20 مارس,2019

تفسير آية المباهلة

اطبع المقالة اطبع المقالة

بعد أن تعرفنا على سبب النـزول والأجواء التي نزلت فيها الآية الشريفة،نحتاج إلى تفسير الآية المباركة،قبل التعرض لبيان الإشكالات التي أوردت على الإستدلال بها،والداعي إلى بيان تفسيرها،هو أن تفسيرها يحوي بيان الفضيلة المدعاة والمنصب المدعى لأهل بيت العصمة(ع).

تفسير الاية:

بداية تـتحدث الآية كما عرفنا من سبب النـزول عن دعوة لمبادلة الإحتجاج لكي يتضح صحة إحدى الدعويـين المطروحة في البين بين الطرفين المتنازعين.وقد كانت دعوى نصارى نجران بنوة عيسى(ع)لله تعالى،أو ألوهيته.

وقد قال الله تعالى لنبيه(ص)،ادعهم إلى المباهلة،لتقطع كل عذر،وتدفع كل ضلالة،وتحسم مادة كل فساد،من خلال التباهل إلى الله تعالى لمعرفة المحق من المبطل.

ومن الواضح أن هذا طريق لابد منه لحفظ الحق عن الضياع،وإتمام للحجة على العباد،وصون للمؤمن ومقامه في الحياة،كما أنه إلحاق للخزي والعار والهلاك للمبطل،ومن هو على الغي والضلال.

قوله تعالى(أبناءنا وأبناءكم)المراد من الأبناء هم أبناء رسول الله(ص)الذكور،المنحصرون في الحسن والحسين(ع)حين نزول الآية الشريفة.

ثم إن الإتيان بلفظ الجمع مع أن المذكور اثنين فقط،من باب الأدب المحاوري الذي يلاحظه القرآن الكريم،وهو دائر في المحاورات الفصيحة.

كما أنه يمكن القول أنه من باب مقابلة الجمع بالجمع،فلا دلالة فيه على تعدد الأفراد في كل عنوان من العناوين الواردة في الاية الشريفة،بل المقصود هو جعل هذا الجمع مقابل ذلك الجمع.

قوله تعالى(ونساءنا ونساءكم)النساء يشمل المرأة التي تنسب إلى الشخص بسبب أو نسب،كالزوجة والأم والأخت والبنت،وقد ورد استعماله في جميع تلك الموارد في القرآن الكريم،قال تعالى:- (نساءكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)[1]،وهو هنا ناظر إلى الزوجة كما هو واضح،وقال تعالى:- (فإن كن نساء فوق اثنتين)[2]،والمراد بهن الأخوات،وقال تعالى:- (وللنساء نصيب مما ترك الولدان)[3]،والمراد بهن البنات.

ثم إن المنتيقن من النساء في آية المباهلة السيدة فاطمة الزهراء(ع)بالإجماع والنصوص المتواترة.

ويعود هنا من جديد إشكال الجمع،بناء على ما ذكرناه من التفسير،لكنه يمكن أن نجيب مضافاً لما تقدم بالتالي:

إن الآية قضية شخصية راجعة إلى نفس الرسول(ص)،وقد أمر الله تعالى أن يدعو كل من الطرفين أهلهم،ممن هو بمنـزلة أنفسهم ونسائهم وأبنائهم،ولا تتجاوز هذه الدعوة سواهم،فليس هنا عموم كي يطالب بدليل تخصيصه،فلو لم يكن لأحد إلا نفس واحدة وبنت واحدة وابنان فلا يضر بإتيان لفظ الجمع،ولو لم يكن لأحد المتخاصمين بنون أو لم يكن إلا ابن واحد أو بنت واحدة،فتعين المصداق الموجود منهم ويكون متعلق الدعوة.

إن قلت:نحن نسلم بما ذكرت من أن المدعوين بنص الاية في طرف الإسلام هم أبناء الرسول(ص)وأنفسه ونسائه،فلابد في مقام الإمتثال من دعوة جميع من ينتسب إليه(ص)بالعناوين المذكورة.

قلت:حيث أن المكلف والمأمور به هو نبي معصوم،فعمله في مقام الإمتثال شرح وتفسير للآية الكريمة،فعدم إحضاره(ص)جميع نسائه وأبنائه وأحبته من المؤمنين كاشف قطعي عن المأمور به،إما لعدم صلاحية من سواهم أو لأنهم أفاضل خاصته وخواص أحبته.

فتحقق أن المقام مقام دعوة كل من المتخاصمين خواص أهل بيتهم،فرسول الله(ص)في مرحلة الإمتثال جاء بعلي والحسنين وفاطمة(ع)وأما النصارى فعدلوا عن المباهلة،كما عرفنا فيما تقدم.

ثم إن الإتيان بلفظ الجمع لا ينافي ذلك،قال تعالى:- (فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية طيبة من عند الله مباركة طيبة)[4].

قوله تعالى:- (وأنفسنا وأنفسكم)المقصود هنا نفس الرسول(ص)القائم بالدعوة إلى الله تعالى،ومن هو بمنـزلته في العلم والعمل والقضاء بالحق،وهو منحصر في علي(ع)نصوصاً وإجماعاً.

إن قلت:لا يمكن دخول النبي(ص)في الاية،لأن الداعي لابد أن يكون غير المدعو،ولا يصح دعوة الشخص نفسه.

قلت:لم يقم دليل على بطلان دعوة الشخص نفسه،بل الأمر يدور مدار الغرض الصحيح،وقد ورد في الفصيح ذلك،يقال:آليت على نفسي أن لا أفعل كذا،ونحو ذلك مما هو كثير.

مضافاً إلى أن دخول النبي(ص)الذي له مقام الجمع في الجمع وبمنـزلة الكل ينفي أصل هذا الإشكال.

على أن دخول النبي(ص)إنما هو لأجل إثبات منـزلة علي(ع)والإعلام بأن وجوده(ع)بمنـزلة وجوده(ص)في العلم والعمل والخصال الحميدة.

معنى المباهلة:

قوله تعالى:- (ثم نبتهل)المباهلة من البهل،وهو في اللغة:بمعنى تخلية الشيء وتركه غير مراعى[5].

فالبهل هو ترك الشيء غير مراعى،فالمباهلة إذن هي أن يدعو الإنسان ربه ويطلب منه سبحانه وتعالى أن يتركه بحاله،وأن يوكله إلى نفسه.

نعم ورد تفسير الإبتهال باللعن والموت والبعد عن الله تعالى،والظاهر أن هذا صحيح أيضاً،لأن ذلك نتائج ترك الله تعالى العبد وشأنه.

قوله تعالى:- (فنجعل لعنت الله على الكاذبين)هذا بيان للإبتهال،والمراد من اللعنة النكال والعذاب مطلقاً،الذي منه البعد عن رحمة الله تعالى وتوفيقاته.

ويستفاد من ذلك أن أحد الطرفين كان كاذباً والآخر كان صادقاً،ولأجل بيانه وفضحه طلب النبي(ص)المباهلة.

ويتضح مما ذكرنا الوجه في عدول النصارى عن المباهلة مع قبولهم بها في البداية،وذلك لما رأوا القادمين مع النبي(ص).

——————————————————————————–

[1] سورة البقرة الآية رقم 223.

[2] سورة النساء الآية رقم 11.

[3] سورة النساء الآية رقم 7.

[4] سورة النور الآية رقم 24.

[5] المفردات في غريب القرآن مادة بهل.