8 ديسمبر,2021

القرض الاستثماري مع الزيادة(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

القرض الاستثماري

مع الزيادة(1)

 

المعروف بين أعلام الطائفة، البناء على عدم الفرق في حرمة الربا القرضي، سواء كان القرض استهلاكياً، وهو الذي يكون غرض المقترض منه رفع الحاجة للأزمة المالية التي يعانيها، والتي اضطرته لأخذ القرض، حتى أن بعض أصحاب هذا النوع من القرض قد يضطر أحياناً إلى تأخير سداد القرض عن موعده، بل قد يتكرر ذلك منه غير مرة ما يؤدي إلى تضاعف مقدار الزيادة على الدين عليه.

أم كان القرض استثمارياً، وهو الذي يكون غرض المقترض منه تحسين الدخل أو زيادته، كما لو كان هناك موظف له راتب يكفيه لمؤونته ومؤونة عياله، وكان راغباً في تحسين وضعه المالي، فأقدم على الاقتراض للإتجار بما أقترض، أو كان هناك تاجر وأراد تنمية تجارته، وزيادة رأس ماله مثلاً، وهكذا، فيقدم على الاقتراض مع الالتـزام بدفع زيادة فوق مبلغ القرض، ويعبر عن هذا النوع من القرض أيضاً بالقرض الانتاجي، والاستثماري، لأنه يوجب الاستثمار، ويؤدي إلى حصول النتاج للمقترض، كما هو واضح من خلال المثالين الذين ذكرنا.

 

وخالف في ذلك بعض الأعلام(ره)، فقال بالتفصيل حيث خص الحرمة بخصوص القرض الاستهلاكي، دون الاستثماري.

وقد استند(ره) في دعواه تارة إلى عدم شمول ما دل على التحريم لهذا النوع من الربا، لندرة وجوده في العصر الماضي الذي صدرت فيه النصوص، وأخرى إلى الاستناد لعلة التحريم التي تضمنتها بعض أدلة الحرمة.

وهذا يستدعي النظر بداية في أدلة المشهور، وملاحظة ما ذكره(ره) مناقشة لها، وبعد ذلك ملاحظة النصوص التي تضمنت التعليل، وفي الختام نشير لما تمسك به من دليل لإثبات مدعاه.

ولا بأس قبل ذلك من الإشارة إلى حقيقة الربا.

 

معنى الربا:

كلمة الربا، قد تقرأ بفتح الراء، فتكون مصدراً، وقد تقرأ بكسرها فتكون اسم مصدر، والفرق بينهما كالفرق بين الغَسل، والغُسل.

ولعل الأول أشهر، وهو ثلاثي من ربا يربو، وكان في الأصل من رَبْواً، فقلبت الواو ألفاً، ثم فتحت الباء بمناسبة الألف المنقلبة بعدها.

والمستفاد من كلمات أهل اللغة، أن الربا عبارة عن الفضل والزيادة والنمو، فقد جاء في كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي: ربا الجرح والمال، وكل شيء، يربوا رَبْواً، إذا زاد-إلى أن قال-ربا المال، يربو في الربا، أي يزداد[1].

وجاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: الراء والباء والحرف المعتل، وكذلك المهموز منه يدل على أصل واحد، وهو الزيادة والنماء والعُلُو، تقول من ذلك: ربا الشيء يربو، إذا زاد[2].

وفي صحاح اللغة للجوهري: ربا الشيء يربوا رَبْواً، أي زاد[3].

 

ولما كان الموجود عند الفقهاء نوعين من الربا، الأول هو الربا المعاوضي، والثاني هو الربا القرضي، كان لكل واحد منهما حقيقة مختلفة، وسوف نقصر المقام على ذكر حقيقة الربا القرضي لأنه موضع البحث، فقد عُرّف في الاصطلاح الفقهي بأنه: اقتراض شخص من آخر مع الزيادة.

ويختلف الربا القرضي عن الربا المعاوضي، في أنه لا يعتبر فيه ملاحظة المماثلة بين الجنسين، ولا التقدير بالكيل والوزن، نعم يعتبر فيه أن تكون الزيادة المشروطة في متن القرض، مضافاً إلى غير ذلك من الخصوصيات.

ولما كان أكل الربا مما أوعد الله آكله النار في كتابه المجيد، عدوه من الكبائر الموبقة، بل قد تضمنت بعض النصوص النص على كونه منها، ففي صحيح محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله(ع) قال: الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمداً، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البينة، وكل ما أوجب الله عليه النار[4].

 

أدلة المشهور:

وقد تمسك المشهور للبناء على حرمة القرض مع الزيادة مطلقاً سواء كان القرض استهلاكياً أم كان القرض انتاجياً استثمارياً، بدليلين:

الأول: الكتاب العزيز:

حيث استندوا إلى الآيات الدالة على حرمة الربا، على أساس أنها شاملة للقرض الربوي بقسميه:

منها: قوله تعالى:- (الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس)[5]، وقد تضمنت كلمات المفسرين في بيانهم للآية الشريفة أنها بصدد توصيف حال آكل الربا في عرصة القيامة، فيتميز من خلالها عن بقية أصحاب الذنوب والمعاصي، فقد وصفه الله تعالى بمن يتخبطه الشيطان من المس، يعني يضربه ضرباً، أو ضرباً شديداً، وهذا هو معنى الخبط، فهو كالمصروع بالجنون، الذي لا يتمكن من الاستقامة وذلك بسبب وزر الربا وثقله الذي يثقل عليه، فقد أصبح ما أكله من الربا في بطنه أمراً عظيماً، وشيئاً ثقيلاً على ظهره، ونفذ وتغلغل في تركيبه، فسلب منه القدرة على الاستقامة في المشي، فتراه في ذلك الموقف يمشي من دون استقامة واتساق، ولا تعادل.

ويؤيد هذا المعنى للآية الشريفة ما ورد في كتاب التفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم، عن هشام عن أبي عبد الله(ع) قال: قال رسول الله(ص) لما أسري لي إلى السماء رأيت قوماً يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر أن يقوم من عظم بطنه، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون، إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس[6].

 

وتقرب دلالتها على الحرمة على أساس أن ما تضمنته الآية الشريفة إنما هو نوع من أنواع العقوبات الحاصلة يوم القيامة، وهي عقوبة لآكل الربا، ومن المعلوم أن المعاقبين يوم القيامة، هم خصوص الذين قد ارتكبوا مخالفة لله تعالى في عالم الدنيا، بأن ارتكبوا حراماً، وفعلوا معصية، فتكون الآية دالة على حرمة أكل الربا.

ولم يناقش بعض الأعلام(ره) في دلالتها على الحرمة، الكاشف عن تسليمه بتمامية دلالتها، نعم ناقش في سعة دائرتها لتكون شاملة للقرض الربوي الاستثماري، ومنع من ثبوت شمول فيها لذلك.

ولا يخفى أن دلالتها على المدعى متوقفة على أن يكون موضوعها حال آكل الربا في يوم القيامة، ليكون الوارد فيها وصف لما سيقع عليه فيها من العقوبة، وأنه كالمسوس غير المستقيم في سيره، ويؤيد ذلك خبر التفسير.

 

وليس في الآية ما يشير إلى ذلك، إذ من المحتمل جداً أن تكون بصدد الحديث عن حال آكل الربا في عالم الدنيا، وأن التخبط الموجود عنده الدال على أنه يسير على غير استواء وهدى يعود إلى مخالفته لما تدعو إليه الفطرة المستقيمة، والعقل في الأفعال، وعليه سوف تكون الآية الشريفة أجنبية تماماً عن المدعى، بل لن تكون من آيات الأحكام أصلاً. قال بعض الأعيان(قده): ومعنى قوله تعالى:- (كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس)، أي لا يقوم في أمور المعاش والحياة بالوجه الصحيح، والنهج القويم، وذلك لأن الإنسان، بل سائر الحيوان، قد أودع الله تعالى فيه قوة يميـز بها الخير من الشر، والنافع من الضار، وبها ينظم شؤون حياته باتساق وانتظام، وبها يهتدي الإنسان في أفعاله واعتقاداته، وينتفع من حياته بالوجه الحسن، وما كتبه الله تعالى فيها، فإذا اختلت هذه القوة الدرّاكة المميزة، اختلت أفعاله وحركاته، وأحكامه، فلا يرشد إلى الصحيح منها، والنافع كالمصروع الذي فقد فيه التميـيز، فلا يقوم في معيشته بالوجه الصحيح النافع.

 

وفعل المرابي في أخذه الربا من الأفعال التي ليس فيها الخير والنفع، وهو خلاف ما تدعو إليه الفطرة المستقيمة والعقل في الأفعال، فإنه اختلاس وابتزاز لأموال الناس من غير عوض، فيكون في طرف زيادة ونقصان في الطرف الآخر[7].

ووفقاً لما تقدم لن تكون للآية الشريفة دلالة على ثبوت آثار للذنوب والمعاصي الصادرة من الإنسان في عالم الدنيا فضلاً عن عالم الآخرة، لأن التخبط الذي تحكي عنه يقصد منه الأمر المعنوي، وليس الأمر المادي. بل لن تكون الآية الشريفة أساساً من الآيات الأحكام الصالحة للدلالة على المطلوب.

 

وهذا هو الذي صرح به بعض كبار المفسرين(قده)، قال(ره): وخامساً: فساد ما ذكره بعض آخر من المفسرين: أن المراد بالتشبيه بيان حال آكلي الربا يوم القيامة، وأنهم سيقومون عن قبورهم يوم القيامة كالصريع الذي يتخبطه الجنون، ووجه الفساد أن ظاهر الآية على ما بينا لا يساعد على هذا المعنى، والرواية لا تجعل للآية ظهوراً فيما ليست بظاهرة فيه، وإنما تبين حال آكلي الربا يوم القيامة.

ثم حكى(ره) قول صاحب تفسير المنار عن تفسير ابن عطية أن المقصود من القيام هو عالم الدنيا، وتأيـيد صاحب تفسير المنار له في ذلك، ومناقشته لمن قال بخلاف ذلك، وقد استصوب(ره) ما ذكره صاحب المنار، لكنه خطئه في تقرير معنى التشبيه الواقع في الآية الشريف، فليراجع كلامه(قده)[8].

 

ومثل ذلك ذكر أيضاً بعض الأعلام المعاصرين(دام ظله) في تفسيره، فقد عقب على قوله تعالى:- (لا يقومون) بقوله: ليس المقصود بالقيام في الآية البعث والخروج من الأجداث لتوهم البعض بأن المراد هو قيام المرابين من قبورهم يوم القيامة بالهيئة المذكورة، كالذي يتخبطه الشيطان، رغم أن هذه الحالة ستحدث لهؤلاء يوم القيامة أيضاً، بل المقصود بقيام المرابين هو تصرفهم وسلوكهم وتعاملهم مع مسألة الربا وأكله، فيشمل ذلك أفكارهم وآراؤهم وحديثهم وكلامهم الذي يتصف بحالة من الجنون والمس[9].

 

وأما خبر هشام، فلا يصلح الاستناد إليه حتى مع كونه قد ورد بطريق صحيح، لعدم احراز أن الكتاب الموجود بأيدينا هو كتاب علي بن إبراهيم، وهذا مانع من التعويل عليه.

ولو بني على دلالة الآية الشريفة على حرمة الربا، فقد يقال باختصاصها بالربا المعاوضي وعدم شمولها للربا القرضي، استناداً إلى وحدة السياق، لأن الآية محل البحث قد وقعت في سياق الحديث عن حرمة الربا مقابل حلية البيع، والذي كان رداً على قول القائلين بعدم الفرق بينهما، ومن الواضح أن الربا الذي يتحدث عنه في مقابل حلية البيع هو خصوص الربا المعاوضي والذي كان يتضمن بيعاً مع الزيادة، وليس المقصود منه الربا القرضي، فيكون ذلك موجباً لاختصاص موضوع الآية به دون القسم الآخر من الربا، قال تعالى:- (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)[10].

 

وهو ممنوع، فإنه لو بني على أن موضوعها هو خصوص الربا القرضي كان وجيهاً، لأن الموضوع كان عن ربا الجاهلية، وهو ربا النسيئة الذي كان متعارفاً بينهم، وذلك أنهم يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حلّ الدين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل[11]. مع أن البناء على الإطلاق والشمول لكلا نوعي الربا ليس بعيداً، فتأمل.

 

 

[1] كتاب العين ج 1 ص 649.

[2] معجم مقايـيس اللغة ج 2 ص 483.

[3] صحاح اللغة ج 6 ص 2349.

[4] وسائل الشيعة ج 15 ب 46 من أبواب جهاد النفس ح 6 ص 322.

[5] سورة البقرة الآية رقم 275.

[6] تفسير القمي ج 1 ص 93.

[7] مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج 4 ص 433.

[8] تفسير الميزان ج 2 ص 413-414.

[9] تفسير تسنيم ج 12 ص 626.

[10] سورة البقرة الآية رقم 275.

[11] التفسير الكبير للفخر الرازي ج 7 ص 92.