18 يوليو,2018

موارد وجوب الزكاة(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

موارد وجوب الزكاة(1)

المعروف بين أعلامنا وجوب الزكاة في أمور تسعة، وهي:

1-الغلات الأربع، وهي: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.

2-الأنعام الثلاث، وهي الأبل والبقر والغنم.

3-النقدان، الذهب والفضة المسكوكان.

 

ومقتضى الحصر في الأمور التسعة عدم وجوبها في شيء غيرها، نعم أختار جماعة استحباب إخراجها من أمور.

وكيف ما كان، فالمتبع هو ملاحظة الأدلة اللفظية وما تدل عليه، لذا سوف يقع البحث ضمن مرحلتين:

الأولى: ملاحظة الآيات القرآنية.

الثانية: ملاحظة النصوص.

 

أما المرحلة الأولى، وهي آيات الكتاب العزيز[1]: فهناك جملة من الآيات تضمنت ذكر لفظة الزكاة مثل قوله تعالى:- (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين)[2].

وتقريب دلالتها على المدعى يقوم على توفر أمرين:

الأول: أن يكون المقصود من الزكاة المذكورة فيها، الزكاة الواجبة.

 

الثاني: إحراز دلالتها على بيان ما تجب فيه الزكاة، ليتمسك بالإطلاق السكوتي على أساس أنها في مقام البيان من جميع لجهات، لا أنها في مقام البيان من جهة واحدة، وهي أصل الوجوب والتشريع.

ولا يضر بدلالتها على المدعى كون الخطاب فيها موجهاً لليهود، بعد أن يكون الخطاب موجهاً إليهم بعد إيمانهم برسالة النبي(ص)، ولذا يكون المقصود من الصلاة الوارد ذكرها في الآية هي الصلاة التي تكون في الإسلام، وليس مطلق الدعاء.

والإنصاف، أنه لو رفعت اليد عن الأمر الأول، وبني على أن المقصود بها هي الزكاة المصطلحة، إلا أنه يصعب الجزم بدلالتها على ما يجب فيه الزكاة، بل إن أقصى ما يستفاد منها دلالتها على وجوب الزكاة، وليس المستفاد منها مجرد الدلالة على أصل الجعل والتشريع. نعم هذا المقدار من الدلالة، لا يصلح لجعلها عموماً فوقانياً يرجع إليه عند الشك.

 

ومنها: قوله تعالى:- (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيـين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة وآتى الزكاة والمفون بعهد الله إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون)[3]، ولا يختلف حالها من حيث الدلالة على المدعى عن سابقتها، فيعتبر في تمامية دلالتها توفر الأمرين الذين سبق ذكرهما في الآية الماضية، فإذا توفرا كان ذلك موجباً للبناء على تمامية الدلالة وإلا فلا.

وقد سمعت الجواب عن ذلك، فلا نعيد. ويضاف لذلك في الآية محل البحث وجود مانع يمنع من حملها على الزكاة المصطلحة، لأن صدر الآية الشريفة قد تضمن عرضاً لمصارف الزكاة، وهذا يجعل العنوان المتأخر مغايراً للعنوان المتقدم حذراً من التكرار.

 

اللهم إلا أن يقال: إن الصدر وإن تضمن بياناً لموارد الصرف، إلا أنه لم يتضمن بياناً للوجوب، بنحو الدلالة المطابقية، وإنما دلالته عليه بالدلالة الإلتـزامية. وقد تضمن الذيل ذكراً للوجوب بالدلالة المطابقية، وعليه لا يوجد ما يمنع من حمل الزكاة المذكورة في الآية على المعنى المصطلح.

ويمكن علاج المانع المذكور من وجود ما يدل على الزكاة في الصدر، ولفظ الزكاة في ذيل الآية، بحمل ما جاء في الصدر على غير الزكاة الواجبة، وهو الحقوق التي تجب في أموال الإنسان، ويلزم بأدائها كالنفقة على واجبي النفقة عليه، وما يلزمه من نذر وكفارات، أو تطوع، ويدخل فيه صدقاته المستحبة، لدخول ذلك كله ضمن البر. ويبقى الذيل ناظراً للزكاة الواجبة[4].

 

والإنصاف، بعد الوجه الثاني، فإن المصارف المذكورة في الآية مانعة من حملها على شيء مما ذكر حتى الصدقة الواجبة، لأنه لا ينحصر مصرفها في خصوص الفقير المصطلح.

وعليه، يبقى المانع من الاستناد للآية الشريفة، هو ما أوردناه على الآية السابقة.

 

ومنها: قوله تعالى:- (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون)[5]، ودلالتها على المدعى واضحة، ذلك أن المقصود من الزكاة التي استحقوا الويل بسبب عدم إيتائها، هي الزكاة الواجبة التي أوجبها الله سبحانه وتعالى عليهم. نعم لم يتعرض سبحانه لما تجب فيه، وهذا يعني أن دلالتها منحصرة في بيان أصل الوجوب، فلا يستفاد منها للدلالة على وجوب شيء حال الشك في وجوبه، لأنها ليست في مقام البيان من جميع الجهات.

ثم إنه قد يتمسك بإطلاق الآيات للدلالة على وجوب الزكاة في كل نماء مالي، من دون اختصاص للوجوب بمورد معين، فيكون مفادها عدم حصر الوجوب في الموارد التسعة التي تضمنتها كلمات الأعلام، بل يلتـزم بوجوبها في الأوراق النقدية، والبضائع التجارية، وغير ذلك، بل يجب إخراجها من بقية المحصولات الزراعية غير العناوين الأربعة المذكورة في الغلات.

 

والاحتمال المذكور يتم حين إحراز أن الآيتين الشريفتين في مقام بيان متعلق الوجوب، وليستا بصدد بيان أصل التشريع. مضافاً إلى الالتزام بعدم ثبوت حقيقة شرعية للزكاة، ليبقى معناها على ما هو عليه لغة التي هي بمعنى مطلق النماء، ولا أقل من عدم تدخل الشارع المقدس في المفهوم المذكور، ولو بإضافة بعض القيود المعتبرة فيه.

 

ولا يذهب عليك، أنه لا مجال لإحراز ذلك من الآيتين بما هما، بل لابد للاستعانة بالنصوص ليلحظ كيف تصرف الشارع المقدس مع مفهوم الزكاة، وهل أنه أبقاه على حقيقته اللغوية من دون أن يتدخل فيه، أو أنه عمد إلى تغييره ولو بإضافة بعض القيود المعتبرة فيه، وهذا ما سنلاحظه حال البحث في المرحلة الثانية.

وقد تحصل مما تقدم، عدم دلالة الآيتين المباركتين والتي تضمنتا لفظة الزكاة على الإشارة لما يجب فيه الزكاة، وبالتالي لن تصلحاً عموماً فوقياً يرجع إليه حال الشك.

 

المرحلة الثانية: النصوص:

ويمكن تقسيمها إلى طوائف:

الأولى: ما تضمنت حصر الوجوب في العناوين التسعة، وقد اختلفت ألسنتها:

 

الأول: ما تضمن حصر الوجوب في هذه العناوين، ولم يتعرض لشيء آخر:

ومن نصوص هذا القسم، ما رواه زرارة قال: سألت أبا جعفر(ع) عن صدقات الأموال؟ فقال: في تسعة أشياء، ليس في غيرها شيء: في الذهب والفضة، والحنطة والشعير، والتمر والزبيب، والإبل والبقر والغنم السائمة، وهي الراعية، وليس في شيء من الحيوان غير هذه الثلاثة الأصناف شيء، وكل شيء كان من هذه الثلاثة الأصناف فليس فيه شيء حتى يحول عليه الحول منذ يوم ينتج[6]. ودلالتها على حصر الوجوب في خصوص العناوين التسعة واضحة، بل صريحة. نعم وقع في سندها محمد بن زياد والظاهر أن المقصود به محمد بن أبي عمير، فإنه ممن يروي عن عمر بن أذينة، وعليه تكون الرواية صحيحة.

ومنها: ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا(ع)-في حديث-قال: والزكاة على تسعة أشياء: على الحنطة والشعير والتمر والزبيب، والإبل والبقر والغنم، والذهب والفضة[7]. ولا تقصر دلالتها على الحصر في خصوص التسعة دون غيرها عن سابقتها. نعم لا مجال للاستناد إليها بسبب سندها، فقد اشتمل على حمزة بن محمد العلوي، وهو مجهول الحال، وقنبر ابن علي بن شاذان، فإنه مجهول الحال أيضاً. نعم لو بني على توثيقات المتأخرين، أمكن البناء على وثاقته، لنص ابن داود على كونه جليل القدر.

 

نعم قد يلتـزم باعتبار الخبر المذكور بلحاظ مصدره، لأنه منقول عن عيون أخبار الرضا، وربما قيل، بأن تسميته بالعيون إشارة إلى تضمنه المنتخب الجيد، الكاشف عن أن الصدوق(ره) لم يذكر فيه إلا ما كان متصفاً بذلك، وهو يكشف عن اعتباره عنده، فيدل على شهادة منه(ره) بصدور مروياته ولو بالدلالة الالتـزامية.

إلا أن الجزم بذلك من الصعوبة بمكان، والمسألة تحتاج مزيداً من التأمل.

 

ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(ع) قال: ما أنبتت الأرض من الحنطة والشعير والتمر والزبيب-إلى أن قال-وليس فيما أنبتت الأرض شيء إلا في هذه الأربعة أشياء[8]. ودلالته على حصر الوجوب في خصوص الغلات الأربع دون ما سواها جلية واضحة.

ومنها: صحيحة زرارة وبكير ابني أعين، عن أبي جعفر(ع) قال: ليس في شيء أنبتت الأرض من الأرز والذرة والحمص والعدس وسائر الحبوب والفواكه غير هذه الأربعة الأصناف وإن كثر ثمنه زكاة، إلا أن يصير مالاً يباع بذهب أو فضة تكنـزه ثم يحول عليه الحول وقد صار ذهباً أو فضة فتؤدي عنه كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين ديناراً نصف دينار[9]. وقد اشتملت على نفي وجوب الزكاة في جميع ما أنبتت الأرض إلا في الغلات الأربع المعهودة. نعم يجب إخراج الزكاة منها عندما تباع لتكون نقداً ذهباً أو فضة، ويحول عليه الحول.

 

الثاني: ما تضمن ذكر الحصر، وأشار إلى أنه قد عفى رسول الله(ص) عن البقية:

ومن نصوصه، صحيح عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله(ع): أنزلت آية الزكاة(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) في شهر رمضان، فأمر رسول الله(ص) مناديه فنادى في الناس: إن الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة ما فرض عليكم الصلاة، ففرض الله عليكم من الذهب والفضة، والإبل والبقر والغنم، ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ونادى فيهم بذلك في شهر رمضان، وعفا لهم عما سوى لك[10]. وقد تضمن الحديث أمران:

الأول: دلالته على ما تتعلق به الزكاة، وقد حددها بتسعة أشياء.

الثاني: تضمن عفو النبي الكريم(ص) عن غير هذ الأمور التسعة.

 

وهنا احتمالان:

 

أحدهما: أن يكون المتصدي لتحديد متعلق الزكاة هو النبي(ص)، فجعل إليه أن بيان ما تتعلق الزكاة به، وما لا تتعلق، وعليه فيكون عفوه(ص)، بمعنى عدم جعله للزكاة في غير هذه العناوين التسعة.

ثانيهما: أن يكون مصدر الجعل هو الباري سبحانه وتعالى، وأنه عز وجل قد جعلها في عناوين أخرى، إلا أنه(ص) سأل ربه حصرها في خصوص هذه العناوين، فيكون نظير ما جرى في ليلة المعراج في شأن الصلاة.

 

والإنصاف، ظهور كلا الاحتمالين من النص، من دون اختصاص لأحدهما عن الآخر، ومجرد اشتمال الصحيح على قوله(ع): إن الله فرض علكم، لا يوجب نفي الاحتمال الأول، لأن التشريع الصادر من النبي(ص) يمكن نسبته لله سبحانه وتعالى، لأن الصادر عن النبي صادر عن الله عز وجل.

ومنها: صحيحة الفضلاء، عن أبي جعفر وأبي عبد الله(ع) قالا: فرض الله عز وجل الزكاة مع الصلاة في الأموال، وسنها رسول الله(ص) في تسعة أشياء، وعفا عما سواهن: في الذهب والفضة، والإبل والبقر والغنم، والحنطة والشعير، والتمر والزبيب، وعفا عما سوى ذلك[11]. ودلالة الصحيح على حصر الزكاة في عناوين تسعة، وعفو رسول الله(ص) عن البقية جلية واضحة. نعم المستفاد منه أن الواضع للزكاة في العناوين التسعة هو النبي(ص)، وليس الباري سبحانه وتعالى، كما يستفاد ذلك من قوله(ع): وسنها، وعليه تكون العناوين التسعة من السنة وليس من الفريضة، كما أشير لذلك في شرح قاعدة لا تنقض السنة الفريضة.

 

وهذا يساعد على القبول بالاحتمال الأول من الاحتمالين السابقين. ويكون المقصود من عفوه(ص) عدم جعله للوجوب على شيء آخر غيرها، لا أنه كان واجباً ثم عفا عنه(ص)، ولا يخفى مدى الفرق بين المعنيـين. ويؤيد ذلك بعض الأخبار، مثل ما رواه أبو سعيد القماط، عمن ذكره عن أبي عبد الله(ع) أنه سئل عن الزكاة؟ فقال: وضع رسول الله(ص) الزكاة على تسعة وعفا عما سوى ذلك: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، والذهب والفضة، والبقر والغنم والإبل. فقال السائل: والذرة، فغضب(ع)، ثم قال: كان والله على عهد رسول الله(ص) السماسم والذرة والدخن وجميع ذلك. فقال: إنهم يقولون: إنه لم يكن ذلك على عهد رسول الله(ص) وإنما وضع على تسعة لما لم يكن بحضرته غير ذلك؟ فغضب وقال: كذبوا، فهل يكون العفو إلا عن شيء قد كان، ولا والله ما أعرف شيئاً عليه الزكاة غير هذا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر[12]. فإن المستفاد منه أن معنى عفوه(ص) عدم جعله للوجوب في غير هذه العناوين التسعة، مع أنها كانت موجودة، فلو كان يرى الوجوب فيها لجعله عليها. نعم الرواية تعاني مشكلة سندية من ناحيتين، وهما وجود محمد بن سنان، وقد فصل في محله البناء على عدم وثاقته، وكونها مرسلة، وليس مرسلها ممن تقبل مراسيله. ولعل هذا هو السبب في التعبير فيها بـ(سئل)، لظهور الإرسال من التعبير المذكور. لذا عبرنا عنها بالمؤيد.

 

ومثله أيضاً ما رواه محمد بن جعفر الطيار، قال: سألت أبا عبد الله(ع) عما تجب فيه الزكاة؟ فقال: في تسعة أشياء: الذهب والفضة، والحنطة والشعير والتمر والزبيب، والإبل والبقر والغنم، وعفا رسول الله(ص) عما سوى ذلك، فقلت: أصلحك الله فإن عندنا حباً كثيراً، قال: فقال: وما هو؟ قلت: الأرز، قال: نعم ما أكثره. فقلت: أفيه الزكاة؟ فزبرني، قال: ثم قال: أقول لك إن رسول الله عفا عما سوى ذلك وتقول لي: إن عندنا حباً كثيراً، أفيه الزكاة[13].

 

وبالجملة، وفقاً لهذا القسم، سوف يكون أصل تشريع الزكاة فريضة، إلا أن تحديدها في العناوين التسعة سنة، وأن حصرها كان منه(ص)، ولم يجعل وجوباً في شيء غيرها.

 

 

 

[1] سوف نقصر البحث على خصوص الآيات التي تضمنت ذكر لفظة الزكاة وملاحظة دلالتها على المدعى، حذراً من طول البحث.

[2] سورة البقرة الآية رقم 43.

[3] سورة البقرة الآية رقم 177.

[4] مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام ج 2 ص 10.

[5] سورة السجدة الآية رقم 7.

[6] وسائل الشيعة ج 9 ب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 9 ص 57.

[7] المصدر السابق ح 2 ص 54.

[8] وسائل الشيعة ج 9 ب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 8 ص 63.

[9] المصدر السابق ح 9 ص 63.

[10] المصدر السابق ح 1 ص 53.

[11] المصدر السابق ح 4 ص 55.

[12] المصدر السابق ج 3 ص 54.

[13] المصدر السابق ح 12 ص 58.