21 مارس,2019

مدخل إلى علم الفقه

اطبع المقالة اطبع المقالة

تصدير:

لأهل البيت دور بارز في تعميق علم الفقه وتأسيس مدرسة فقهية متينة ومعطاءة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها،بالرغم من أنه لم يتح لها الفرصة أن تمارس دورها في كل الأوقات،عدا فترة زمنية محدودة من تأريخها،إذ تم محاصرتها في مواضع ضيقة،وحيل بينها وبين أن تقول كلمتها في المواقع المتقدمة،والميادين العامة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك.

وعلى أي حال،مع أن الظروف كما عرفنا لم تكن في صالح أئمتا إلا أنهم استطاعوا أن ينشروا الثقافة الفقهية العامة على نطاق واسع،وأن يـبذروا النواة الأولى للمدرسة الفقهية الأصيلة من خلال عدة أمور:

الأول:تربية الكادر العلمي التخصصي من خلال ما كانوا يلقونه من دروس ومحاضرات،أو من خلال اللقاءات التي كانت تعقد للمناظرة والحوار.

ويكفي المتابع ما أثبته المؤرخون من تلامذتهم ،فقد سجل الحافظ أبو العباس ابن عقدة أربعة آلاف من تلامذة الإمام الصادق فقط من ضمنهم أئمة المذاهب المعروفة،بل قيل أن رواة حديثه من الخلق لا يمكن إحصائهم.

الثاني:نشر الثقافة الفقهية على صعيد عام،والتصدي للإفتاء والإجابة على كل ما كان يقدم لهم من أسئلة،ففي الصدر الأول كان أمير المؤمنين علي ملاذاً للأمة ومفزعاً لها حتى اشتهر قول من قال:لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن.

وأيضاً قام أهل البيت بتوزيع الطاقات العلمية وفق برنامج مدروس لتغطية كل الساحة الجماهيرية،فنرى الإمام الصادق يوجه أبان بن تغلب للتصدي للفتيا في المسجد النبوي الشريف،ويقول له:اجلس في المسجد وأفتِ الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك.

في حين كان أبان بن عثمان يتردد بين الكوفة والبصرة،وقد أخذ عنه ثلة من أهل البصرة كعمر والجمحي مما حقق نقلة نوعية في المجتمع الإسلامي ككل لا في حدود الحرمين الشريفين حسب،فتنامت مراكز علمية كبرى في كثير من الحواضر الإسلامية.

الثالث:وضع الأسس المحكمة لعملية الاستنباط وترسيم الحدود والضوابط القانونية لممارسة الإفتاء حيث لم يكن للاجتهاد معنى مشخص لدى المسلمين في الصدر الأول،مما فتح المجال أمام الكثير لتبرير حالات الارتجال والفوضوية فقهياً.

وقد تصدى أهل البيت لهذه الاتجاهات الفقهية الهشة وبينوا نقاط الخلل فيها كتصديهم لمدرسة الرأي والقياس.

الرابع:اعتماد الكتابة وتشجيع ظاهرة التدوين،لحفظ الثروة العلمية من الضياع أو التشويه والتحوير العمدي أو الإتفاقي،فأول من بدأ بذلك أمير المؤمنين حيث دون كتاب الجامعة الذي أودع فيه أهم ما صدر عن رسول الله من تشريعات وأحكام،وكتب مصنفاً في الأحكام عرف فيما بعد بـ(كتاب ظريف)،ودون كذلك تلامذته في عصره ما سمعوه منه كعبد الله بن أبي رافع والأصبغ بن نباتة.

واتسعت هذه الظاهرة حتى ُنقل أن تلامذة الإمام الكاظم كانوا يحضرون معهم وفي أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال،فكلما نطق أبو الحسن بكلمة أو أفتى في نازلة أثبتوا ذلك.

وقد دونت الأصول الأربعمائة من قبل أصحاب الأئمة والتي شكلت المصدر الرئيس للجوامع الحديثية فيما بعد.

تعريف الفقه:

ثم إنه لما كان حديثنا في هذه الفترة حول الفقه،إذ أننا سنتعرض لبعض البحوث الفقهية التي تدخل في دائرة ابتلاء المرأة،فلا بأس قبل البدء من التعرف على تعريف الفقه نفسه،فنقول:

الفقه : هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية التي تكون في دائرة ابتلاء المكلف،أو في غير دائرة ابتلائه.

ويتفاوت العلم بها،إذ ربما كان ذلك من خلال المعرفة التفصيلية،عن طريق الأدلة،وهو ما يسمى بالاجتهاد،وقد يكون من خلال المتابعة لقول من وصل إلى ذلك عن طريق الدليل وهو التقليد.

بعد هذا نقول:

مدخل:

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ، وجعله مكلفا بمجموعة من التكاليف الإلهية ، وعليه أن يخرج منها بطريقة الامتثال ، وقد بينت الشريعة المطهرة أحكام فعل المسلم ، وجعلتها موزعة على خمسة أحكام هي : الواجب والحرام والمستحب والمكروه والمباح.

فإذا بلغ المسلم سن التكليف لزمه التعرف على هذه الأحكام ليجري عليها ويعمل على طبقها.

هذا وتوجد عدة طرق يمكن للمكلف من خلالها امتثال التكاليف الإلهية وإفراغ ذمته منها.

فهناك أحكام يقينية ، كما أن هناك أحكاما ضرورية ، وهناك أحكام ليست كذلك ، فلابد للمكلف حينئذ من اتخاذ أحد طرق ثلاثة :

1-الاجتهاد.

2-الاحتياط.

3-التقليد.

ونحن قبل التعرض لهذا الموارد ، سوف نتطرق لمقدمة تشمل على بعض الأمور :

الأمر الأول: توضيح بعض المصطلحات المهمة في المقام :

1-الشريعة : هي كل حكم أخذ من القرآن الكريم أو من أحاديث النبي ، وأهل بيته.

أو أخذ مما ثبت جواز الاعتماد عليه في استنباط الأحكام من الأصول والقواعد الفقهية ، وهو الذي يصطلح عليه بـ(السنة).

ومقابل هذا المصطلح البدعة : وهي كل ما ينسب إلى الإسلام من تشريعات لم يعتمد فيها على المصادر التي سبق وذكرناها.

وعلى هذا تكون الشريعة هي الهدى والنهج القويم الواجب اتباعه، والبدعة حرام وضلالة يجب إنكارها ورفضها.

2-إن كل فعل من أفعال المسلم لا يخلو في الشريعة من أن يكون إما :

واجبا : وهو ما يجب فعله ويترتب العقاب على تركه.

حراما : وهو ما يجب تركه ويعاقب المكلف على فعله.

مستحبا : وهو ما يحسن فعله ولا يعاقب على تركه.

مكروها : وهو ما يحسن تركه ولا يعاقب على فعله.

مباحا : وهو ما كان فعله وتركه على درجة واحدة في الأهمية ، فلا يثاب المكلف على فعله ولا يعاقب على تركه.

ويجمع هذه الأقسام الخمسة الحكم التكليفي وهو ما يتعلق بأفعال الإنسان و الموجه لسلوكه مباشرة في مختلف شؤون حياته العبادية والاجتماعية ، ويترتب عليه ثواب أو عقاب.

ويقابله الحكم الوضعي الذي لا يترتب عليه ذلك،ويمكننا تحديده،بأنه كل فعل ليس من قبيل الأحكام التكليفية،مثل الصحة والفساد والشرطية والزوجية والملكية والطهارة.