23 أبريل,2019

مسألة حول إجابة بعض الأئمة لعدد كبير من المسائل في مجلسٍ واحد

اطبع المقالة اطبع المقالة

س: لقد اشتملت بعض النصوص على أن بعض الأئمة(ع) قد أجابوا عن عدد كبير من المسائل في مجلس واحد، كيف نتعقل ذلك؟

ج: لقد ورد مثل هذا المعنى في سيرة الإمام الجواد(ع)، فقد روي أنه(ع) أجاب عن ثلاثين ألف مسألة في مجلس واحد، فعن علي بن إبراهيم عن أبيه قال: أستأذن على أبي جعفر(ع) قوم من أهل النواحي فأذن لهم فدخلوا فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب وله عشر سنين[1].

وقد أبدى العلامة المجلسي(ره) تعجبه واستغرابه من الخبر المذكور، وأشار إلى ما يبعد القبول به، فذكر أنه لو كان السؤال والجواب عن كل مسألة بيتاً واحداً أعني خمسين حرفاً، لكان أكثر من ثلاث ختمات للقرآن، فكيف يمكن ذلك في مجلس واحد؟!

وهذا منه(ره) نقد لمتن الخبر بالإشارة إلى ما تضمنه يتنافى والقاعدة العقلية في الحجية، لأنه قد اشتمل ما لا يمكن التصديق به وقبوله، وعليه ما لم يمكن علاج ذلك بتقديم بيان وتوجيه لمثل هذه النص، كان ذلك موجباً لرفع اليد عن حجيته، وإن تم سنداً.

هذا وقد تعرض شيخنا المجلسي(قده) إلى أنه لو أريد أن يعالج الإشكال المذكور من خلال الالتـزام بكون الإجابات الصادرة منه(ع) لا تخرج عن كونها بأحد لفظين، إما بـ(نعم)، وإما بـ(لا)، وهذا يعطي سرعة في الإجابة فلا يلزم منه العدد المذكور.

فإنه يدفع، بأن هذا وإن سلم به في الجواب، إلا أنه لا يسلم به في أسئلة السائلين، فلاحظ[2].

ثم ذكر(قده) محتملات في العدد المذكور في النص[3]:

أحدها: أن يكون العدد المذكور ليس مأخوذاً على نحو الحقيقة، وإنما هو من باب المبالغة إشارة إلى كثرة الأسئلة التي عرضت عليه(ع)، وإجابته عنها.

وقد يساعد على هذا المعنى، أنه لم تنص شيء من النصوص التي تضمنت مثل هكذا أعداد في مقام الإجابات، إلى أن أحد من الجالسين قد عمد إلى عدّ الأسئلة التي ذكرت في ذلك المجلس، وقام بإحصائها، ومن ثمّ حدث بها، أو أجاز للآخرين روايتهم لها عنه.

ثانيها: أن يلتـزم بكون العدد المذكور عدداً حقيقياً، لكن لا يبنى على وقوع جميع هذه المسائل في المجلس الذي كان جالساً فيه، وإنما قد طرح فيه عدد محدد من المسائل، وقد كانت تلك المسائل متوافقة مع مسائل الآخرين الذين لم يطرحوا أسئلتهم، فكأنه(ع) عندما أجاب عن واحد، قد أجاب عن أسئلة عشرة مثلاً، لأن البقية كانوا يودون سؤال نفس السؤال المطروح، وليس الإتيان بسؤال آخر، وعليه يكن العدد قد بلغ المقدار المذكور بهذا اللحاظ.

ويساعد على هذا المعنى، أن السائلين غالباً إنما يسألون عما يبتلون به من شؤون في المجال الحياتي، سواء في الأحكام الفرعية الفقهية، أم في الأصول العقائدية، وهذا يعني تداخل الأسئلة بعضها مع بعض، كما يلحظ هذا المتابع لفتاوى المراجع العظام، واستفتاءات المكلفين إليهم.

الثالث: وقد استقربه غواص بحار الأنوار(قده) ومفاده: أن يكون المقصود منه هو ما ورد في الجواب الثاني، من البناء على تمامية العدد المذكور، وأنه عدد حقيقي، إلا أنه ليس بمعنى صدور الإجابات منه على هذا المقدار من المسائل، وإنما يقصد من ذلك أن الإجابات الصادرة منه(ع) كانت بمثابة القواعد الكلية التي يمكن أن يستنبط منها جملة من الفروع الفقهية، بحيث لو عدّت تلك الفروع بلغت ثلاثين فرعاً فقهياً.

أو أن يكون(ع) قد أجاب بمجموعة من الإجابات التي يمكن أن يستفاد منها ثلاثين فرعاً فقهياً آخر، غير ما أجاب به(ع).

ويفرق الاحتمال الأول عن الثاني، في كون الأول من صغريات، علينا الأصول وعليكم التفريع، وهو ما كان متبعاً غالباً من الإمامين الباقرين(ع) مع تلامذتهما أضراب زرارة ومحمد بن مسلم، وأبي بصير وغيرهم، من أنهم كانوا يعطون القواعد العامة والتي يمكنهم من خلالها استنباط الأحكام، وتطبيق الصغريات عليها، وهذا بخلافه على الاحتمال الثاني، فإنه ليس متضمناً لقواعد فقهية، وإنما سوف يكون أقرب لما يعرف بالأشباه والنظائر، فلاحظ.

وليس في هذا الوجه ما يمنع من القبول به خصوصاً على المحتمل الثاني، فإن المتابع لفتاوى الأعلام(رض)، يجد البيان المذكور جلياً وواضحاً فيها، إذ أن جملة كبيرة منها تتضمن أحكاماً إضافية على ما ذكر يستخرج من بين السطور، فتدبر.

وأما ملاحظة الاحتمال الأول، فإنها جلية واضحة، يجدها من تأمل في النصوص الصادرة عن الأئمة الأطهار(ع) خصوصاً الباقرين(ع).

الرابع: أن يلتـزم بعدم كون المقصود من المجلس المكان الواحد، وإنما فيه احتمالان:

أحدهما: الوحدة النوعية للمكان، ويقصد به أن يكون متواجداً في مجالس متعددة، لكنها متحدة مع بعضها البعض من حيث الاعتبار، بلحاظ أنها تأخذ حكماً واحداً، كما لو كان جالساً في بيته، ثم خرج إلى مجلس أحد أصحابه، ومنه خرج إلى مجلس ثالث، بحيث عدّ من حيث الاعتبار بمثابة المجلس الواحد، والمكان الواحد، ولا يضر في ذلك اختلاف الزمان، فيكون قد أجاب هذه المسائل خلال تلك الأوقات الثلاث، صبحاً وعصراً وليلاً، وقد بلغ مجموع ما أجاب به خلال هذه المدة الزمنية في مجلسه ثلاثين مسألة، لأنه مع اعتبار المجالس المتعددة مجلساً واحداً، يكون الصادر منه كله في مجلس واحد، فينطبق عليه المعنى، فلاحظ.

ويمكن أن يكون في مجلس واحد، إلا أنه يمتد لجلسات متعددة، وليس مقتصراً على جلسة واحدة، ويكون الحكم المنطبق على جميع الجلسات واحداً، حتى وإن كانت مختلفة من حيث الزمان، فلاحظ.

ثانيهما: وحدة المكان، فيقصد من المجلس الواحد، وحدة المنطقة، فليس المقصود مثلاً مخيمه الذي كان فيه في منى، أو خيمته(ع) في عرفات، أو بيته الذي كان يسكنه في مكة، وإنما يقصد كل ما صدر منه من إجابات في أي واحد من هذه الأماكن ولو في أيام متعددة، فيجمع كل ما أجاب به(ع) خلال تواجده في مكة المكرمة، ويقال عندها بأنه(ع) قد أجاب عن ثلاثين ألف مسألة.

وبالجملة، سوف يكون المدار على الوحدة للمكان، وليست الوحدة للمجلس، بحيث تعتبر مكة بأكملها مكاناً واحداً، وليست أماكن متعدد بلحاظ البيوتات، وهكذا.

وما ذكر وإن كان متصوراً، بأن يلتـزم بأن العرف يقولون قد أجاب خلال تواجده في مكة المكرمة مثلاً عن هكذا عدد من المسائل، إلا أن الظاهر أن المستفاد من النصوص المذكورة، هو ملاحظة الوحدة الشخصية للمكان، وليست الوحدة النوعية، وهذا يعني لحاظ المجلس الواحد، وليس المجالس المتعددة، وعليه سوف يكون التوجيه المذكور خلاف الظاهر، فلاحظ.

الخامس: وقد عدّه(قده) من الخرافات، لأنه تفسير للنصوص وفقاً لبعض المباني الباطلة التي تقول بها الصوفية، وهو مبدأ بسط الزمان. وهو يبتني على الالتزام بقابلية الزمان كالمكان للضغط والتكثيف والتمديد والبسط.

السادس: أن يكون(ع) قد استعان بقانون الإعجاز وخرق نواميس الطبيعية، وهذا له تقريبان:

أحدهما: أن يكون(ع) قد تصرف في ما يصدر عنه، وما يصدر عنهم، بهذا البيان، أما في ما يصدر عنه(ع) من الإجابات، فكانت تصدر منه بصورة سريعة في الكلام لا تؤثر على استيعاب السامع والحضور، وأما من كان يصدر من السائلين من الأسئلة، بحيث تدخل فيهم فصار الرجل منهم يسأل بصورة سريعة من دون أن يخطأ ، ولا يمنع الآخرين من استيعاب سؤاله الذي يطرحه.

ثانيهما: أن يكون قد استفاد من قانون الإعجاز من خلال إجابته عن الأسئلة قبل أن تطرح، وذلك لكونه مطلعاً على ما تضمنته ضمائر الحاضرين قبل طرحهم للأسئلة. وهذا يوجب اختصار الوقت وتقليلاً للمدة الزمنية المستهلكة خلال الحديث.

السابع: أن يلتـزم بما تقدم في الجواب السابق من الاستعانة بقانون الإعجاز والخرق لنواميس الطبيعية، إلا أنه يختلف بلحاظ الأسئلة التي وردت عليه، إذ يلتـزم هنا بأن الأسئلة التي وردت عليه، كانت مكتوبة وقد بلغ عددها ثلاثين كتاباً، وقد جاب عليها(ع) بأكملها من خلال قانون الإعجاز، فلاحظ.

ومن الواضح، أنه يمكن القبول ببعض الإجابات السابقة، وقد عرفت أن بعضاً منها، لا تخرج عن كونها مجرد دعاوى تحتاج وجود شاهد يساعد عليها، وإلا لن تكون مقبولة في المقام، فضلاً عن أن بعضها مخالف للظاهر، فلاحظ.

ثم إنه لو لم يمكن توجيه النصوص المتضمنة لمثل ذلك، فإن من الصعب رفع اليد عنها، وعليه يلزم أن يرد علمها إلى أهلها، من باب أرجئه حتى تلقى إمامك، لأن مجرد عدم قدرة العقل البشري في مثل هذه الموارد على الاستيعاب لا يوجب وجود خلل فيها، وإلا لزم أن ترفع اليد عن جميع النصوص التي تتحدث عن النشأة الآخرة بدأ من عالم القبر إلى يوم القيامة، وما بعد الحساب، لأن الإنسان لا يملك إحاطة بشيء من ذلك، ما يجعل القبول بما تضمنته النصوص صعباً للغاية، والله العالم.

[1] بحار الأنوار ج 50 تأريخ الإمام الجواد(ع) باب فضائله ومكارم أخلاقه(ع) ص 93.

[2] بحار الأنوار ج 50 ص 93.

[3] المصدر السابق ص 93.