15 نوفمبر,2018

قراءة في الرسالة العملية (4)

اطبع المقالة اطبع المقالة

العرف(1)

تعريفه:

المراد من العرف هو الأمر المألوف والمأنوس نـتيجة تباني الناس على سلوكه بقطع النظر عن منشأ ذلك التباني، فإن كل ما هو مألوف ومتعارف يعبر عنه بالعرف، سواء كان ناشئاً عن نكتة عقلائية مقتضية لذلك التباني، أو كان ناشئاً عن ظروف موضوعية أو عوامل تربوية أو بيئية أو غير ذلك.

ومع اختلاف منا شئ العرف، تـتفاوت الأعراف، فهناك أعراف لا تخـتلف باختلاف المجتمعات والأزمنة، وهناك أعراف تخـتلف من مجتمع لآخر، ويطرأ عليها التغيـير بتمادي الزمان، كما أن هناك أعرافاً تـتصل بشريحة اجتماعية خاصة، وكل ذلك ناشئ عن النكتة المقتضية للتعارف والتباني.

من هو العرف:

ثم إن هذا التعريف الذي ذكرناه للعرف، لا يعني أننا نشترط في العرف الكثرة والتعدد، بل يمكن لفردٍ واحد أن يكون هو العرف، ويمكنه أن يقوم بتحقيق ما هو المطلوب من العرف في الموارد التي يكون فيها للعرف مرجعية، نعم يشترط في هذا الفرد الذي يود أن يحقق العرف خارجاً أن يتوفر فيه أمران:

الأول: أن يكون سائراً على وفق المناهج العقلائية، وسالكاً سبلهم المتبعة.

الثاني: أن يكون قويم السليقة في الفهم والاستظهار، وبعيداً كل البعد عن المتشهيات الشخصية، ولا تحكمه الظروف البيئة التي تحيط به.

ثم إن الحديث عن العرف ومدخليته في الأحكام الفقهية، يستدعي البحث عنه من خلال أمرين:

الأول: صلاحيته للكشف عن الحكم الشرعي.

الثاني: صلاحيته لتحديد موضوعات الحكم الشرعي.

كشف العرف عن الحكم الشرعي:

ويتضح الحديث عن هذا الأمر من خلال الإجابة على السؤال التالي:

هل يكون التعارف والتباني على شيء ولو من قبل جميع العقلاء مناطاً لجعل الشارع حكماً مناسباً لذلك التعارف والتباني بحيث يكون التعارف معبراً دائماً عن موافقة الشارع لما عليه العرف أو لا؟…

وبعبارة أخرى، هل يصلح التعارف على شيء ليكون ملاكاً لجعل الشارع الحكم على طبقه؟…

مثلاً، لو تعارف العقلاء منذ قديم الزمان على تغطية الوجه، فهل يصلح هذا التعارف لأن يجعل وجوب تغطية الوجه على النساء.

وكذا تغطية القدم، فلو كان العرف قائماً على لزوم تغطيتها، فهل يجعل الشارع وجوب التغطية استناداً لهذا العرف.

هذا ويجاب عن هذا الأمر بالنفي والسلب، بمعنى أن هكذا عرف، لا يصلح لأن يكون ملاكاً لجعل الشارع المقدس حكماً، ولا يكون هكذا عرف معبراً دائماً عن موافقة الشارع لما هو عليه.

ويشهد لما ذكرنا أنه لو كان العرف مناطاً للحكم، لما كان ثمة معنى لتصدي الشارع لبيان أحكام كثير من المعاملات التي كانت متداولة ومتعارفة، كالبيع والشراء، والنكاح والطلاق، وغير ذلك، فنلاحظ أن الشارع ألغى بعض الشروط المتعارفة، وقال أن كل شرط حلل حراماً، أو حرّم حلالاً فهو باطل، وأن كل شرط ينافي كتاب الله وسنة نبيه(ص) فهو باطل، كما أضاف شروطاً لم تكن متعارفة، وألغى بعض العقود والإيقاعات التي كانت متداولة بين الناس.

مضافاً إلى أننا نلاحظ أن سيرة المتشرعة والمتدينين، بل جميع المسلمين جارية على مراجعة الشارع في كل شيء حتى في الأمور المتصلة بما هو متعارف ومألوف، فلو كانت الأعراف مناطات الأحكام، لكان على الشارع أن يحيل الناس عليها، ولما كان هناك مبرر لأن يتصدى لبيان تفاصيلها.

نعم يكون التباني والتعارف كاشفاً عن الحكم الشرعي إذا توفرت مجموعة شروط، وهي:

1-أن يصدق على هذا العرف أنه سيرة عقلائية.

2-أن يكون هذا العرف معاصراً لزمن المعصوم(ع).

3-أن يكون هذا الأمر المتبانى عليه، بمرأى ومسمع من المعصوم(ع).

4-أن يكون المعصوم قادراً على الردع عنه، لو كان منافياً لما عليه الشارع، فلا يمنعه عن ذلك مانع، كما لو كان العرف جارياً على شيء وافترض بناء الشارع على حرمته، فلا يكون قبول المعصوم(ع) لهذا الأمر ناشئاً من التقية لعدم تمكنه من الردع عنه، أو ما شابه ذلك.

فإذا توفرت هذه الشروط، ولم يصدر من الشارع ردع عن هذا التباني والتعارف، نستشكف حينئذٍ إمضائه له.

ويمكننا أن نوضح ذلك من خلال المثال التالي:

جريان المعاطاة في البيع، بحيث لا يشترط وجود الصيغة فيه، فهذا الأمر من الأمور العقلائية، بمعنى أن جميع العقلاء يعملون به، وقد كان موجوداً في عصر المعصوم(ع)، وكان بمرأى ومسمع منه، ولم يكن هناك مانع يمنعه من الردع عنه، ومنع الناس من التعامل به، فنستشكف عندها إمضائه لهذا الأمر.