23 مارس,2019

شرعية التعبد بالأديان والمذاهب

اطبع المقالة اطبع المقالة

مجالس عام 1440 هـ

شرعية التعبد بالأديان والمذاهب

 

طرح بعض المسيحين المعاصرين نظرية مشروعية العمل والتعبد بجميع الأديان فلا ينحصر طريق النجاة يوم القيامة في دين واحد دون البقية، وقريب من ذلك ألتـزم بعض الأساتذة(حفظه الله)، فأكد على مشروعية التعبد بجميع الأديان السماوية، بل حتى غير السماوية منها، كالوضعية، والإلحاد والشرك والكفر، فالمشرك مثلاً يمكنه البقاء على شركه وكفره.

نظرية شرعية التعبد بالأديان:

وقد ذكر(وفقه الله)، إنه متى قام الدليل والبرهان على حجية شريعة أو ديانة من الشرائع السماوية، جاز التعبد بها، مثلاً لو قام الدليل على صحة رسالة نبي الله موسى(ع)، وتمامية كتابه التوراة، وجب عليه التعبد بها، واستحق الثواب عليها ويعاقب على مخالفتها لو تعبد بالإسلام مثلاً.

وبالجملة، تمام المدار عنده على وجود الدليل وقيامه، فإنه هو الذي يحدد الوظيفة فلو قام على ديانة الإسلام عمل على وفقه ولو قام على ديانة أخرى عمل على طبقها.

وقد بنى نظريته(وفقه الله) على أساس، أن التكاليف الموجهة منه تعالى للناس مختلفة من شخص لآخر، لأن مدار التكليف على الدليل القائم عند الشخص، فمن قام له دليل على النصرانية كان تكليفه العمل بها ولو خالف فعمل بشريعة أخرى استحق العقاب، نعم لو ثبت له مستقبلاً حقانية شريعة النبي الأكرم محمد(ص)، وجب عليه الالتزام بها، ويستحق العقاب لو خالفها.

وهذا يعني أن الإنسان ليس مختاراً في ما ينتخب من الديانات، بل المطلوب منه هو لزوم التعبد بالدين الذي قام عليه الدليل.

ولا ينحصر التعبد بالشريعة التي قام الدليل عليها في زمانها، وقبل نسخها، بل يشمل حتى زماننا اليوم، بل يشمل حتى الهندوسية، والديانات الوضعية الموجودة في الوقت الحاضر.

أدلة النظرية:

وقد أستدل(رعاه الله) على مختاره بالقرآن الكريم، والسنة الشريفة، ولما كان ما ذكره من النصوص أغلبه من كتاب تفسير العياشي، وهي نصوص ضعيفة الأسناد، فلن نعرض لها، وسوف نقصر الأمر على خصوص دليله الأول، وهو القرآن الكريم.

وقد تمسك بآيتين من القرآن الكريم:

الأولى: قوله تعالى:- (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)[1]، وتقريب دلالتها بلحاظ أن معيار المشروعية والنجاة في الآخرة هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى، واليوم الآخر، والإتيان بالعمل الصالح من دون مدخلية للإيمان بشريعة خاصة في ذلك، فاليهودي مثاب على يهوديته، والنصراني مثاب على نصرانيته، والصابئي مثاب على التـزامه بالصابئية، والمؤمن برسالة النبي الأكرم محمد(ص) مثاب على ذلك، وهكذا.

ولا يذهب عليك، أن تمامية الاستدلال بالآية الشريفة يعتمد على أنها مطلقة من ناحيتين:

الأولى: عدم اختصاصها بعصر من العصور، أو زمان من الأزمنة لتشمل عصرنا اليوم حتى مع ما حصل من تحريف في التوراة والانجيل.

الثانية: عدم اعتبارها شيئاً وراء توفر الأصول الثلاثة لاستحقاق النجاة في الآخرة، ومن ثم دخول الجنة.

الثانية: قوله تعالى:- (ومن يدعو مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون)[2]، فإنها تدل على أن من كان له برهان ولو بالإشراك بالله سبحانه وتعالى، فهو معذور، فلو تعبد بالمجوسية، أو بأي ديانة من الديانات الوضعية كان معذوراً ما دام يملك الدليل على ذلك.

حج المسلم وفق مذهبه:

وقد استشهد لصحة ما أختاره بما أفتى به الفقهاء من عدم وجوب إعادة الحج من المسلم المتبع لأحد المذاهب الإسلامية، متى أتبع مذهب أهل البيت(ع)، إذا أتى به وفق مذهبه، وبطلانه لو كان قد أداه على خلافه ولو وفق مذهبنا، لأن المدار على وجود الدليل عنده على صحة العمل حين الاتيان، وبحسب الفرض هو معتقد بصحة المذهب الذي ينتمي إليه، فيكون إتيانه بالعمل على خلاف مذهبه باطلاً، ولو كان على وفق مذهب الحق واقعاً.

دفع الإشكالات عن النظرية:

وقد أجاب عن الإشكالات الواردة على النظرية من خلال الاستناد إلى قوله تعالى:- (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)[3]، وبقوله تعالى:- (إن الدين عند الله الإسلام)[4]، لدلالتهما على عدم مشروعية التعبد بشيء آخر غير الإسلام، فقال:

إن المجيب قد خلط بين مفهومي الدين والشريعة ولم يفرق بينهما، فإن ملاحظة الآيات المرتبطة بالآيتين، يساعد على أن المقصود من الإسلام فيهما ليس الشريعة، بل هو الدين، فلاحظ الآيات المتقدمة على قوله تعالى:- (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)، وهي الآية الأولى التي جعلت مانعاً من تمامية النظرية، وهو قوله تعالى:- (وإذ أخذ الله ميثاق النبيـين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين* فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون* أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون* قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون* ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)[5]، فإن ملاحظة سياق الآيات الشريفة يكشف عن أن الحديث حول ميثاق الأنبياء، وهذا يجعل المقصود من الإسلام الوارد ذكره في الآية محل البحث معناه العام، الشامل لجميع الديانات، فلا يختص بخصوص شريعة النبي الأكرم محمد(ص).

وأما الآية الثانية، وهي قوله تعالى:- (إن الدين عند الله الإسلام)[6]، فإنها أيضاً بقرينة ما جاء بعدها لا تصلح للمنع من النظرية المذكورة، فإن ملاحظة تتمة الآية الشريفة وهو قوله تعالى:- (وما أختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم)[7]، يمنع من البناء على اختصاص ذلك بالإسلام الذي هو شريعة النبي محمد(ص)، لأن ذكر الاختلاف يساعد على أن الآية تتحدث عن الإسلام الموجود عند أهل الكتاب، وأنهم قد اختلفوا فيه.

والحاصل، إن المقصود من الإسلام في كلتا الآيتين هو الإسلام الواحد في جميع الديانات الإبراهيمية، وليس الحديث عن شريعة من الشرائع[8].

التعبد بالشريعة المحمدية:

لا ريب في شمول الإسلام بمعناه العام جميع الأديان التوحيدية الصادرة عن الوحي الإلهي، وقد عبر عن ذلك القرآن الكريم في آياته الشريفة فقال تعالى:- (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً)، فالشرائع الإلهية جميعها دين واحد، وليست أدياناً متعددة. نعم لا ريب في وجود اختلاف في ما بينها في بعض الأحكام والقوانين، يقول سبحانه:- (لكل جعلنا شرعة ومنهاجاً)، وعليه، يكون للإسلام مصاديق متعددة، فمصداقه في زمن خليل الرحمن إبراهيم(ع)، هو شريعة الخليل، ومصداقه في زمان الكليم موسى(ع)، هو شريعة نبي الله موسى(ع)، ومصداقه في زمان المسيح(ع)، هو شريعة نبي الله عيسى(ع)، ومصداقه في عصر نبي الله محمد(ص)، هو شريعة رسول الله(ص).

ويترتب على هذا أن كل من عاش في عصر ووصلته رسالته وجب عليه إتباعه والإيمان بالأنبياء السابقين عليه، وهذا يعني أنه لو عاصر شخص زمان رسول الله محمد(ص)، وآمن بكل العقائد، إلا أنه أنكر نبوته(ص)، فلن يكون مسلماً، بل هو من أهل الجحود والطغيان لمخالفته أمر الله تعالى، لأن مصداق الإسلام العام منذ بعثة النبي(ص) إلى نهاية العالم هي شريعة رسول الله(ص)، فيجب على كل من بلغته إتباعه، فكل من وصله نداء شريعة النبي محمد(ص) لا يقبل منه اتباع أي شريعة إلهية أخرى غير محرفة، والموجب لذلك أن مصداق الإسلام العام اليوم هو رسالة النبي(ص).

وبالجملة، إن جميع الرسالات السماوية غير المحرفة مع صدقها ومطابقتها للواقع، تبقى مختصة بفترة زمنية محددة، وبعد مضي عصرها لا يكفي الإيمان بها، كما لا يجزئ التعبد بها.

مناقشة نظرية شرعية التعبد بالأديان:

ومع ما تقدم ذكره من أن المصداق الوحيد اليوم للإسلام هي شريعة النبي محمد(ص)، فلا يكفي التعبد بغيرها، لكل من وصلته، وهو معاصر لزمانها، إلا أنه يمكن أن تناقش النظرية المذكور بمناقشة أدلتها التي بنيت عليها، وإقامة الأدلة والبراهين على عدم مشروعية التعبد بالأديان السماوية غير المحرفة، بعد بعثة رسول الله(ص)، فضلاً عن الديانات الأخرى الوضعية، والشرك والإلحاد. وسوف نقصر الحديث على الجواب عن الآية الأولى التي جاءت في كلام صاحب النظرية حذراً من الإطالة، مع أن جواب الآية الثانية أسهل وأوضح.

جواب الدليل الأول:

ويمكن الجواب عن الآية الأولى التي جعلت دليلاً على المدعى، وهي قوله تعالى:- (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم والآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)[9]، بجوابين نقضي وحلي يتمثلان في مجموعة من الأمور، نشير إليها:

أما الجواب النقضي، فيلاحظ عليه، أولاً: بعد التسليم بصحة ما أفيد من جعل معيار التعبد، ومن ثمّ النجاة يوم القيامة هو مجرد الإيمان بالله سبحانه واليوم الآخر، وإتيان العمل الصالح، يلزم من ذلك أن لا يكون للشريعة أي دور وتأثير في النجاة يوم القيامة، وهذا لا يمكن الالتـزام به، لأنه سوف يجعل إرسال الرسل وشرائعهم لغوية.

ثانياً: إن هذا التفسير المذكور لمدلول الآية الشريفة يتنافى والعديد من الآيات المباركة التي تضمنت وصف أهل الكتاب بالكفار، قال تعالى:- (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب)[10]، وقال سبحانه:- (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً)[11].

ثالثاً: إن الالتـزام بعدم وجوب اتباع رسالة النبي الأكرم(ص)، يجعل بعثته(ص) أمراً لغوياً لا فائدة فيه، لأنه يمكن الاستغناء بأي رسالة من رسالات السماء، أو بأي تدين، ولو بالديانات الوضعية، بل الشرك والكفر والإلحاد ما دام لمتبعها دليل.

رابعاً: لقد خلت الآية الشريفة من أخذ قيد وجود الدليل لمشروعية التعبد بالأديان، ما يعني أنها مطلقة تفيد أن المدار على تحقيق الأصول الثلاثة التي تضمنتها، ولم يكن هناك دليل مستند إليه في مقام التعبد، وهذا خلاف المدعى في النظرية المذكورة ما يجعل الآية الشريفة أجنبية عن مفادها، فلا تصلح دليلاً إليها.

إن قلت: إن مناسبات الحكم والموضوع مثلاً، تصلح أن تكون قرينة موجبة للتقيـيد ومانعة من البناء على إطلاقها بهذه الكيفية.

قلت: إن مناسبة الحكم والموضوع أيضاً تصلح أن تكون قرينة لعدم شرعية التعبد بالأديان، بعد بعثة النبي(ص)، لمقام النسخ.

وأما الجواب الحلي، فيلاحظ عليه:

أولاً: إن في البين قرينة تفيد أن موضوع الآية أمر آخر غير ما تصوره بعض الأساتذة، وتمسك به للدلالة على المطلوب، فقد ورد في سبب نزولها، أنها تتحدث عن مصير من مات على شيء من الديانات المذكورة قبل بعثة النبي محمد(ص)، ففي الدر المنثور، عن سلمان الفارسي، قال: سألت النبي(ص) عن أهل دين كنت معهم، فذكر من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت:- (إن الذين آمنوا والذين هادوا)، الآية[12].

ومن المعلوم أن سبب النـزول يعدّ قرينة عقلائية موجبة لتحديد الموضوع الذي تتحدث عنه الآية الشريفة.

ثانياً: إنه بعد التسليم بوجود إطلاق في الآية الشريفة لتكون شاملة لكل من جاء يوم القيامة وقد حقق الأمور الثلاثة المذكورة، سواء مات قبل البعثة النبوية، أم بعدها، فإن سبب النـزول يعدّ قرينة عقلائية مانعة من حجية الإطلاق المذكور، ليقيد موضوعها في خصوص من مات قبل البعثة[13].

ثالثاً: ما أفاده العلامة الطباطبائي(ره)، وحاصله، أن موضوع الآية الشريفة هو الرد على الدعاوى الصادرة من اليهود والنصارى من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان يهودياً أو نصرانياً، فذكرت أن معيار الهداية والتقرب لله سبحانه وتعالى هو الأصول الثلاثة دون تحديد أنها في أي ديانة من الديانات أصلاً، فلم تعتبر شيئاً آخر. قال(ره): فيكون محصل المعنى أن الأسماء والتسمي بها مثل المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين لا يوجب عند الله تعالى أجراً ولا أمناً من العذاب، كقولهم: لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وإنما ملاك الأمر وسبب الكرامة والسعادة حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، ولذلك لم يقل من آمن منهم، بإرجاع الضمير إلى الموصول اللازم في الصلة لئلا يكون تقريراً للفائدة في التسمي[14].

لا يقال: إن مقتضى ما أفاده(ره)، يساعد على ما ذكره بعض الأساتذة(وفقه الله) في مختاره، لأنه يقرر أن تمام النجاة على توفر الأصول الثلاثة، ومقتضى إطلاقها بعدم تقيـيد ذلك بشيء يثبت ذلك.

فإنه يقال: إن كلام السيد الطباطبائي(ره)، مؤداه أن الآية ليست في مقام البيان من هذا الجانب، بل هي في مقام بيان من يدخل الجنة، والإطلاق المتصور يمكن تقيـيده بجملة من الآيات الأخرى، فتأمل.

رابعاً: ما يظهر من العلامة الطباطبائي(ره) أيضاً، من تحديد المقصود من العمل الصالح الوارد ذكره في الآية الشريفة، وأنه ليس المقصود منه معناه العرفي، بل يراد منه معنى ديني خاص، وهو ما يؤيده سبحانه وتعالى ويريده، وهو عبارة عن اتباع شريعة النبي في عصره وزمانه، فمن كان في عصر رسول الله محمد(ص)، يكون العمل الصالح له هو متابعة النبي(ص).

أدلة لزوم اتباع رسالة النبي(ص):

ويمكن الاستدلال لذلك بالأدلة الأربعة، ونقتصر على خصوص القرآن الكريم طلباً للاختصار:

منها: قوله تعالى:- (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا سيبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)[15]، فقد تضمنت التصريح بشمول شريعة النبي محمد(ص) لتشمل هدايتها أهل الكتاب، وأن طريقهم للخروج من الظلمات والوصول إلى الصراط المستقيم هو في اتباع رسالته(ص)، وهذا يعني أن اليهودية والنصرانية التي كانتا نوراً في عصرهما يعتبر التمسك بهما ظلالاً وانحرافاً لمن وصله نداء الإسلام.

ومنها: قوله تعالى:- (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما أنزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن تطمس جوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاً)[16]، فقد تضمنت دعوة صريحة لأهل الكتاب للإيمان بشريعة النبي الأكرم محمد(ص)، وكتابه القرآن الكريم، الذي يصدق جميع الشرائع الإلهية السابقة، والدعوة للإيمان بشريعته(ص) معناه أنه لا يتعبد بما سواه، لأنه لو كان التعبد بما سواه مشروعاً فلا معنى للمطالبة بالإيمان بها والتعبد على وفقها.

ومنها: قوله تعالى:- (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، فإن أحد الأهداف من رسالة النبي(ص) أن تظهر على الدين كله، وينصره الله سبحانه وتعالى على سائر الأديان والشرائع، ومن الواضح أن معنى هذا عدم مشروعية التعبد بشيء آخر غيرها.

على أنه يمكن الاستناد إلى الآيات القرآنية الدالة على عالمية الرسالة المحمدية، خصوصاً على مختار المشهور من أن هذه واحدة من الخصائص التي امتازت بها رسالة النبي(ص).

ولا يذهب عليك أن ما أجاب به(وفقه الله) عن الآيتين التي تمنعان الاستناد للنظرية المذكورة، يمكن دفعه، لكن لما كان البناء على الاختصار، أشير إلى التمسك بالسياق في دلالة الآية الأولى يفيد خلاف ما أراد، ذلك أن الميثاق المقصود في الآيات السابقة هو رسالة النبي الأكرم محمد(ص)، ونبوته، كما أشار لذلك صاحب الميزان، وهذا يساعد على أنه متى بعث النبي(ص) تعين أن يكون مصداق الإسلام هو خصوص رسالته(ص)، دون من سواه.

خاتمة:

بقي أن نشير إلى الاستشهاد الذي أفاده(وفقه الله) بعدم وجوب الإعادة للإعمال الصادرة من المسلم حال أداءها وفق مذهبه، وأن انتخب مذهباً آخر، كمذهب أهل البيت(ع)، لأنه كان معتمداً على الدليل حال إتيانها، واستشهد لذلك بالحج، إذ فيه، أن منشأ البناء على عدم لزوم الإعادة عليه يعود لوجود نصوص خاصة في المقام، ولا ربط لذلك بتصحيح ما هو عليه من عمل لكونه مستنداً للدليل.

 

 

[1] سورة البقرة الآية رقم

[2] سورة المؤمنون الآية رقم 117.

[3] سورة آل عمران الآية رقم

[4] سورة آل عمران الآية رقم

[5] سورة آل عمران الآيات رقم 81-85.

[6] سورة آل عمران الآية رقم 19.

[7] سورة آل عمران الآية رقم 19.

[8] لا يذهب عليك أن التفسير المذكور ليس موضع اتفاق بين علماءنا، لأنه قد ذهب جملة منهم إلى تفسير الإسلام الوارد في الآيتين بأنه خصوص شريعة النبي الأكرم محمد(ص)، منهم: العلامة الحلي في كتابه التذكرة، والمحقق الكركي في جامع المقاصد، والسيد علي خان المدني في شرح الصحيفة السجادية، والشيخ حبيب الله الخوئي في منهاج البراعة، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه الأمثل في تفسير القرآن، والشيخ السبحاني في أضواء على عقائد الشيعة، وغيرهم.

بل حتى الذين بنوا من أعلامنا على أن المقصود بالإسلام فيهما هو التوحيد فإنهم يلتـزمون أنه يتعين الإسلام بهذا المعنى في خصوص رسالة النبي(ص) وقت بعثته ورسالته.

[9] سورة البقرة الآية رقم 62.

[10] سورة الآية رقم

[11] سورة الآية رقم

[12] وقد ذكر صاحب الأمثل (دامت بركاته) سبباً آخر لنـزول الآية الشريفة، وهو طويل يمكن مراجعته ج 1 ص 219-221، وهو يؤدي نفس الغرض، وتعدد أسباب النـزول، مع تعدد مصادرها كما أشار لذلك العلامة الطباطبائي(ره)، حيث ذكر أنه مروي بعدة طرق، الميزان ج 1 ص 193.قد يساعد على الوثوق، فتأمل.

[13] وقد يمنع الجوابان المذكوران، بلحاظ أن القرينة نص روائي، ومع كونه خبر آحاد، فإنه ضعيف السند أيضاً، ومصدراه كتب الجمهور، وهذا يقوي احتمال الوضع فيها، بل ربما عدت من الإسرائيليات.

[14] الميزان في تفسير القرآن ج 1 ص 193.

[15] سورة الآية رقم

[16] سورة الآية رقم