15 نوفمبر,2018

تفسير سورة الحجرات(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

 

تفسير سورة الحجرات(1)

 

من السور المدنية سورة الحجرات، نزلت بعد سورة المجادلة، وقبل سورة التحريم، وآياتها كلها محكمة، فلم يذكر اشتمالها على آية متشابهة، كما لم يذكر وجود آية منسوخة أو ناسخة فيها.

وتبرز أهمية دراسة السورة المباركة والتدبر في آياتها والمضامين التي انطوت عليها، كونها تضمنت مجموعة من الموضوعات التي ترتبط بالبعد الاجتماعي، والنواحي الأخلاقية التي يحتاج إليها المجتمع، كحرمة الغيبة، وغيرها، كما سيتضح جلياً في طيات البحوث القادمة إن شاء الله تعالى. مضافاً إلى أنها قد ركزت على حقيقة الإسلام وأهله، وحقيقة الإيمان وأهله، بسبب بيانها حقيقة المنتمين لكل واحد من هذين الأمرين.

 

سبب تسميتها:

والظاهر أن منشأ تسميتها يعود لورود ذكر اللفظ في السورة، فقد جاء ذلك في الآية الرابعة منها، قوله تعالى:- (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون)، وهذا الوجه يشير إلى أن التسمية بشرية نتجت من خلال انتخاب أجلى مفردة قد وردت في السورة، فسميت بها.

ومن المحتمل جداً أن تكون التسمية سماوية، وليس منشأها وجود اللفظة في السورة وعدمه، مع أنه قد تكون سماوية وأعطي الاسم لوجود اللفظة فيها أيضاً.

 

فضل السورة:

أشارت النصوص الشريفة إلى فضل السورة من خلال بيان ما يحصل عليه القارئ لها من أجر وثواب، فمن ذلك ما رواه الصدوق بإسناده عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله(ع)، قال: من قرأ سورة الحجرات في كل ليلة أو في كل يوم كان من زوار محمد(ص). ودلالتها تحتاج تأملاً لوجود تساؤلين فيها:

 

الأول: هل يعتبر في قراءتها أن تكون بكيفية محددة، ما يوحي بوجود شرط اضافي دخيل في ترتب الثواب المذكور على القراءة، بمعنى أن يكون القارئ لها متدبراً في آياتها، مطيعاً لله سبحانه وتعالى حق الطاعة محققاً لما جاء به النبي(ص)، متقياً في كل حال، مجتنباً للكبائر، مبتعداً عن الأخلاق الرذيلة من غيبة وتجسس وغير ذلك من الصفات، أم لا يعتبر شيء من ذلك، فيكفي مجرد التلاوة والقراءة وإن لم تكن مشتملة على التدبر والتأمل.

وإن شئت قل، هل أن القراءة مأخوذة بنحو العلة التامة أم أنها مأخوذة بنحو المقتضي؟

لا يخفى أن مقتضى الإطلاق هو البناء على أخذها بنحو العلة التامة، فلا يعتبر فيها شيء اضافي وراء القراءة، والقول باعتبار ما ذكر يحتاج دليلاً، وهو مفقود في المقام.

والتمسك لذلك بمناسبات الحكم والموضوع ليبنى على التقيـيد بما ذكر ليكون مأخوذاً بنحو المقتضي ليس واضحاً. نعم الجزم بكفاية مطلق القراءة دون قيد أو شرط من الصعوبة بمكان، وإن كان محتملاً.

 

الثاني: تحديد المقصود من زيارته(ص)، وهنا احتمالات:

أحدها: أن يكون المقصود هو توفيقه لزيارة النبي(ص) في عالم الدنيا، فيصل إلى روضته المباركة، وجنته الطاهرة.

ثانيها: أن يكون المقصود إكرامه بزيارته للنبي(ص) في عالم الآخرة، فيشرف بزيارة النبي(ص) في الفردوس الأعلى.

ثالثها: البناء على كلا المحتملين السابقين، فيوفق لزيارة النبي(ص) في الدنيا، ويزور النبي(ص) أيضاً في الآخرة. وهذه الاحتمالات بناء على أن القارئ هو الزائر.

ويحتمل أن يكون الزائر هو النبي(ص) وليس القارئ، فيكون قارئ السورة ممن يزوره النبي(ص)، وعندها تأتي الاحتمالات الثلاثة المتقدمة أيضاً، ويكون المقصود من زيارة النبي(ص) للقارئ في الدنيا زيارته له في عالم المنام، وليس في عالم اليقظة، فيرى رسول الله(ص). وتكون زيارة رسول الله(ص) إليه في عالم الآخرة بأن يقصده(ص) إلى موضعه في الجنة.

ومع أن الاحتمال الأول يفيد توفيقاً للقارئ ويشير إلى فضل له، إلا أن الاحتمال الثاني أوضح في بيان الفضل والإشارة إلى عظيم المنـزلة، وهذا يجعل الظهور في الاحتمال الثاني أقرب للظهور منه في الاحتمال الأول، فتأمل[1].

والحاصل، وفقاً للاحتمال الثاني، والاحتمال الأول في التساؤل الأول، يكون مفاد النص أن من قرأ سورة الحجرات وفق لواحد من احتمالات ثلاثة قد سمعتها، إما دنيوي، وإما أخروي، وإما كليهما.

إن قلت: إن مقتضى الاحتمال الثاني، أن تكون القراءة قراءة شكلية لسانية فقط تفتقر للتدبر وإمعان النظر في الآيات، فضلاً عن ملاحظة العمل على وفقها وتطبيق أوامر الله تعالى، ومن المعلوم أن القراءة الشكلية اللسانية من مصاديق هجران القرآن الكريم الذي ورد المنع عنه، والنهي عن فعله.

قلت: إن هجران القرآن من حيث الأحكام مختلف، فبعضه محرم، وبعض مكروه، وهذا على فرض كونه من مصاديق الهجران، فإنه من الهجران المكروه، وليس الهجران المحرم.

[1] منشأ التأمل يعود لعدم وجود قرينة في المقام واضحة يمكن الركون إليها للجزم بالظهور الثاني دون الأول.