28 نوفمبر,2020

سؤال و جواب: حول شخصية زهير بن ألقين (رض)

اطبع المقالة اطبع المقالة

س: ما هو رأيكم في نسبة زهير بن القين(رض) إلى العثمانية؟

ج: لا ريب ولا إشكال في جلالة مولانا زهير بن القين(رض)، وأنه أحد أبطال كربلاء الذين سطروا الملحمة الخالدة، ونالوا بذلك سعادة في الدنيا والآخرة بنصرة المولى أبي عبد الله(ع)، ولا بأس قبل العمد إلى بيان الجواب عن السؤال، من الإشارة إلى المقصود من كون الشخص عثماني الهوي، فنقول:

إن التعبير المذكور كان يطلق على كل من يعتقد مظلومية الرجل الثالث، وأنه قد قتل مظلوماً محتسباً، بل إن بعضهم يعمد إلى عداوة أمير المؤمنين(ع)، لاتهامه بأنه كان معيناً على قتل الرجل، وأنه مطلوب بدمه.

وكيف ما كان، فإن مصدر هذه التهمة هي مقولة عزرة بن قيس البجلي لزهير بن القين(رض) ليلة عاشوراء: يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنما كنت عثمانياً.

وقد ورد ذلك في تاريخ الطبري، كما ورد أيضاً في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري. والفرق بين المصدرين أن البلاذري نسبها للقيل، فقال: وقالوا، بخلاف الطبري، فإنه قد نسبها لعزرة، وهذا قد يوهم عدم جزم البلاذري بحصول الواقعة، دون الطبري.

وكيف ما كان، فيوجد محتملان متصوران في بلوغه هذه المنـزلة العظمى ونيله هذا المنزلة السامية:

الأول: ما تبناه بعض الكتّاب، من نفي تهمة العثمانية في شخصية زهير بن القين(رض)، من خلال رد الدعوى المذكورة ومناقشتها.

الثاني: التسليم بالتهمة المذكورة في شخصيته(رض)، إلا أنه قد وفق لنيل المرتبة السامية من خلال إعمال الإمام الحسين(ع) الهداية الأمرية معه، ليصل إلى ما وصل إليه.

ومن الواضح أن تمامية المحتمل الأول تعتمد على دفع مستند التهمة المذكورة، فما لم يصلح الوارد في كلام النافين لها جواباً عنها، فلن يكون له قبولاً، وهذا بخلافه في المحتمل الثاني، فإنه لا يحتاج نفياً لها، وإنما يكفي التسليم بوجود الهداية الأمرية في أمثال المقام.

ولا ريب في أننا نعتقد أن واحدة من وظائف الإمام المعصوم(ع) الهداية الأمرية، وهي مقابل الهداية الخلقية والتي تخاطب الأسماع، وتخاطب الأجساد، كما أشير لذلك في قوله تعالى لبيان ما يقوم به النبي الأكرم محمد(ص):- (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)، وأما الهداية الأمرية، فإنه لا علاقة لها بالأجساد أصلاً، لأنها عبارة عن نور ينغرس في قلب الأنسان دون واسطة مادية، ومن دون واسطة جسدية، ومن شواهد ذلك قضية الإمام الحسن(ع) مع الشامي الذي لقيه، وأخذ في شتمه وشتم أمير المؤمنين علي(ع) وتغير موقفه بعد ذلك نتيجة حديث الإمام الحسن الزكي(ع) معه، وكذا قضية الإمام الكاظم(ع)، مع العمري وتغير موقفه من الإمام الكاظم(ع) بعد الحوار الذي دار بينهما، ونماذج ذلك غير قليل في سيرة الأئمة المعصومين(ع)، وهذا هو ما جرى بين الإمام الحسين(ع)، وزهير بن القين(رض)، فإنه بمجرد لقاء الإمام الحسين(ع) انقلب حاله عما كان عليه، وتحول إلى متابعة الإمام الحسين(ع) والسير في ركبه ونهجه، وحول رحله إلى رحاله.

وأما المحتمل الأول، فقد عمد بعض الكتّاب إلى نفي تهمة العثمانية عنه(رض) من خلال مناقشة النص المتضمن ذلك، وقد رفعت اليد عن مناقشته سنداً، لأنه قضية تاريخية لا يعتبر فيها ملاحظة السند، وتركزت المناقشة في متن الرواية، فذكرت أجوبة ثلاثة عنها:

الأول: إن مصدر التهمة هو عزرة بن قيس، وهو أحد الذين كاتبوا الإمام الحسين(ع)، وخذلوه، وتركوا نصرته وانقلبوا عليه، وهذا يكشف عن خبث سيرة وسريرة، وأنه من مرتزقة النظام الأموي وأصحاب المصالح الشخصية الذين يتبعون الأهواء والرغبات، للوصول إلى ما يصبون إليه.

الثاني: إن مصدر التهمة هو العدو، ولم تجر على لسان أحد غيره، وقد عرفت أن مصدرها هو عزرة. على أنه لم يتضح المقصود من تعبيره بكلمة(عندنا)، لوجود احتمالات فيها:

1-أن يكون المقصود بذلك السلطة الحاكمة وأتباعها في الكوفة.

2-أن يكون المقصود منها أهل الكوفة.

3–أن يكون المقصود بذلك نفسه، وقد استخدم اسلوب الجمع تفخيماً.

ويمنع الاحتمالين الأول والثاني، عدم ورود الإشارة إلى ذلك على لسان أحد من عبيد السلطان أو الخارجيـين على الإمام المعصوم(ع) من الكوفيـين، بل حتى الرجاليـين والمؤرخين منهم لم يؤكدوا ما قاله هذا الجلف الكذاب. ولماذا لم يذكر نسبته إلى ذلك أمثال حميد بن مسلم، أو قاتل زهير بن القين، أو عمر بن سعد، أو شمر بن ذي الجوشن، أو شبث بن ربعي، وغيرهم من رؤوس الضلال. وعليه، يتعين الاحتمال الثالث.

ومع تعينه، يلزم معرفة الأهداف التي دعته لتوجيه هذه التهمة لزهير بن القين(رض)، ويمكن ذكر مجموعة من الأهداف التي دعته إلى ذلك:

أحدها: مبدأ التقية الذي كان يعمل به زهير بن القين(رض):

والتي كان يمتاز بها سلوكه(رض) وكان يعمل بها حذراً من عزرة وأمثاله من أتباع السلطة، وقد يستظهر هذا المبدأ في سيرته العطرة، من تشبيه الإمام الحسين(ع) له يوم عاشوراء بمؤمن آل فرعون، حيث قال(ع): ومن الواضح أن تشبيهه بمؤمن آل فرعون، لأنه كان يعمل بالتقية، فيكشف ذلك عن كون زهير(رض) عاملاً بها.

ثانيها: التسقيط:

وهو يمثل ركناً من أركان عسكر الإيمان، فهو صاحب ميمنة العسكر الحسيني، فيكون هدفاً مهماً للعدو، ويعتبر التسقيط واحداً من الأساليب المستخدمة من قبل الأمويـين وأتباعهم من الحرب النفسية والإعلامية.

ثالثها: زعزعة الثقة بين أصحاب الإمام الحسين(ع).

الثالث: الجواب الصادر من زهير بن القين(رض) على هذه التهمة الموجهة إليه، حيث قال معقباً على عزرة: أفلست تستدل بموقعي هذا أني منهم[1].

ولا يذهب عليك تداخل الجواب الثاني والأول، فإنهما يؤولان لباً لشيء واحد، عمدة ما كان أن الأول منهما مصداق وبيان وتفسير للثاني.

وعلى أي حال، فإنه يمكن الجواب عن الأمرين المذكورين مانعاً من القبول بالرواية المتضمنة لنسبته(رض) للعثمانية، فيجاب عن الأول منهما، بأن من الطبيعي أن يكون مصدرها عزرة وأمثاله من البجليـين، لأنهم أعرف الناس بحال ابن عمهم والمنتمي لنفس القبيلة التي ينتمون إليها، ومع ملاحظة تقسيم الكوفة إلى أرباع من حيث السكنى، فلن يطلع على خصوصيات كل جماعة إلا من كان معه، سيما وأن هذه الصفة ليست من الصفات التي يتجاهر بها من خلال ممارسة عبادة أو ما شابه.

ولو قيل بأن هناك لعناً جارياً لأمير المؤمنين(ع) في الوسط الشعبي في حكومة بني أمية. أجبنا بأن هذا كان يجري على العامة من الناس، وينغمس فيه كل أحد، ويصعب على أي أحد أن ينفيه، بسبب بطش السلطة، فلا يكون كاشفاً عن انتماء لجهة أو نافياً عنها.

وبالجملة، إن مقتضى الانتماء لقبيلة واحد يجعله أقرب الناس لمعرفة حاله وانتمائه الفكري والإيديولوجي. نعم لو اعتبرنا ذلك شهادة من عزرة بانتمائه لهذا المذهب الفكري والعقدي في تلك الفترة فلن يعول عليها، لأن الشاهد فاسق، وهذا مانع من قبول شهادته، أما لما كان الصادر منه إخبار، فإن الحال فيه يختلف فتأمل.

وأما محاولة دعم هذا الجواب بعدم ورود مثل هذه التهمة على ألسنة آخرين غيره، فيدفعه ما أشرنا إليه من إمكانية عدم الاطلاع على انتماء زهير العقدي، وهو حال طبيعي وليس مستغرباً لما عرفت من أنه أمر خاص داخلي.

على أن ظاهر كلمات المجيبين لا تخرج عن الإيحاء بأن الصادر من عزرة كذب، أو أنه لوجود عداوة خاصة بينه وبين زهير(رض)، وكلاهما ممنوعان، فإن الأول منهما يحتاج قرينة واضحة للجزم به، كما أن ثانيهما يفتقر للشواهد التاريخية المساعدة عليه.

وأما دوافع عزرة لاتهام زهير(رض) بذلك، فمع عود الدافع الثالث للدافع الثاني، وعدم عدمهما منفصلين، فإنه يمكن الجواب عنهما، بأن أولهما ليس واضحاً سيما بملاحظة المستند الذي عول عليه في ثبوت ذلك المنهج له(ض)، لأن أقصى ما يظهر من كلمة المولى أبي عبد الله الحسين(ع) أن هناك جهة مشابهة بين زهير(رض) ومؤمن آل فرعون في تقديم النصح والإرشاد والتوجيه إلى قوميهما، وليس في ذلك دلالة من قريب أو بعيد أنهما متشابهان من جميع الجهات حتى يقرر أن زهيراً(رض) كان يعمل بالتقية.

وأما الثاني، فإن هذا وإن كان أحد الأساليب النفسية والإعلامية المتبعة في الحرب، إلا أننا لا نجده قد استخدم مع أحد من أصحاب أبي عبد الله الحسين(ع) يوم كربلاء وانحصر استخدامه في خصوص زهير بن القين، ما يوجب عدم الجزم بهذا الأمر. على أن الحديث الذي دار بين عزرة وزهير كان ليلة العاشر وقبل الإعداد العسكري لجيش الإمام الحسين(ع)، فلم يجعل زهير(رض) على الميمنة إلا صبيحة يوم عاشوراء، فينتفي الغرض الذي من أجله سعى عزرة للتسقيط وفق كلام المجيب.

وأما جواب زهير(رض) عن الفرية، والمحاولة التي عمد إلى استظهارها من العبارة للدلالة على نفي كونه كذلك فخلاف الظاهر جداً، فإن الجواب لو لم يكن إقراراً بما ذكر من تهمة وإشارة إلى تحول عما كان عليه بموقفه الحالي، فلا أقل من أنه لا يتضمن حديثاً عما كان عليه سابقاً، وإنما هو حديث عما هو عليه حالياً، من خلال الاستشهاد بموقفه الذي هو عليه.

على أنه يمكن الاستناد لثبوت التهمة بالانتماء العثماني لما نقله الطبري من رفض زهير(رض) اللقاء بالإمام الحسين(ع) وتجنبه لذلك اللقاء خلال مسايرته أبان خروجه من مكة بعد أداء الحج حتى اجتمع معه في منطقة زرود.

وأفضل ما أجيب عنه، بأن من المستبعد جداً حصول هذا اللقاء بسبب تأخر زهير(رض) في الخروج من مكة، فإنه لو بني على خروجه يوم الثالث عشر منها، فإن من الصعب جداً أن يكون قد أدرك الإمام الحسين(ع) في الطريق، لأن المفروض أن هناك فارق خمسة أيام بينهما على أقل التقادير.

وما ذكرو إن كان محتملاً جداً، إلا أن ملاحظة الفارق بين القافلتين بين قافلة الإمام الحسين(ع) والمشتملة على كثرة نساء وأطفال تدعو إلى السير بهدوء وبطء دون وجود داعي للتعجل في المسير، وبين قافلة صغيرة وإن تضمنت بعضا لنسوة لكن ليس بينها أطفال، فتأمل.