15 نوفمبر,2018

مشروعية الإحتفال بذكرى المولد النبوي

اطبع المقالة اطبع المقالة

مدخل:

يعدُّ إحياء مناسبة ميلاد منقذ البشرية الرسول الأعظم محمد(ص) من الأمور التي اعتادها المسلمون منذ قرون عديدة، ولا زالت هذه الذكرى ماثلة وحية في قلوب المسلمين جميعاً، حيث تقام الاحتفالات بهذه اليوم في المساجد والبيوت في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وبلدانه، تخليداً لهذا اليوم المبارك، مثلهم في ذلك مثل أي أمة تحترم مقدساتها، وتبجل أيامها الكبرى وذكرياتها المجيدة.

ولا يخفى أن المراد من هذا الاحتفال ليس مجرد إظهار الفرح والسرور والشكر لله سبحانه وتعالى، بل يضاف إلى عملية استيحاء واعية للذكرى ومعطياتها.
ورغم وضوح شرعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي، إلا أن البعض راح يـبحث عن أمور تسوغ له منع الاحتفال بهذا اليوم، استناداً إلى فهم مغلوط لمعنى البدعة، ووظف هذا الفهم لتحريم كثير من المباحات، بذريعة أنها لم يرد فيها نص بخصوصها.
من هنا نحتاج في البداية البحث عن مدى شرعية الاحتفال بهذه الذكرى العظيمة، ثم نناقش الرأي القائل بحرمته.

قدسية الحدث تعطي للزمان والمكان قداسة خاصة:

إن المتأمل في الروايات يجد أن هناك بعض الأوقات الزمانية، تضفي على الزمان قداسة خاصة، بمعنى أن الحدث العظيم يضفي شيئاً من عظمته على الزمن في أحيان عديدة.
فقد جاء في فضل يوم الجمعة: إن الله خلق آدم يوم الجمعة، وأدخله الجنة يوم الجمعة.
وهذا المعنى نراه واضحاً أيضاً في شأن شهر رمضان المبارك، وبركته، قال تعالى:- ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).

وهذه ليلة القدر، وما فيها من بركة، يتحدث عنها القرآن الكريم، فيقول سبحانه وتعالى:- ( إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر).
فخلود البركة في هذه الأيام قد جاء نـتيجة لحوادث إلهية مبهمة، كنـزول القرآن.
فإذا كان المنشأ في تقديس الأيام يعود للحدث الإلهي المبارك، فلماذا لا يكون يوم مولد النبي(ص)، يوماً مباركاً يستحق التقديس، ويكون الاحتفال به من هذا القبيل؟…
هذا التخريج يصدق بخصوص المناسبات التي هي مورد النص، أو التي أقامها المسلمون في عصر التشريع، كالاحتفال بعيد الفطر، والأضحى، أو بيوم الغدير، أو يوم عرفة.

لزوم تكريم النبي حياً وميتاً:

لقد ورد بشأن الحث على احترام وتعظيم ومحبة شخص النبي الكريم محمد(ص) في القرآن الكريم عدد من الآيات الشريفة:

منها: قوله تعالى:- ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون).
وقد ذكر المفسرون أن المراد من (التعزير) في الآية الشريفة ليس مطلق النصرة، إذ أنه أفرد عن قوله(نصروه)، فلو كان بمعنى مطلق النصرة، لما كان هناك داعٍ للتكرار، فالمراد من (التعزير) هو التبجيل والتوقير والتعظيم، أو النصرة مع التعظيم.
ومنها: قوله تعالى:- ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم).
فنرى كيف يشير القرآن الكريم في هذه الآية إلى الأدب الخاص الذي ينبغي مراعاته حينما يتعامل المسلمون مع رسول الله، مع ضرورة حفظ مكانته(ص) كرسول، وهادٍ إلى ربه، باعتبار وصفه بالنبوة في الآية الشريفة.

ومنها: قوله تعالى:- ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً).
فنجد القرآن الكريم ينهى في هذه الآية أن يُدعى النبي الكريم محمد(ص) باسمه، كما يُدعى سائر الناس.
ومنها: قوله تعالى:- ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).
ففي هذه الآية نجد أمراً للمسلمين بأن يذكروا النبي(ص) بالدعاء والصلاة والتسليم، لما له من عظيم المنـزلة عند الله سبحانه، ولما له من المقام المحمود.

وكما ورد الحث على تكريم النبي(ص) وتعظيمه في الآيات القرآنية، فقد ورد الحث على تعظيمه ومحبته في عدد من الروايات، نشير لبعضها:
منها: قوله(ص): لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين.
ومنها: ما روي عن عمر بن الخطاب، أنه قال: يا رسول الله! لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال(ص): والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال عمر: فأنت الآن أحب إلي من نفسي، فقال: الآن يا عمر.

ومنها: عن ابن عباس عن رسول الله(ص) –في حديث-أنه قال:…وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي.
ومن خلال ما ذكرنا يتضح وجوب احترام النبي(ص) وتكريمه ومحبته من خلال القرآن الكريم، والسنة الشريفة.
لكن الشريعة قد تركت كيفية إبراز هذا التكريم والاحترام والتبجيل إلى المسلمين أنفسهم، ليعبروا عنه وفق عاداتهم وتقاليدهم الحياتية المتنوعة والمتطورة، وبما تفيض به عواطفهم تجاه شخصية الرسول(ص)، شريطة أن لا يرتكب عمل محرم أو منافٍ للآداب الإسلامية المقررة في الكتاب والسنة.

يوم ولادة النبي من أيام الله:

ثم إنه يمكننا أن نثبت شرعية الاحتفال بذكرى مولد النبي(ص) من خلال قوله تعالى:-
( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور).
حيث يستفاد من الآية أن الله سبحانه وتعالى يأمر موسى بتذكير أمته بأيام الله، ومعنى ذلك أن التـذكير بأيام الله أمر مطلوب ومحبوب عند الله، إذ لا يخـتص ذلك بموسى وأمته.

ولم يكن المقصود من الأيام هو محض الزمن، وإنما المقصود هو التذكير بالحوادث الكبرى السالفة، وسميت بالأيام، لأن الأيام ظرف لهذه الوقائع سواء منها أيام النعمة، أم أيام المحنة والبلاء، لأن الأيام جامعة لكلا النوعين من الحوادث.
وهذه الحوادث والوقائع هي مصاديق لفاعلية سنـن الله في المجتمعات البشرية، لذا يكون التذكير بها من مهمات الرسول(ص) وجانباً من تبليغه وتربيته لأمته.

ولم يكن التـذكير والوعظ هنا بأيام الله العظيمة كيفما اتفق، وإنما التـذكير كان مطلوباً بأيام معروفة في حوادثها.
ومعنى الآية: عظهم يا رسول الله بالتـرغيب والترهيب، فالترغيب أن يذكرهم بما أنعم الله عليهم، وعلى من كان قبلهم ممن آمن بالرسل فيما سلف من الأيام المقرونة بالحوادث العظيمة مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم.
وإن أيام الله في حق موسى، منها أيام محنة وبلاء، ومنها أيام نعمة وانتصار.
وقد ذكر القرآن الكريم بأن العلة من وراء التـذكير بهذه الأيام لغرض كونها دروساً وآيات لكل صبار شكور.
فهي ذات نتائج إيجابية وتربوية في طريق إيجاد أناس صابرين وشكورين، فبهم تنجح الأمة وتنـتصر على أعدائها، وتفوز بتطبيق الرسالة الإلهية بشكل صحيح.

وعندما نـتعرف تاريخ الأمة الإسلامية، نجد أنها قد مرت بحوادث ووقائع كبرى، كانت محلاً للعبرة والاتعاظ، فمنها أيام نعمة، ومنها أيام محنة وبلاء.
ومن أجلى أيام النعمة في حياة الأمة الإسلامية، بل حياة الإنسانية، هو يوم ولادة منقذ البشرية جمعاء، النبي محمد(ص)، فإنه يعدّ حدثاً عظيماً.
فهذا اليوم كباقي الأيام التي تكون مورداً للتـذكير، فيأتي الاحتفال فيه بهذه المناسبة كممارسة عبادية ومصداقاً لذكر النعم التي منّ الله بها علينا، وتطبيقاً لمضمون قوله تعالى:- (وذكرهم بأيام الله).
هذا ويعدّ يوم الولادة في حياة الأنبياء يوماً مهماً ومباركاً، فقد سلم الله تعالى على نبيه يحيى في هذا اليوم، حيث قال:- (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً).

وسلم نبي الله عيسى على نفسه في هذا اليوم، قال تعالى:- ( والسلام عليّ يوم ولدت).
ونبينا أفضل الأنبياء، فلابد أن يكون يوم ولادته أشرف من يوم ولادة غيره من الأنبياء، والتـذكير به يكون أكبر حجماًًً وعطاءً من التذكير بولادة غيره، فإنه اليوم الذي أنعم الله به على البشرية بخاتم الأنبياء على الإطلاق.

هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة:

هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، أو أنه أمر من صميم الدين؟…هذا سؤال بحاجة إلى إيجاب، ونقول:
لأجل أن نعرف متى يكون الشيء جائزاً في الدين، نقول: إن الشيء يكون جائزاً ومن صميم الدين إذا وقع عليه النص بشخصه، كالاحتفال في عيدي الفطر والأضحى، والاجتماع في يوم عرفة، فهذه الموارد لا شك في جواز الاحتفال أو الاجتماع بها، وتخرج عن كونها من البدع.
وأحياناً يكون الشيء جائزاً وأيضاً من صميم الدين، في حالة ما إذا وقع النص عليه على الوجه الكلي، وفي هذا المورد يترك اختيار الأسلوب والطريقة للمسلم ليعبر كيف يشاء، وبأي طريقة كانت عن امتـثاله لهذا الأمر، شريطة أن لا يدخله في المحرمات، ومن الأمثلة على ذلك:

تعليم الأولاد:
دعوة الشارع وحثه الشديد على تعليم الأولاد، وضرورة التعلم، ولا شك أن لهذا الأمر الكلي أشكالاً وألواناً تـتغير حسب تبدل وتغير الأزمان.
وقد كانت الكتابة في السابق متحققة بقلم القصب، أو بالكتابة بريش الطائر، أما الآن فقد تطورت أساليب الكتابة والتعليم، حيث استخدمت الأجهزة المتطورة كالتعليم بواسطة الكامبيوتر أو الأشرطة، وما شاكل ذلك.
في هذا المثال نجد أن الشارع المقدس قد أمر بالتعليم على الوجه الكلي، إلا أنه ترك اختيار الأسلوب لنفس المكلف.

جمع القرآن:
إن الصحابة -كما يقال- قاموا بجمع آيات القرآن المتفرقة في مصحف واحد، ولم يصف أحد منهم هذا العمل بأنه بدعة، وما هذا إلا لأن عملهم كان تطبيقاً لقوله تعالى:- ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).فعملهم في الواقع كان مصداقاً عملياً لظواهر عامة شرعية من الكتاب والسنة، وعلى ذلك جرى المسلمون في مجال الاهتمام بالقرآن من كتابته وتنقيطه، وإعراب كلمة، وجملة وعدّ آياته، وتميـيزها بالنقاط الحمر، وأخيراً طباعته ونشره، وتقدير حفاظه وتكريمهم والاحتفال بهم، إلى غير ذلك من الأمور التي كلها دعم لحفظ القرآن وتـثبيته وبقائه، وإن لم يفعله رسول الله ولا الصحابة ولا التابعون، إذ يكفي وجود أصل له في الأدلة.

الدفاع عن بيضة الإسلام:
وحفظ استقلاله، وصيانة حدوده من الأعداء، أصل ثابت في القرآن الكريم، قال تعالى:- (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).
وأما كيفية الدفاع ونوع السلاح، ولزوم الخدمة العسكرية، فالكل تطبيق لهذا المبدأ وتجسيد لهذا الأصل، فربما يرمى التجنيد العمومي بأنه بدعة، غفلة عن حقيقة الحال، وأن الإسلام يتبنى الأصل ويترك الصور والألوان، والأشكال إلى مقتضيات الظروف.
من خلال ما ذكرنا يتضح الأصل الذي به يميز بين(البدعة) عن (التطبيق) و (الابتداع) عن (الإتباع).
وهذا الذي ذكرناه هو المستفاد من كلمات علماء العامة، حيث تراهم يعبرون عن البدعة، بأنها ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما له أصل، فليس ببدعة، وإن كان بدعة بحسب اللغة.

ومن الواضح أن هذا لا ينطبق على إحياء ذكرى ميلاد النبي الأكرم محمد (ص) لأننا لو راجعنا القرآن الكريم، وكذا السنة الشريفة، لوجدناها تـتضمن أصلاً مهماً في الدين قد جاء في حق النبي(ص)، وهو لزوم تكريمه وتعظيمه حياً وميتاً، وقد أوضحنا ذلك فيما مضى.
وهذا الأصل لا يمكن لمسلم إنكاره، نعم كيفية تطبيق هذا التعظيم والتكريم، متروك للمسلم بشرط أن لا يدخله ذلك في المحرمات.

الواقع التاريخي ليوم المولد النبوي:

ذكر المؤرخون أنه كان ازدياد التعظيم للنبي(ص) بين أهل الصلاح والورع سبباً في أن صار يحتفل بمولده عام(300 هـ)، أي أن الاحتفال كان أسبق من هذا التاريخ، وفي هذه الفترة الزمنية قد انتقل من صورته الفردية إلى الاحتفال بصورته الجماعية، والسبب يعود للاهتمام المتـزايد الذي كان يبديه أهل الصلاح والورع من أبناء الأمة الإسلامية بهذا اليوم.
ولذا ينقل عن الكرجي المتوفى سنة 343 هـ، وكان من الزهاد المتعبدين، أنه كان لا يفطر إلا في العيدين، وفي يوم مولد النبي(ص).
وقال القسطلاني: ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده(ص) ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. – إلى أن قال- فرحم الله امرئً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً.

ثم يثني القسطلاني على موقف ابن الحاج بقوله: ولقد أطنب ابن الحاج في المدخل في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيـبه على قصده الجميل.
وقال السخاوي: لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم.
وقال ابن عباد في رسائله الكبرى: وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك، من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر والسمع، والتـزين بلباس فاخر الثياب، وركوب فارهِ الدواب، أمر مباح لا ينكر عليه أحد.

وعن ابن حجر: فينبغي الاقتصار على ما يفهم منه الشكر لله تعالى من التلاوة، والإطعام والصدقة وإنشاء شيء من المدائح النبوية والزهدية…..وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو، وغير ذلك فما كان من ذلك مباحاً، بحيث لا ينقض السرور بذلك اليوم، لا بأس بإلحاقه به، وأما ما كان حراماً أو مكروهاً، فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى.

خواص المولد وأحكامه:

هذا ويستفاد من كلمات الفقهاء التي نقلنا شطراً منها، أن ليوم المولد بعض الأحكام الشرعية الخاصة به، كما أنه له بركات ومواهب يمن بها الله سبحانه وتعالى على عباده:

1-أنه يوم عيد كباقي الأعياد، كما يفهم ذلك من عبارة القسطلاني، وابن الحاج، وابن عباد، وابن حجر.
2-أن من خواص هذا اليوم، كونه أماناً في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام.
3-استحباب القيام ووجوب الصلاة عليه، وقد ذكروا أنهم كانوا يقومون وقوفاً احتراماً وإجلالاً، وقد تكلموا في حكم هذا القيام.