8 ديسمبر,2021

رضاع النبي(ص)

اطبع المقالة اطبع المقالة

رضاع النبي(ص)

 

المعروف أن النبي الأكرم محمد(ص)، لم يرتضع من أمه السيدة آمنة بنت وهب(ع)، سوى أياماً قلائل، حددتها بعض المصادر التأريخية بيومين أو ثلاثة، وقيل: سبعة، وقيل تسعة، وقيل سبعة أشهر. ثم تناوبت على إرضاعه بعد ذلك امرأتان، واحدة في مكة المكرمة، وأخرى خارجها.

وقد نص أيضاً على أنه(ص) عاش السنين الست الأولى بعيداً عن أمه في حي بني سعد، وهي قبيلة مرضعته الثانية، ولولا ما تعرض له(ص) من حادثة شق الصدر، ما كانت حليمة لترجعه إلى أمه(ع).

 

ويواجه الأمر المذكور مجموعة من التساؤلات:

منها: ما هو السبب في اختيار خصوص هاتين المرضعتين لتقوما بإرضاع النبي الأكرم(ص)، وهل أن ذلك كان من باب المصادفة، أم أن هناك تنسيقاً وتخطيطاً استدعى حصول الرضاعة لهما دون غيرهما من النساء؟

ومنها: ما هو المانع الذي منع السيدة الجليلة آمنة بنت وهب(ع) من القيام بعملية إرضاع المصطفى(ص)، والتصدي لذلك بنفسها، خصوصاً وأنها كانت لا تزال على قيد الحياة، وبعدُ لم تخرج من عالم الدنيا، كما كانت تفعل بقية نسوة بني هاشم، كالسيدة الجليلة فاطمة بنت أسد(ع)، فإنها هي التي قامت بإرضاع أمير المؤمنين(ع)؟

 

ومنها: كيف يرتضع رسول الله(ص)، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وقد خلق بدنه من طين من الجنة، بل من تحت العرش كما دلت عل ذلك جملة من النصوص من امرأتين مشركتين، مع ما للرضاع من تأثير على المرتضع كما دلت على ذلك النصوص؟

ومنها: لماذا تربى(ص) في ديار بني سعد دون غيرها من الأماكن، خصوصاً وأن الرواية تتحدث عن جذب وقحط وفقر مدقع في ذلك الحي؟

ومنها: كيف صبرت عنه أمه السيدة آمنة(ع) خلال هذه الفترة الطويلة التي قضاها في ديار بني سعد، وكذا كيف صبر عنه جده عبد المطلب(ع) كل هذه المدة الزمنية؟

ومنها: ماذا اكتسب رسول الله(ص) من وجوده في تلك الديار، وما هي الفوائد التي خرج بها؟

ومع التأمل في شيء مما ذكر يتضح أن هناك جنبة عقدية في مسألة الارضاع، ولا تنحصر القضية في البعد التاريخي فقط.

وقد تظهر الإجابة عن التساؤلات المذكورة، أو بعضها من خلال تسليط الضوء على رضاعه(ص) من هاتين المرأتين.

 

ارضاع ثويبة:

ثويبة، مولاة لأبي لهب، ولا يعرف نوع هذا الولاء الثابت له عليها، وأنه لها أم لأبيها أم لزوجها، وهل هو ولاء عتق أو ولاء حلف، وما هي منـزلتها ومكانتها الاجتماعية حتى تقوم بإرضاع رجالات بني هاشم، وهي مجهولة الأب والقبيلة، ولا يعرف زوجها الذي أنجبت منه ولدها مسروح، كما أن ولدها مسروح مجهول الحال أيضاً والمصير، فقد ذكر في ترجمته أنه ابن ثويبة مرضعة النبي(ص)، بل لم يجزم بإسلامه وإنما قيل أنه محتمل، والظاهر أنها ماتت على غير الإسلام، وأنها لم تهاجر من مكة. نعم الوارد أنها كانت تأتي النبي(ص) في مكة ويكرمها، وكانت تكرمها أيضاً السيدة خديجة(ع)، وقد طلبت السيدة خديجة(ع) من أبي لهب شرائها ولم يقبل، ثم أعتقها، وهذا ينافي أنها كانت مولاة له، ويثبت أنها كانت أمة مملوكة.

وقد تضمنت بعض الأخبار أن عتق أبي لهب لها صار سبباً أن يخفف عنه العذاب، فقد ذكر ابن سعد أنه رآه في أسوء حال وسأله: ماذا لقيت؟ فقال له: لم نذق بعدكم رخاء، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة، وأشار إلى النقيرة التي بين الابهام والتي تليها من الأصابع.

 

وجاء في تاريخ اليعقوبي عن النبي(ص) أنه قال: رأيت أبا لهب في النار يصيح العطش العطش، فيسقى في نقر إبهامه، فقلت: بم هذا. فقال: بعتقي ثويبة لأنها أرضعتك.

وفي هذه النصوص تساؤلات:

أحدها: من المعلوم أن أبا لهب قد مات بعد معركة بدر، فمتى كانت هذه الرؤيا؟

ثانيها: من الذي قد رأى أبا لهب من أهله وحدّث بهذه الرؤيا، وكلهم كان مناوئاً للإسلام ومعادياً لرسول الله(ص)؟

ثالثها: هل المقصود بالرائي هو النبي الأكرم محمد(ص)؟

 

ومنها: كيف تعالج مخالفة هذه النصوص للقرآن الكريم الذي ينص على أنه لا يخفف العذاب عن الكفار، يقول تعالى:- (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها).

ومنها: لماذا انفردت ثويبة دون بقية الإماء أو الموالي بإرضاع رجال بني هاشم، فقد نص على أنها قد أرضعت الحمزة، وجعفر والنبي(ص)، وليست لها أي مكانة اجتماعية تخصها دون البقية؟

ولا نجد جواباً لشيء من التساؤلات التي قد سمعت، وهذا يجعل القبول بالخبر الذي تضمن إرضاعها لرسول الله(ص) موضع تأمل بل منع. لأن من الشروط المعتبرة في حجية الخبر الوثوق بصدوره، ووجود هذه التساؤلات دون جواب لها يمنع تحققه.

ويساعد على ذلك أن الرواية التي تضمنت أنها قد أرضعت رسول الله(ص) يقع في طريقها القاسم بن العباس اللهبي، وقد اختلف في أمره بين من يوثقه، وبين من يحكم بأنه مجهول.

ومقتضى ما تقدم هو صعوبة البناء على مثل هذه الرواية والقبول بها لأنها تثبت فضيلة لأبي لهب، فضلاً عما عرفت من مخالفتها للقرآن الكريم.

 

إرضاع حليمة السعدية:

وقد تضمنت بعض المصادر التأريخية أن النبي(ص) انتقل من حجر ثويبة إلى حجر حليمة السعدية، وقد حددت مدة رضاعها إياه(ص) بسنتين، وبقي عندها بعد الفطام أربع سنين أخرى.

وقد اختلف المؤرخون في سبب إرضاع حليمة للنبي(ص)، على قولين:

الأول: ما ذكره الواقدي من أن السيدة آمنة(ع) قد توفيت وله(ص) من العمر أربعة أشهر، فاسترضعت له حليمة، وهو بهذا ينكر أن تكون ثويبة قد قامت بإرضاعه(ص)، قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله(ص) أربعة أشهر ماتت أمه آمنة(رض)، فبقي(ص) بلا أب ولا أم، وهو من أبناء أربعة أشهر، فبقي يتيماً في حجر جده عبد المطلب، فاشتد عليه موت آمنوا ليتم محمد(ص)، ولم يأكل ولم يشرب ثلاثة أيام، فبعث عبد المطلب إلى بنتيه: عاتكة وصفية، وقال لهما: خذا محمداً(ص) والنبي(ص) لا يزداد إلا بكاء ولا يسكن، وكانت عاتكة تلعقه عسلاً صافياً مع الثريد، وهو لا يزداد إلا تمادياً في البكاء.

 

قال الواقدي: فضجر عبد المطلب، فقال لعاتكة: فلعله يقبل ثدي واحدة منهن ويرضعن ولدي قرة عيني فبعثت عاتكة بالجواري والعبيد نحو نساء بني هاشم وقريش ودعتهن إلى رضاع النبي(ص) فجئن إلى عاتكة واجتمعن عندها في أربعمائة وستين جارية من بنات صناديد قريش، فتقدمت كل واحدة منهن ووضعن ثديهن في فم رسول الله(ص)، فما قبل منهن أحداً، وبقين متحيرات، وكان عبد المطلب جالساً فأمر بإخراجهن والنبي(ص) لا يزداد إلا بكاء وحزناً، فخرج عبد المطلب مهموماً وقعد عند ستارة الكعبة ورأسه بين ركبتيه، كأنه امرأة ثكلاه، وإذا بعقيل بن أبي وقاص وقد أقبل وهو شيخ قريش وأسنهم، فلما رأى عبد المطلب مغموماً، قال له: يا أبا الحارث، مالي أراك مغموماً؟ قال: يا سيد قريش إن نافلتي يبكي ولا يسكن شوقاً إلى اللبن من حين ماتت أمه، وأنا لا أتهنأ بطعام ولا شراب، وعرضت عليه نساء قريش وبني هاشم فلم يقبل ثدي واحدة منهن، فتحيرت وانقطعت حيلتي، فقال عقيل: يا أبا الحارث إني لأعرف في أربعة وأربعين صنديداً من صناديد العرب امرأة عاقلة هي أفصح لساناً، وأًبح وجهاً، وأرفع حسباً ونسباً، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن سنخة بن ناصر بن سعد بن بكر بن زهير بن منصور بن عكرمة بن قيس بن غيلان، بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، بن اكدد بن يشخب بن يعرب بن بنت إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن، فقال عبد المطلب: يا سيد قريش لقد نبهتني لأمر عظيم، وفرجت عني، ثم دعا عبد المطلب بغلام اسمه شمردل، وقال له: قم يا غلام واركب ناقتك، واخرج نحو حي بني سعد بن بكر، وادع لي أبا ذؤيب عبد الله بن الحارث العدوي، فذهب الغلام واستوى على ظهر ناقته، وكان حي بن سعد من مكة على ثمانية عشر ميلاً في طريق جدة، قال: فذهب الغلام نحو حي بني سعد فلحق بهم وإذا خيمتهم من مسح وخوص، وكذلك خيم الأعراب والبوادي، فدخل شمردل الحي وسأل عن خيمة عبد الله ابن الحراث فأعطوه الأثر فذهب شمردل إلى الخيمة فإذا بخيمة عظيمة، وإذا على باب الخيمة غلام أسود، فاستأذن شمردل في الدخول فدخل الغلام، وقال: أنعم صباحاً يا أبا ذؤيب، قال: فحياه عبد الله، وقال له: ما الخبر يا شمردل؟ فقال: اعلم يا سيدي أن مولاي أبا الحارث عبد المطلب قد وجهني نحوك، وهو يدعوك فإن رأيت يا سيدي أن تجيبه فافعل، قال عبد الله: السمع والطاعة، وقام عبد الله من ساعته ودعا بمفتاح الخزانة فأعطي المفتاح ففتح باب الخزانة، وأخرج منها جوشنه، فأفرغها على نفسه، وأخرج بعد ذلك درعاً فاضلاً فأفرغه على نفسه فوق جوشنه، واستخرج بيضة عادية فقلبها على رأسه، وتقلد بسيفين، واعتقل رمحاً، ودعا بنجيب فركبه، وجاء نحو عبد المطلب، فلما دخل تقدم شمردل وأخبر عبد المطلب، وكان جالساً مع رؤساء مكة، مثل عتبة بين ربيعة، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط، وجماعة من قريش، فلما رأى عبد المطلب عبد الله قام على قدميه، واستقبله، وعانقه وصافحه وأقعده إلى جنبه، وألزق ركبتيه بركبتيه، ولم يتكلم حتى استراح، ثم قال له عبد المطلب: يا أبا ذؤيب أتدري بما دعوتك؟ قال: يا سيدي وسيد قريش ورئيس بني هاشم حتى تقول فأسمع منك وأعمل بأحسنه، قال: اعلم يا أبا ذؤيب أن نافلتي محمد بن عبد الله مات أبوه، ولم يبن عليه أثره، ثم ماتت أمه، وهو ابن أ{بعة أشهر، وهو لا يسكن من البكاء عيمة إلى اللبن، وقد أحضرت عنده أربعمائة وستين جارية من أشرف وأجل بني هاشم، فلم يقبل واحدة منهن لبناً، والآن سمعنا أن لك بنتاً ذات لبن، فإن رأيت أن تنفذها لترضع ولدي محمداً، فإن قبل لبنها فقد جاءتك الدنيا بأسرها، وعليّ غناك وغنى أهلك وعشيرتك، وإن كان غير ذلك ترى مما رأيت من النساء غيرها فافعل، ففرح عبد الله فرحاً شديداً، ثم قال: يا أبا الحارث إن لي بنتين، فأيتهما تريد؟ قال: عبد المطلب: أريد أكملهما عقلاً، وأكثرهما لبناً، وأصونهما عرضاً، فقال عبد الله: هاتيك حليمة، لم تكن كأخواتها، بل خلقها الله تعالى أكمل عقلاً، وأتم فهماً، وأفصح لساناً، وأثج لبناً، وأصدق لهجة، وأرحم قلباً منهن جمع.

 

قال الواقدي: فقال عبد المطلب: إني ورب السماء ما أريد إلا ذلك، فقال عبد الله: السمع والطاعة، فقام من ساعته، واستوى على متن جواده وأخذ نحو بني سعد، بعد أن أضافه، فلما أن وصل إلى منزله دخل على ابنته حليمة، وقال هلا/ أبشري فقد جاءتك الدنيا بأسرها، فقالت حليمة: ما الخبر؟ قال عبد الله: اعلمي أن عبد المطلب رئيس قريش وسيد بني هاشم سألني إنفاذك إليه لترضعي ولده، وتبشري بالعطاء الجزيل، ففرحت حليمة بذلك، وقامت من وقتها وساعتها واغتسلت وتطيبت وتبخرت وفرغت من زينتها، فلما ذهب من الليل نصفه قام عبد الله وزين ناقته فركبت عليها حليمة، وركب عبد الله فرسه، وكذلك زوجها بكر بن سعد السعدي، وخرجوا من دارهم في داج من الليل، فلما أصبحوا كانوا على باب مكة ودخلوها، وذهبت إلى دار عاتكة، وكانت تلاطف محمداً وتلعقه العسل والزبد الطري، فلما دخلت الدار وسمع عبد المطلب بمجيئها جاء من ساعته ودخل الدار، ووقف بين يدي حليمة، ففتحت حليمة جيبها وأخرجت ثديها الأيسر وأخذت رسول الله(ص) فوضعته في حجرها ووضعت ثديها في فمه، والنبي(ص) ترك ثديها الأيسر واضطرب إلى ثديها الأيمن، فأخذت حليمة ثديها الأيمن من يد النبي(ص) ووضعت ثديها الأيسر في فمه، وذلك أن ثديها الأيمن كان جهاماً لم يكن فيه لبن، وخافت حليمة أن النبي(ص) إذا مص الثدي ولم يجد فيه شيئاً لا يأخذ بعده الأيسر والنبي يميل إلى الأيمن فصاحت عليه وقالت: يا وليد مص الأيمن حتى تعلم أنه جهام يابس لا شيء فيه، قال: فلما مص النبي الأيمن امتلأ فانفتح اللبن حتى ملأ شدقيه بأمر الله تعالى وببركته، فضجت حليمة، وقال: واعجباه منك يا ولدي، وحق رب السماء ربيت بثدي الأيسر اثني عشر ولداً، وما ذاقوا من ثديي الأيمن شيئاً والآن قد انفتح ببركتك وأخبرت بذلك عبد الله فأمرها بكتمان ذلك، فقال عبد المطلب: تكونين عندي فآمر لك بإفراغ قصر بجنب قصري، وأعطيك كل شهر ألف درهم بيض، ودست ثياب رومية، وكل يوم عشرة أمنان خبز حوّارى ولحماً مشوياً، قال: فلما سمع أبوها عبد الله ذلك أوحى لها أن لا تقيمي عنده، قالت: يا أبا الحارث لو جعلت لي مال الدنيا ما أقمت عندك ولا تركت الزوج والأولاد، قال عبد المطلب: فإن كان هكذا فادفع إليك محمداً على شرطين، قالت: وما الشرطين؟ قال عبد المطلب: أن تحسني إليه، وتنوميه إلى جنبك، وتدثريه بيمينك، توسديه يسارك، ولا تنبذيه، وراء ظهرك، قالت حليمة: وحق رب السماء، إني منذ وقع عليه نظري قد ثبت حبه في فؤادي، فلك السمع والطاعة يا أبا الحارث. ثم قال: وأما الشرط الثاني، أن تحمليه إليّ في كل جمعة حتى أتمتع برؤيته، فإني لا أقدر على مفارقته، قالت: أفعل ذلك إن شاء الله تعالى، فأمر عبد المطلب أن تغسل رأس محمد(ص)، فغسلت رأسه، ولفته في خرق السندس[1].

 

الثاني: ما ذكره الطبري وغيره من أن ذلك كان عادة عند العرب، أن يسترضعوا أطفالهم عند نساء أهل البادية.

وبعيداً عن الاختلاف الموجود والذي يصعب معه القبول والترجيح لأحد القولين، بل حتى لو رجح الثاني منهما لما هو المشهور من أن وفاة السيدة آمنة(ع) كان بعد بلوغه(ص) ست سنين، إلا أن هناك موانع تمنع من القبول بهذه الرواية:

منها: الجانب السندي للرواية، فإن رواية ابن اسحاق مرسلة، حيث أنه لم يذكر الواسطة بين جهم بن أبي الجهم، وبين عبد الله بن جعفر، لأنه ذكر أنه سمع شخصاً يحدث عن عبد الله بن جعفر.

وكذلك عبد الله بن جعفر لم يذكر الواسطة بينه وبين حليمة، لأنه قال: حُدثت عن حليمة، فمن هو الذي قد حدّثه عنها؟

 

وأما رواية ابن سعد، فقد اشتملت على زكريا بن يحيى بن يزيد السعدي، عن أبيه، وهو مجهول، لا ذكر له في الكتب الرجالية.

ومنها: لقد تضمنت الرواية بيان الحال المأساوي الذي كان عليه ديار بني سعد من الجدب حتى أن المرأة لا يكون في ثدييها قطرة من اللبن، فكيف وهذا حالهم يقدم أهل مكة على إعطائهم أطفالهم، فهل يتوقع أن يكون المكيون راضين بتعريض أطفالهم للجوع.

 

ومنها: إذا كان قدوم النساء لطلب الرضع عادة متبعة عند العرب عموماً، فلماذا لا نجد له مصداقاً على أرض الواقع ما عدا روايات إرضاع النبي(ص)، فلا يوجد ذكر لإرضاع أبناء أبي طالب، ولا أولاد عبد المطلب، ولا بقية أهل مكة، وهل كان هذا يختص بسكان مكة المكرمة دون بقية العرب، أم أنه كان أمراً عاماً ثابتاً عند جميع العرب قاطبة كالطائف وما شابه، وعلى أي حال، سواء بني على الأول أم كان البناء على الثاني، فإنه لم ينص التأريخ على أحد من العرب، ولا من مكة أنه قد ارتضع ونشأ خلال مرحلة الطفولة في البداية، سواء كان ذلك في مضارب بني سعد أم في غيره من المضارب العربية.

 

ومنها: وكما لم يذكر المؤرخون أحداً من العرب قد ارتضع وتربى ونشأ فترة طفولته في مضارب بني سعد، فإنه قد خلا أيضاً من ذكر الأطفال الذين أخذتهم نسوة بني سعد اللاتي سبقن حليمة في الوصول إلى مكة وأخذ أطفال الأغنياء منها، فلم ينص في أحد باسمه أو وصفه أو نسبه.

 

ومنها: إن الرواية التي تذكر حدث الإرضاع وكذا غيرها مما أشار لمثل هذا الموضوع، قد خلت من الإشارة إلى طبيعة الاتفاق حول إرضاع النبي(ص)، من حيث المدة الزمنية المقررة، وأن ذلك لحين فطامه(ص)، أو لسنة واحدة أو أكثر، كما أنها لم تشتمل على بيان مقدار السعر الذي قد دفع إلى المرضعة، وقيمة التكلفة، ومن المستبعد أن يكون الإعراض عن ذلك لعدم أهميته، فإن التوصيف الذي قدمته الرواية حتى للحمار الذي كانت تركبه حليمة، وبيان حاله، ولم يبق إلا ذكر سنه، يدل على عنايتها بنقل أدق التفاصيل وكافة الجزئيات، فكيف لم تعرض لشيء مهم كهذا، مع أنه مقتضى العقد الذي حصل بين الأم والمرضعة، أو الجد والمرضعة.

وعلى أي حال، إن خلو الروايات المتعرضة للحديث عن الإشارة لشيء من هذين الأمرين يوجب شيئاً في النفس حيالها، ويدعو للتوقف في قبولها.

 

ومنها: مخالفة رواية الإرضاع للحقائق التأريخية الثابتة الموجب لرفع اليد عنها، وعدم دخولها دائرة الحجية، لما هو المقرر في محله أن من الشروط المعتبرة في حجية الخبر أن لا يكون مخالفاً للثابت في التأريخ، والذي عبر عنه في غير مورد بنقد متن الخبر.

والمقصود من الثابت تاريخياً المكانة الاجتماعية السامية التي كان يمتلكها سيدنا عبد المطلب(ع)، وما كان يملكه من أموال، حتى أن جيش إبرهة يوم واقعة الفيل أخذ من أبله مائة من الأبل، ومن يكون مالكاً لمائة من الأبل، على الأقل كيف يكون فقيراً حتى يوسم بما تضمنته الرواية التي جاءت تنقل قضية الإرضاع.

 

ومنها: إن اللسان الذي تضمنته الرواية الدالة على الإرضاع أقرب ما يكون لامرأة موحدة تعبد الله سبحانه وتعالى ومنقطعة إليه، بل وتعيش حالة من التوكل المطلق عليه سبحانه والتسليم التام، وهذا لا يتوافق وحال حليمة التي كانت امرأة من جزيرة العرب، فلو لم تكن مشركة شأنها شأن بقية القبائل العربية خلال تلك الفترة، فلا أقل لا مجال للبناء على توصيفها بالتوحيد الكامل والانقطاع والتوكل التام على الله سبحانه، ويظهر ما ذكرناه من خلال تكرر العبارات التالية في الرواية: والله ما ننام ليلنا، فإن هذا نوع قسم بالله تعالى، ولم يكن معهوداً في تلك الفترة، بل المعهود القسم بالأصنام والأوثان التي كانت تعبد خلال تلك الحقبة، ولو كان فهو من الشاذ جداً.

 

ومثل ذلك ما جاء على لسانها: فوالله ما علمت منا امرأة، وقولها أيضاً: ووالله إني لأكره أن أرجع، وأيضاً قولها: فوالله ما أخذته.

 

والحاصل، إن هذه التعبيرات لا يمكن صدورها من امرأة لا تعرف الله تعالى، ولا ترتبط به ارتباطاً وثيقاً وهذا لا ينسجم والواقع الذي كانت عليه حليمة.

 

 

[1] بحار الأنوار ج 15 ح 13 ص 341.