير عقيدة له.

ولهذا كانت العائلة والبيئة عاملين أساسيـين،وكان لهما دور كبير في بلورة عقائد الغالبية الساحقة من الناس.

وعلى وجه العموم فإن الأراء والمعتقدات تنـتقل إلى الفرد عن طريق عائلته أو عن طريق من يعيش في بيئتهم،وقليل جداً أولئك الذين يختارون عقائدهم على أساس البحث والتثبت فقط،ومن ثم حذر القرآن الكريم الإنسان من تقليد أكثر الناس،فقال تعالى:- (وإن تطع أكثر الناس في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)[1].

حرية العقيدة:

وقبل الحديث في حرية العقيدة،نحتاج توضيح معنى هذه الحرية،فما لم يتضح معناها، لا يتسنى لنا الحكم بصحتها أو عدم صحتها.

ويمكن أن نتناول حرية العقيدة بالتفسير من ثلاثة جوانب:

الأول:الحرية في انتخاب العقيدة،وتعني أن الإنسان حر في الإعتقاد بما يريد.

الثاني:الحرية في التظاهر بالعقيدة،وتعني أن الإنسان حر في الإفصاح عما يعتقده.

الثالث:الحرية في نشر العقيدة،وتعني أن الإنسان حر في نشر عقيدته والترويج لها.

وعليه،فقد يوجه الحديث عن حرية العقيدة إلى أحد هذه المعاني الثلاثة أو أنه يوجه إليها جميعاً.

هذا ولا يذهب عليك أنه قد عرفنا فيما تقدم معنى العقيدة،ومنشأها وما ذكر في تفسير حرية العقيدة،وبقي أن نتعرف رأي العقل فيها.

حرية العقيدة في نظر العقل:

لا يسع العقل أن يحكم على كل واحد من التفسيرات الثلاثة السابقة حكماً مطلقاً،وعلى هذا الأساس يلزم دراسة كل واحد من هذه المعاني على حدة.

1-حرية انتخاب العقيدة:

أول معاني حرية العقيدة،أن يكون الإنسان حراً في انتخاب ما يشاء من العقائد فيؤمن بما يميل إليه قلبه ويعتقد ما يرغب فيه فؤاده.

فلو أمعنا النظر قليلاً لتبين لنا أن هذا النوع من حرية العقيدة غير ممكن عقلاً فلا عقائد الإنسان وتصديقاته خاضعة لإختياره،ولا هي خاضعة لإختيار غيره،ولا في وسع الإنسان أن يعتقد بما يشاء على الإطلاق،ولا في وسع أحد أن يرغمه على عقيدة ما.

هذا لأن العقيدة ليست كالأزياء يخـتار الإنسان منها ما يشاء ويرفض،كما وأنه ليس هناك من يجبره على ارتداء هذا أو ذاك.

الإعتقاد لدى الإنسان شيء كالحب،والعشق والتعلق والمحبة أمور خارجة عن إرادة العاشق فلا هو يستطيع أن يعشق هذا أو لا يعشق ذاك،ولا هو في اختيار أحد ليحمله على عشق دون عشق.

وإذا كان الوقت نهاراً فكيف له أن يؤمن بأنه ليل،وهل في إمكان أحد أن يجبره على تغيـير عقيدته.

نعم قد يضطر أحد إلى قول بخلاف عقيدته،أما أن يغير اعتقاده وما آمن به،فهذا محال.

في عام 1632 الميلادي،وضع جاليلو كتاباً عن عقائد بطليموس وكوبرنيك،وبعد عام من ذلك،دعاه البابا إلى روما وأبلغه أن اعتقاده بدوران الأرض حول الشمس شرك،وأجبره على الجلوس على ركبتيه وطلب المغفرة.

وقيل إن جاليلو نفذ ما طلب منه البابا،ولكنه عندما خرج من عنده شوهد وهو يكتب على الأرض بإصبعه:رغم كل هذا…الأرض تدور حول الشمس.

وإنها لحالة واحدة يمكن فيها للعقيدة أن تقبل التغيـير،وهي عندما يتغير منشأها ويتغير المحيط الذي نشأت فيه،فلو أن منشأها كان التحقيق،فقد يواجه المحقق على مدى تحقيقه بدلائل تـثبت بطلان عقيدته السابقة،ولو أن منشأها كان التقليد،فإن أصفاد التقليد قابلة للكسر.

2-حرية الإفصاح عن الإعتقاد:

وهذا هو المعنى الثاني من معاني حرية العقيدة،وهو حرية الإنسان في الإعلان عن عقيدته والتظاهر بها،وهي في نظر العقل من أوليات حقوق البشر المسلم بها،وأن لكل إنسان الحق في أن يقول هذه عقيدتي،ولا يملك أحد الحق في مضايقته تماماً بتمام،كما أن لكل إنسان أن يتصرف في حياته الشخصية حسبما يريد،طالما كان تصرفه لا يتعارض مع حقوق الغير.

وحرية التظاهر بالعقيدة علاوة على كونها حقاً طبيعياً لكل إنسان فإنها تستوجب التقاء الآراء ونضج المعتقدات العلمية وتصحيح العقائد أيضاً.

وليس لدى العقل أدنى شك في صحة هذه الحرية وضرورتها.إلا أن هناك مسألتين ينبغي بحثهما في هذا الصدد:

المسألة الأولى:

أيحق للإنسان أن يـبدي رأياً خلافاً لما يعلم،وعلى خلاف عقيدته وإيمانه الواقعي؟…

المسألة الثانية:

أيحق للإنسان عقلاً أن يرى من واجبه تصحيح العقائد الموهومة أو الفاسدة والتصديقات الشعواء؟…

أما المسألة الأولى،فيجاب عنها:

أننا إذا احتكمنا إلى العقل،فإنه وإن كان يستهجن ويندد بإظهار الرأي خلافاً للإعتقاد الواقعي،إلا أنه لا يرى مسوغاً لسلب حرية البيان ما دام لا يمس الآخرين بالضرر.

أما جواب المسألة الثانية فهو:

أن العقل بينما يعلن حرية التظاهر بالعقيدة،فإنه يرى وجوب الإقدام على تصحيح العقائد،ويستلزم ذلك أيضاً بدليلين:

أولهما:أن العقيدة أساس العمل وركيزته،والمعتقدات الموهومة الفاسدة مفسدة مضيعة للمجتمع.

ثانيهما:أن مكافحة المعتقدات الموهومة إقدام يهدف إلى تحرير الفكر،ولا يمكن للعقل إلا أن يقتضي موجبات تحرره.بيان ذلك:

أن حرية العقيدة تـتناقض أصلاً مع حرية الفكر،فلا تـتحق حرية العقيدة حيثما كانت حرية الفكر.فكما سبق أن وضحنا،فإن العقيدة شيء يرتبط بالذهن وينعقد فيه ويندمج بروح الإنسان،فإذا لم تكن عقائد الإنسان قائمة على أساس فكري محقق،فهي أصفاد تشل حركة الفكر وتحبس الروح في حصار الأوهام،ولا تدع للإنسان فرصة للتفكير بحرية تكفل له المعتقدات العلمية المطابقة للواقع،وعليه فلا مندوحة أمامه إلا أن يختار حرية الفكر،أو حرية العقائد الموهومة.

فإذا اختار حرية الفكر،أصبح تحطيم أغلال لا يستطيع أن يخلعه بنفسه،ولابد له من شخص طليق ليحرره،لا يستطيع الفكر المكبل بقيود المعتقدات الموهومة المرتهن للعقائد الفاسدة أن يتحرر منها وينجو بنفسه،ما لم يتداركه شخص طليق يقدم على تحطيم أغلاله وينقذه.

وعليه فإن العقل يرى أن الإقدام على تصحيح عقائد الآخرين أمر ضروري واجب،ونظراً لأن تصحيح العقائد لا يكون بالقوة والإجبار،كان الطريق إلى ذلك هو تنوير الأفكار وهدايتها إلى نضج العقائد الصحيحة وكمالها وتعريف الحقائق إلى الناس بالدليل والبرهان واستبدال التقليد بالتحقيق.

ولو أن فرداً أو أفراداً كانوا حجر عثرة في سبيل حرية الفكر وتصحيح العقائد لما بقي هناك مجال للدليل والبرهان،حيث يحكم العقل بضرورة إزالة هذا العائق بالقوة حتى يتهيأ المجال لإزدهار العقائد الصحيحة وزوال العقائد الفاسدة.