15 نوفمبر,2018

مدخل : الهدف من نزول القرآن الكريم

اطبع المقالة اطبع المقالة

مدخل:

القرآن الكريم معجزة النبي(ص) الخالدة، وهو الدستوري الإسلامي الرفيع، الذي يستمد منه المسلمون تعاليهم الشرعية، وقوانينهم العامة في كافة مجالات حياتهم، وأمور معاشهم.

ولهذا تظل الحاجة قائمة إلى تفسير القرآن الكريم، لما أشرنا له من أهمية وجوده عند المسلمين، بل أكثر مما ذكرنا، كما هو واضح.

من هنا كان الرسول الأكرم محمد(ص) أول من تولى تفسيره عبر إعداد ثلة من الصحابة المؤهلين لمثل هذه المهمة، وقد كان أمير المؤمنين علي(ع) أكثرهم تألقاً، ومن بعده عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وغيرهم، وقد كانت لهؤلاء معرفة ملحوظة في تفسير القرآن الكريم.

وبعد رحيل المصطفى إلى جنان الخلد، ازدادت الحاجة إلى تفسير القرآن الكريم أكثر فأكثر، بسبب البعد الزمني عن نزول الوحي، واتساع نطاق الفتوحات الإسلامية، وبروز مسائل علمية جديدة، فتوزع عدد من الصحابة على الأمصار، فاستقر عبد الله بن عباس في مكة، واستقر عبد الله بن مسعود في الكوفة، وأبو الدرداء في الشام، وهكذا.

وأخذ كل واحد من هؤلاء يلقي دروسه في تفسير القرآن الكريم، وجهدوا في سبيل ذلك، فأثمرت مساعيهم من خلال إعداد شريحة من التابعين، وظهور مدارس تفسيرية متنوعة.

وهكذا انتقل التراث الثمين لتفسير القرآن الكريم من التابعين إلى تابعي التابعين، وحفظته الصدور وتناقلته الألسن، إلى أن حان تدوين أول التفاسير، فأشرق فصل جديد في عرض المعارف القرآنية، للأجيال القادمة، وظهرت أساليب مختلفة في التفسير.

هذا ونحن في محاولة منا لمواصلة السير الذي بدأه أهل بيت العصمة والصحابة الأجلاء التابعين لنهج لرسول الله(ص) والمهتدين بهديه، نحاول أن نتعرض لبعض الوقفات الموجزة حول بعض المطالب التفسيرية، في هذه الدروس، راجين من الله سبحانه وتعالى أن يتقبل ذلك العمل منا، وأن يرضي صاحب الزمان عنا يوم يطلع على صحائف أعمالنا، آمين رب العالمين.

الهدف

من نزول القرآن

مدخل:

قبل الشروع في الحديث عن الهدف من نزول القرآن الكريم، نحتاج إلى بيان بعض الأمور:

الأول: ينبغي أن يكون فهم القرآن الكريم وتفسيره من خلال رؤية إسلامية، ومن منطلق أنه وحي إلهي، وليس نتاجاً بشرياً، وأن نعرف الظروف التي نزل فيها القرآن الكريم، وأسباب النـزول التي تمثل القدر المتيقن من المصداق في المفهوم القرآني.

ومن أهم القضايا التي تؤثر في فهم القرآن الكريم، معرفة الهدف من نزوله، لأن الهدف بطبيعة الحال يلقي بظلاله على المعنى القرآني، بحيث يكون إحدى القرائن العامة المنفصلة التي تكتنف النص.

فعندما يتحدث القرآن الكريم عن الكتاب أنه تبيان لكل شيء(ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)[العبيدان1] .

يمكن أن نفهم(كل شيء)هنا على ضوء(الهدف من نزول القرآن)، فالمراد من التبيان هو التبيان الشامل لما يرتبط بهذا الهدف، وهكذا في الموارد الأخرى.

الثاني: إن معرفة الهدف القرآني سوف تساهم في تفسير مجموعة من الظواهر القرآنية، حيث قد يختلف تفسير الظاهرة باختلاف تفسير الهدف من القرآن، كما في تكرار القصة، حيث نجد البعض يفسرها على أساس بلاغي، بينما قد يكون الأساس التربوي هو التفسير الصحيح.

الثالث: إن القرآن يحظى بقدسية واهتمام بين المسلمين، باعتباره الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، وباعتباره الصيغة والنص الإلهيـين لهذا الوحي والمضمون.

ولذا لابد للمسلمين أن يـبقوا متفاعلين مع القرآن دائماً، كما كانوا كذلك في مختلف عصور التأريخ الإسلامي، وإن كان بمستويات متفاوتة.

ولتشخيص الهدف من نزول القرآن أثر كبير على طبيعة هذا الاهتمام والتفاعل ومستواه ومضمونه.

ثم أن الاهتمام والتفاعل على أنحاء:

1-أن يكونا على مستوى حفظ النص القرآني وسلامة تركيـبه.

2-أن يكونا على مستوى الاهتمام بالمضمون القرآني وفهمه.

3-أن يكونا على مستوى التعرف على هداية القرآن الكريم والحقائق العلمية والتاريخية والاجتماعية، وغير ذلك، من المضامين التي احتواها القرآن الكريم.

4-أن يكونا على مستوى طرحه كشعار للإنسان المسلم، يتـزين به ويردده في الصباح والمساء من خلال الإذاعات أو المناسبات أو المجالس الدينية.

هذا ويـبقى الأهم من ذلك وهو أن يكون التفاعل والاهتمام بالقرآن على مستوى تحقيق الهدف الحقيقي منه، الذي يجسد التفاعل والاهتمام الروحي الحقيقيـين، ويشمل في الوقت نفسه مختلف المستويات الأخرى، التي بمنـزلة المقدمة أو الطريق للوصول إلى هذا الهدف.

تشخيص الهدف من نزول القرآن:

إن الأفضل لتشخيص الهدف من نزول القرآن الكريم، أن يرجع للقرآن الكريم في تشخيص الهدف من نزوله. وذلك من خلال ملاحظة الآيات القرآنية واستعراضها التي فسرت نزول القرآن.

خصوصاً أننا بمراجعتنا للقرآن الكريم نجد مجموعة كبيرة من الآيات والظواهر يمكن أن تلقي الضوء على الهدف من نزول القرآن. نعم الملاحظ أن هذه الآيات تبدو وكأنها تـتحدث عن أهداف متعددة أو مختلفة، وسوف نشير إلى نماذج من هذه الآيات والاحتمالات المتعددة لها، ثم نستخلص من خلال المقارنة الهدف الرئيسي المركزي من نزول القرآن:

1-ورد في القرآن عند تشخيص الهدف أنه جاء(للإنذار والتذكرة) قال تعالى:- ( وأوحي إلي هذا القرآن لاُنذركم به ومن بلغ)[العبيدان2]

2-وفي آيات أخرى يشير القرآن إلى أنه جاء لضرب الأمثال والعبر والدروس مثل قوله تعالى:- ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)[العبيدان3]

وقوله تعالى:- ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)[العبيدان4]

3-ونجد في آيات أخرى أن الهدف من نزول القرآن الكريم هو إقامة الحجة والبرهان والمعجزة، قال عز من قائل:- ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون. أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)[العبيدان5] .

وقال تعالى:- ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً)[العبيدان6] .

4-ويستفاد من آيات أخرى أن القرآن كتاب دستور وشريعة وتفصيل للأحكام، قال سبحانه وتعالى:- ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)[العبيدان7] .

5-وفي مواضع أخرى يشير القرآن إلى أنه جاء من أجل الحكم وفصل الخلاف والتفريق بين الحق والباطل، قال تعالى:- ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)[العبيدان8] .

6-وفي موضع آخر يتعرض القرآن الكريم إلى أن الهدف من نزوله هو تصديق الرسالات السابقة وإمضاؤها وتصحيحها والهيمنة عليها، وبذلك يكون للقرآن دور تصحيحي وتكميلي، قال عز من قائل:- ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تـتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)[العبيدان9] .

وبالرغم من أن هذه الأهداف التي ذكرناها ، قد تكون متداخلة يؤثر بعضها بالآخر ويرتبط به في وجه من الوجوه، إلا أنها تبدو متعددة عندما تطرح في الآيات الكريمة.

ولهذا نحن نحتاج إلى تفسير الظاهرة القرآنية وتشخيص الهدف الأساس لها، بحيث يفهم أن القرآن الكريم جاء لتحقيق غايات وأهداف عديدة، تـتوزع على آيات القرآن وسوره ومضامينه.

ويمكننا أن نصيغ ذلك بنحو سؤال نطرحه، حاصله:

ما هو الهدف الأساس الذي سعت الظاهرة القرآنية الكريمة إلى تحقيقه من خلال وجودها، بحيث يفسر لنا هذا الهدف كل آية في القرآن الكريم مهما كان مضمونها ومحتواها وصيغتها؟…

وفي مقام الإجابة على هذا السؤال، نقول:

إن النـتيجة التي نخرج بها من خلال استعراض الأهداف السابقة والمقارنة بينها، بحيث تكون واضحة للجواب عن السؤال الذي طرحناه هي:

أن القرآن استهدف من نزوله تحقيق هدف واحد رئيس له أبعاد ثلاثة، وساهمت بقية الأهداف الأخرى بشكل أو بآخر في تحقيق هذا الهدف الرئيس.

بل أشار القرآن الكريم أحياناً إلى هذه المساهمة والترابط بين هذا الهدف الرئيس وبقية الأهداف كما سنلاحظ ذلك فيما يأتي إن شاء الله.

الهدف الرئيس:

وهذا الهدف الرئيس الذي استهدفه القرآن الكريم من نزوله، هو إيجاد التغيـير الاجتماعي(الجذري) للإنسانية، من خلال رسم(الطريق والمنهج)لهذا التغيـير، و(خلق القاعدة الثورية)التي تميزت بهذا المنهج والتـزمت وتغيرت على أساسه.

——————————————————————————–

[العبيدان1]سورة النحل الآية رقم 89.

[العبيدان2]سورة الأنعام الآية رقم 19.

[العبيدان3]سورة الإسراء الآية رقم 89.

[العبيدان4]سورة الزمر الآية رقم 27.

[العبيدان5]سورة الأنعام الآية رقم 155-156.

[العبيدان6]سورة النساء الآية رقم 174.

[العبيدان7]سورة النساء الآية رقم 89.

[العبيدان8]سورة النحل الآية رقم 64.

[العبيدان9]سورة المائدة الآية رقم 48.