15 نوفمبر,2018

المصادر الحديثية عند الشيعة

اطبع المقالة اطبع المقالة

يثير بعض المخالفين للشيعة الإمامية شبهة، مفادها، أن الشيعة لا يملكون مصادر حديثية، بل أنهم لا يملكون كتاباً صحيحاً يمكن أن يركن إليه، ويمكن لخصمهم أن يحجهم به، وما ذلك إلا لافتقادهم للمصادر الحديثية، وعدم وجودها عندهم.

بينما على العكس تماماً نجد لدى أبناء العامة مجموعة من الكتب عرفت بالصحاح، واشتهر من بينها الصحاح الستة، ولا أقل أن لديهم كتابين صحيحين، معروفان، مجمع على صحتهما، وهما كتاب صحيح البخاري وصحيح مسلم.

وهذا الشبهة واهية، ضعيفة، نشأت من عدم معرفة الخصم بالمنهج الحديثي لعلمائنا، وعدم إحاطته ودرايته بالطريقة العلمية المتبعة، ونحن نجيب عنها بشكل مفصل إن شاء الله تعالى.

المصادر الحديثية عند الشيعة:

قد عرفت سابقية أهل البيت(ع) وشيعتهم في التدوين على أبناء السنة، حتى صنف الشيعة الإمامية أربعمائة كتاب تسمى بالأصول الأربعمائة، خلال القرون الثلاث الأولى للهجرة، والتي جمعت في القرنين الرابع والخامس، من قبل المشائخ الثلاثة، في كتب أربعة هي: الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، الإستبصار.

الأصول الأربعمائة:

في عصر الأمويـين، ركز الإمامان الصادقان، محمد بن علي، وجعفر بن محمد(ع) على أصحابهما الاهتمام بمسألة حفظ الحديث وجمع شتاته، وأمروهم بتدوين مروياتهم عن الأئمة(ع)، فصارت كتباً ورسائل كثيرة اشتهرت من بينها أربعمائة رسالة لأربعمائة راوٍ عرفت فيما بعد بالأصول الأربعمائة، وصارت نواة الحديث في الثقافة الإسلامية فيما بعد.

فالأصل عنوان يطلق على بعض كتب الحديث، وإنما عرف بذلك لاعتماد مؤلفه على رواية الأحاديث الواردة فيه سماعاً عن الإمام أو سماعاً ممن سمع من الإمام، لا أنه أخذها من كتاب ومؤلف سابق، فوجودها غير متفرع على وجود كتاب آخر.

ويمكن تعريف الأصل بأنه: الكتاب الذي جمع فيه مصنفه الأحاديث التي رواها عن المعصوم(ع) أو عن الراوي عنه.

ومن الواضح أن احتمال السهو والخطأ في الأصل يكون أقل من المنقول عن الكتاب المنقول عن كتاب آخر، لتطرق احتمال الزيادة والنقصان في النقل عن الكتب.

وقد نص علماؤنا المتقدمون على أصحاب الأصول وعينوهم بأسمائهم في كتب الفهرس الجامع لأسماء مصنفي الشيعة.

هذا وقد ظفر بعدد من تلك الأصول طبعت بالطبع الحديث بعنوان الأصول الستة عشر، وقد جدد طبعها مؤخراً بطبع جديد.

الجوامع الحديثية للشيعة:

يمكن تقسيم الجوامع الحديثية للشيعة إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الجوامع الأولية.

الثاني: الجوامع الثانوية.

الثالث: بقية الجوامع الحديثية الأخرى.

الجوامع الأولية:

من المعلوم أن أصحاب الأئمة(ع) كانوا يدونون الحديث في تلك الحقبة الزمنية على ألواح وصفائح وأوراق، كانت أشبه بالكراسات، تحتوي على ما سمعه الراوي من الإمام المعصوم(ع)، وكانت تعرف بالأصل أو النسخة.

وقد يعمد الراوي إلى تنظيم هذه الأحاديث حسب العناوين أو الأبواب أو الموضوعات، فكان يطلق عليها اسم الكتاب، أو الجامع.

وقد تصدى أصحاب الأئمة إلى زمان الإمام الكاظم(ع) إلى تنظيم وجمع مسموعاتهم على هذا المنوال.

وبارتفاع الضغط السياسي عن نقلة الحديث أخذت هذه الكتب طريقها إلى الازدياد والتعدد بواسطة الاستنساخ والاستكتاب والسماع والقراءة والإجازة وغير ذلك.

وقد ذكر الشيخ الطوسي(ره) نموذجاً من ذلك في ترجمة حيدر بن محمد ببن نعيم السمرقندي حيث قال: إنه روى ألف كتاب من كتب الشيعة بالقراءة والإجازة[o1] .

وقد عرفت هذه الجوامع بعد ذلك بأسماء جامعيها، أو بأسماء من قام بعملية تنظيمها، واستكتابها.

الجوامع الحديثية الثانوية:

نشأت الجوامع الثانوية، نتيجة عدة عوامل كانت دخيلة في وجودها، حيث أنه بعد اشتهار الجوامع الحديثية الأولية في الأوساط الشيعية أوشك سماع الحديث على الاضمحلال اعتماداً على هذه الجوامع، كما واجهت المحدثين مشاكل أخرى:

منها: صعوبة الإلمام بالأحاديث الصحيحة من آلاف الأحاديث التي تضمنـتها الجوامع الأولية.

ومنها: عدم وجود ترتيب خاص في سرد الأحاديث في الجوامع الأولية.

ومنها: تفرق الروايات المتعلقة بموضوع واحد في الأبواب المختلفة.

ومنها: تداخل المواضيع الأخلاقية والآداب والتأريخ والفقه في الجوامع الأولية، وذلك لأن أكثرها كانت إملاءات لمجالس الشيوخ وجوابات مسائل طرحت على الرواة والعلماء.

هذه الأمور وأمثالها دعت ثلاثة من كبار العلماء إلى محاولة احتواء هذه المشاكل وحلها بجمع جوامع حديثية جديدة تختص بالأحكام الشرعية من جهة، وتكون مبوبة ومرتبة بحيث يسهل الرجوع إليها عند الحاجة وتمخضت محاولاتهم عن ولادة عدة كتبت تمتاز بالدقة في التبويب وشمول جميع أبواب الفقه، يمكن تسميتها بالجوامع الحديثية الثانوية.

وحاول مؤلفوها جمع أهم الروايات وأصحها سنداً وأوضحها دلالة، فصارت الجوامع الثانوية وافية لكل ما يرتبط بالأحكام الشرعية ، واعتمد عليها كل من تأخر زماناً عن مؤلفيها.

كتاب الكافي:

تأليف الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني(ره) المعروف بثقة الإسلام، المتوفى ببغداد سنة 3329 هـ، في حياة النائب الرابع للإمام الحجة(عج).

والكافي أضبط وأجمع الكتب الأربعة، فقد استغرق تأليفه عشرين عاماً، قضاها مؤلفه في انتقاء الأحاديث.

وقد انتهج الشيخ الكليني في تأليف كتابه منهجاً من خلال ترتيب الكافي ترتيـباً طبيعياً ومنطقياً، فبدأ بكتاب العقل، ثم بيان فضل العلم، ثم كتاب التوحيد، ثم كتاب الحجة، وهكذا إلى تمام 34 كتاباً مقسماً للكتب إلى 326 باباً تشتمل على جميع أبواب أصول الدين وفروعه.

وهو في عدد رواياته ينوف على الصحاح الست للجمهور، حيث يـبلغ عدد رواياته 16121 حديث، بدون عدّ المكرر منها.

ويعتبر الكافي عند الشيعة أوثق الكتب الأربعة، وما ذلك إلا لأن الشيخ الكليني(ره) قد ذكر تمام سلسلة السند بينه وبين المعصوم مما لم يوجد له نظير في الكتب الأخرى.

هذا وقد وردت بعض الكلمات التي لا قيمة لها، من أن الكافي لما كان مؤلفاً في زمن الغيـبة الصغرى، فقد عرض على صاحب الزمان(عج) وصدر عنه القول بأن :الكافي لشيعتنا كافٍ.

وهذه المقالة لم نجدها في أي مصدر من المصادر الحديثية المعتمدة، ولا أثر لها ولا عين في كلمات أحد من علمائنا، وفي كلمات من ترجم لشيخنا الكليني(قده).

من لا يحضره الفقيه:

تأليف الشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، المعروف بالشيخ الصدوق المولود سنة 306، والمتوفى سنة 381 هـ.

وقد عرف الشيخ الصدوق بهذا اللقب حتى صار من الألقاب الخاصة به، فيتبادر عند الإطلاق إليه مباشرة، لمزيد تـثبته في الرواية، وشدة حفظه وضبطه، وقد كانت رواياته المثل الأعلى في الاعتبار، حتى قيل أن مراسيله في كتابه من لا يحضره الفقيه حجة يمكن الاعتماد عليها.

وقد أحصى العلامة الجليل الشيخ علي أكبر غفاري عدد روايات الكتاب في مجلداته الأربعة، فوجدها 5920 حديثاً.

وقد كان السبب في تأليفه لكتابه(ره)، أنه تذاكر مع محمد بن الحسن ابن إسحاق المعروف بنعمة وهو أحد أعلام الشيعة في القرن الرابع حول كتاب من لا يحضره الطبيب لمحمد بن زكريا الرازي، فسأله نعمة أن يكتب على غرار ذلك الكتاب في الفقه والحلال والحرام، فألف له هذا الكتاب في سنة واحدة.

تهذيب الأحكام:

ويطلق عليه اختصاراً التهذيب، تأليف شيخ الطائفة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المولود في شهر رمضان سنة 385 والمتوفى سنة 460 هـ في شهر محرم الحرام.

وقد حوى هذا الكتاب جميع ما يتعلق بالفروع من الأخبار مما يغني الفقيه عما سواه في الغالب، ولا يغني عنه غيره.

وقد شرح فيه الشيخ(ره) كتاب أستاذه الشيخ المفيد(ره)، وابتدأ بتأليفه وهو ابن خمس وعشرين سنة، أنجز منه في حياة استاذه تمام كتاب الطهارة إلى أول كتاب الصلاة، ثم أكمل بقية الشرح بعد وفاته.

وقد عرف(قده) بطريقته في التأليف بما جاء في أول الكتاب، من أنه يقتصر على إيراد شرح ما تضمنـته الرسالة المقنعة، وأن يذكر المسائل مسألة، ويورد فيها الاحتجاج من الظواهر والأدلة المفضية إلى العلم، ويذكر مع ذلك طرفاً من الأخبار التي تقترف إليها القرائن التي نزل على صحتها من أحاديث أصحابنا(ره)، وقد وفى بهذا الشرط في أكثر ما يحتوي عليه كتاب الطهارة. ثم إنه رأى أنه يخرج بهذا البسط عن الغرض ويكون هذا الكتاب مبتوراً غير مستوفٍ فعدل عن هذه الطريقة إلى إيراد أحاديث أصحابنا(ره) المختلف فيه والمتفق عليه، ثم رأى بعد ذلك أن استيفاء ما يتعلق بهذا المناهج أولى من الإطناب في غيره فرجع وأورد من الزيادات ما كان قد تركه.

ويمكن تلخيص خصائص التهذيب فيما يلي:

1-استيعاب أكبر عدد ممكن من الأحاديث الفقهية المتفق عليها والمختلف فيها مع بيان وجه التأويل والجمع بين الأحاديث المتخالفة.

2-تدرج الشيخ الطوسي في إيراد الروايات، فبدأ بالروايات المعتمدة عند الأصحاب، ثم الروايات الضعيفة.

3-انتهج في ذلك شرح كتاب المقنعة، فصار مبوباً حسب البواب الفقهية.

4-اختصر الكتاب بإحالة الأسانيد إلى المشيخة التي جعلها في آخر الكتاب.

الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار:

وهو أيضاً تأليف شيخ الطائفة الطوسي(ره) وقد ألفه الشيخ لغاية علاج الأخبار المتعارضة، كما جاء ذلك في مقدمة الكتاب.

الجوامع الحديثية المتأخرة:

قام بعد المحمدين الثلاثة، المحمدون الأواخر، وهم محمد بن الحسن الحر العاملي، ومحمد باقر المجلسي، ومحمد بن مرتضى المشهور بالفيض الكاشاني، فألفوا ثلاثة كتب جامعة، تعد من خيرة الكتب.

وسائل الشيعة:

فألف الشيخ الحر كتابه وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، وقد استقى أحاديثه من عدة مصادر ذكرها، كالكتب الأربعة، وغيرها من الكتب المعتمدة عنده، وهي تزيد على سبعين كتاباً.

وقد انتهج منهجاً، أنه لا يصرح باسم الكتاب الذي نقل الرواية عنه، إلا إذا كان كتاباً غير الكتب الأربعة، فإنه يصرح باسمه.

وتعدّ هذه النقطة، وهي سعة مصادره، وعدم اقتصاره على خصوص الكتب الأربعة ميـزة وخصيصة لهذا الكتاب.

وقد جعل لكل مسألة باباً على حده ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، مستقصياً كل ما ورد فيها من الأخبار، ضارباً صفحاً عن الأحاديث التي لا تـتضمن شيئاً من الأحكام الشرعية، مهملاً للأخبار المشتملة على الأدعية الطويلة والزيارات والخطب، وقد جعل لكتابه خاتمة جليلة ذكر فيها مهمات المسائل الرجالية.

وقد استدرك عليه المحدث النوري الشيخ حسين(ره) في كتابه مستدرك الوسائل، فذكر الروايات لتي أعرض عنها صاحب الوسائل،وأهم مصادرها، في كتاب سماه مستدرك الوسائل.

بحار الأنوار:

لغواص بحار الأنوار شيخنا المجلسي الابن محمد باقر(قده)،فقد ألف كتابه الجليل البحار، وقد طرق فيه كثيراً من العلوم، وأشتمل على 25 كتاباً.

وهو دائرة معارف يجد فيه المطالع ما يشاء من مواعظ وحكم، وعقائد، وفقه، وتاريخ، وغير ذلك.

وهو كما وسمه مؤلفه بحار، فيه الدر والصدف، والجوهر والخزف. وهو أكبر الموسوعات الحديثية للشيعة.

والسبب الرئيس لتأليف الشيخ المجلسي(ره) كتابه البحار، هو ما لاحظه من عدم اهتمام الناس بالحديث وإقبالهم على العلوم الأخرى، وهي وإن كانت أصولها مأخوذة من الأئمة(ع) إلا أن اختلاط الحق بالباطل من جهة تطاول الزمان وحدوث الشبهات، فرضت على العلامة المجلسي(قده) السعي في إحياء الحديث.

وقد ذكر أيضاً أنه حاول جمع الأحاديث التي لم تـتعرض لها الكتب الأربعة ليصونها من الضياع والإندراس، ويستفاد هذا مما ورد في مقدمة الكتاب.

الوافي:

للعلامة الملا محسن فيض الكاشاني(قده) وقد ألف كتابه وجمع فيه كل ما تضمنـته الأصول الأربعة، ولم يزد فيها شيئاً سوى الترتيب والتوبيب، فقد ألفها على الطريقة المعروفة اليوم في ترتيب الكتب الفقهية.

ويمكن تلخيص السبب الذي دعاه لتأليف كتابه في النقاط التالية:

1-عدم كفاية الكتب الأربعة كل واحد على حدة في استنباط الأحكام، بسبب عدم احتوائها لكل ما ورد عن الأئمة(ع) من الأخبار المتعلقة بالأحكام.

2-تعسر الرجوع للكتب الأربعة، لاختلاف عناوين الأبواب فيها.

3-وجود التكرار في أحاديث الكتب الأربعة.

وعلى هذا يمكننا أن نذكر مجموعة من الخصائص لهذا الكتاب، وهي:

1-جامعيته للكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة.

2-حذف الأحاديث المكررة من الكتب الأربعة والاكتفاء بنموذج واحد منها.

3-إيراد البيانات والتوضيحات اللازمة في ذيل كل حديث.

4-الجمع بين المختلفات والمتعارضات.

5-نقل ما سقط من أوائل أسانيد الفقيه والتهذيب في آخر الكتاب.

ليس كل ما تضمنـته المصادر الشيعية متفقاً عليه بينهم:

هذا ولابد لمن أراد أن يقرأ المصادر الشيعية بكافة محتوياتها، وما تـتضمنه من علم ومعرفة، أن يعلم بأن كثيراً مما تضمنـته هذه المصادر، ليس أمراً متفقاً عليه بين الشيعة قاطبة، وليسوا بمجمعين على صحته، والجزم به. وإنما القدر الإتفاقي المسلم المجمع عليه عند الشيعة، والمجزوم به بينهم، هو أصول العقيدة، من التوحيد وما يتعلق به، من تـنـزيه الله سبحانه وتعالى عن الظلم والجبر والتجسيم والتشبيه والمكان والزمان، ثم النبوة ، ثم إمامة الأئمة الأثني عشر(ع)، وما يتعلق بهما من عصمة الأنبياء والأئمة(ع)، ثم المعاد الجسماني.

نعم قد اتفقوا على بعض الأمور الأخرى التي ثبتت بأدلة قطعية من النصوص المتواترة، أو الإجماع، أو حكم العقل القطعيـين، وتلك الأمور تـتعلق بالفروع الفقهية والسيرة وما بعد الموت، وغير ذلك.

وقد وقع الاختلاف بينهم في أمور كثيرة، وذلك لكون باب الاجتهاد مفتوحاً عندهم، لم يغلق ولم يوصد، فيحق لكل أحد أن يمارس هذا الحق وفق مجموعة من الأسـس والضوابط المقررة في محلها.

ثم إن الاختلاف المذكور يجري حتى في النصوص والأحاديث الشريفة، فليس كل حديث يذعنون بمضمونه أو يتفقون عليه. وكم من حديث متروك لا يعمل عليه، على معايـير وضوابط مفصلة في محلها من كتب الحديث والرجال، ليس هذا مورد ذكرها، أو أنه مورد خلاف بينهم، لاختلافهم في تلك الضوابط والمعايـير.

والذي يهمنا هو أنه لا ينبغي التسرع في نسبة ما يوجد في تلك المصادر من مضامين الأحاديث أو أقوال العلماء إلى الشيعة بأجمعهم وتحمليهم مسؤوليته، إلا بعد التأكد من إذعانهم به واتفاقهم عليه.

تقسيم الحديث:

ثم إنه بعد الإحاطة بما تقدم منا ذكره، لنعرج على مسألة التصحيح للكتب الحديثية، ووجود الصحيح عند الشيعة، من خلال المصادر الحديثية، ولنقدم لذلك تعريفاً بذكر تقسيمات الحديث، ومعنى الصحيح منه.

قسم الحديث بلحاظات مختلفة إلى عدة أقسام، فقد قسم الحديث بلحاظ عدد رواته إلى متواتر وخبر آحاد وفقاً لمبنى المشهور. وبلحاظ أوصاف الرواة، من العدالة والضبط والإيمان وعدمها، إلى صحيح، وقوي، وحسن، وضعيف.

وبحسب اتصاله بالمعصوم وعدمه إلى: مسند، ومعلق، ومقطوع، ومنقطع، ومرسل.

وباعتبار ما يعرض له إلى: معنعن، ومضمن، وعالي، ومسلسل.

وبلحاظ المروي: إلى معلل، ومدرج، ومدلَّس، ومقلوب، ومصحف.

وبلحاظ الراوي إلى: المتفق، والمفترق، والمؤتلف، والمختلف، والمتشابه، رواية الأقران، رواية الأكابر عن الأصاغر، وهكذا إلى غيرها من التقسيمات الأخرى.

وما يهمنا في مطلع هذا الحديث، هو التعرض لمصطلح الصحيح عند المدرستين، مدرسة أهل البيت(ع)، ومدرسة السنة والجماعة.

وسنعرض في هذه الدراسة إلى خصوص المدرسة الأولى، ونحيل دراسة المدرسة الثانية، لوقت آخر.

الحديث الصحيح عند مدرسة أهل البيت:

هناك اصطلاحان مختلفان للحديث الصحيح عند مدرسة أهل البيت:

الأول: اصطلاح القدماء.

الثاني: اصطلاح المتأخرين.

مصطلح الصحيح عند القدماء:

إن المراجع لكلمات القدماء من أصحابنا، يجد أنهم في إطلاقهم اصطلاح الصحيح على الحديث، لا يقصرون نظرهم على خصوص الناحية السندية، بمعنى أن مصطلح الصحيح عندهم لا ينحصر في خصوص النظر إلى رواة هذا الحديث، بحيث متى ثبتت وثاقتهم، بني على كونه صحيحاً، بل المتسالم عليه بينهم في تسمية الحديث بالصحيح، هو الحديث الذي يكون محفوفاً بقرائن الصحة، بقطع النظر عن شرائط الصحة المتعارفة عن المتأخرين، من الاتصال، والعدالة، والضبط.

فسواء كان الحديث متصل الإسناد، أم مرسلاً، وسواء كان الراوي عادلاً ضابطاً ثقة، أم لم يكن كذلك، فما دام الحديث محتفاً بقرائن الصحة، المعتبرة عندهم، يعدّ الحديث صحيحاً وحجة يعمل بمؤداه.

قال الشيخ المفيد(ره): والأخبار الموصلة إلى العلم بما ذكرناه ثلاثة أخبار: خبر متواتر، وخبر واحد معه قرينة تشهد بصدقه، وخبر مرسل في الأسناد يعمل به أهل الحق على الاتفاق[o2] .

وقال شيخ الطائفة، الشيخ الطوسي(قده): وما ليس بمتواتر على ضربين، فضرب منه يوجب العلم أيضاً، وهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم، وما يجري هذا المجرى يجب العمل به[o3] .

القرائن الموجبة للصحة عند القدماء:

هذا وقد نص القدماء على تلك القرائن التي متى احتفت بالخبر أمكن الحكم حينها بكونه صحيحاً، حتى لو اختلت فيه الشرائط الأخرى المعتبرة عند المتأخرين، وتلك القرائن هي:

1-موافقة القرآن الكريم.

2-موافقة السنة الشريفة.

3-موافقة العقل.

4-موافقة إجماع الطائفة.

هذا وينبغي أن يعلم، أن هذه الطريقة، ليست تساهلاً في تصحيح الأحاديث بحيث يؤاخذ القدماء عليه، بل إن التوسعة في مفهوم الصحة من قبلهم- بحيث يشمل إضافة إلى صحيح السند، الحديث الضعيف إذا احتف بقرائن الصحة- تعود إلى طبيعة الفترة التي دونت فيها الموسوعات الحديثية، في الفترة الزمنية من سنة( 350هـ -450هـ) من قبل المشائخ الثلاثة، الكليني والصدوق والطوسي، حيث أن الأصول والكتب التي جمعت منها تلك الموسوعات، هي كتب وأصول حديثية مشهورة ومعتبرة عند الطائفة، وقد عرض بعضها على الأئمة الأطهار وصححوها، كما أن أصحابها معروفون بالوثاقة والخبرة في الحديث وروايته وتحمله، وقد دونوا فيها الأحاديث التي رووها، مباشرة أو غير مباشرة عن الأئمة الطاهرين(ع).

كما أن بعض هذه الكتب والأصول كانت في متناول أيدي المشائخ الثلاثة، ورووا عنها مباشرة.

فهم بحاجة إلى إثبات وجود الرواية في أحد تلك الكتب أو الأصول الثابتة نسبتها لأصحابها، ليحكموا بصحتها، إذا لم يكن هناك ما يوجب تضعيفها، وهذا كما يتأتى عن طريق السند الصحيح، يثبت بالشواهد والقرائن المعتبرة إذا حفت بالخبر.

مصطلح الصحيح عند المتأخرين:

ثم إن هذا الاستعراض المتقدم(للصحيح) لا يعني أن تصحيح الروايات، على ضوء مباني مدرسة أهل البيت(ع) يقتصر على هذه الطريقة فقط، بل إن الصحيح بمعناه الاصطلاحي في علم الدراية كثير في كتبهم الحديثية، فلاحظ الكتب الأربعة، وغيرها من المصادر الحديثية.

وعلى أي حال، فقد عرف الشهيد الثاني(قده) الحديث بأنه: ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل الإمامي العدل عن مثله، في جميع الطبقات…وإن اعتراه شذوذ[o4] .

وقال الشيخ البهائي: ثم سلسلة المسند: إما إماميون ممدوحون بالتعديل، فصحيح، وإن شذ[o5] .

فشرائط صحة الحديث على ضوء هذين التعريفين:

1-اتصال السند: أي أن يكون كل واحد من رواة الحديث قد تلقاه ممن فوقه من الرواة إلى أن يـبلغ منـتهاه، وهو المعصوم(ع)، وبذلك خرج المرسل والمنقطع بأي نوع من أنواع الانقطاع.

2-عدالة الرواة: والعدالة عند الشهيد الثاني تعني: أن يكون الراوي سليماً من أسباب الفسق، التي هي فعل الكبائر، أو الإصرار على الصغائر، وخوارم المروة[o6] .

وبمقتضى اعتبار عدالة جميع الرواة في جميع الطبقات، يخرج الحديث الحسن عن حدّ الصحيح.

3-أن يكون الراوي إمامياً، فخرج بهذا القيد غير الإمامي وإن كان عادلاً، أي خرج الحديث الموثق.

فهذه الشروط الثلاثة الواردة في تعريف الشهيد الثاني: اتصال السند، عدالة الرواة، أن يكون الراوي إمامياً، متفق عليها عندهم.

نعم هناك قيود أخرى وقعت مورد خلاف وبحث بينهم، مثل قيدية الضبط، وعدم الشذوذ، وعدم الإعلال، حيث قبلها بعضهم، وناقش فيها البعض الآخر.

ولنشر إلى ذلك بشيء من الإيجاز:

الضبط:

فقد اعتبر الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي، والد الشيخ البهائي(قده) هذا الشرط، فقد عرف الصحيح بقوله: وهو ما اتصل سنده بالعدل الإمامي الضابط عن مثله حتى يصل إلى المعصوم من غير شذوذ ولا علة[o7] .

وتبعه على ذلك الشيخ حسن العاملي، حيث اعترض على تعريف والده الشهيد الثاني للصحيح: بأن الضبط شرط في قبول خبر الواحد، فلا وجه لعدم التعرض له في التعريف، وقد ذكره العامة في تعريفهم[o8] .

وأما من أسقط هذا القيد من التعريف، فلا يعني ذلك عدم اعتباره له، وإنما قالوا بأن الضبط هو من لوازم العدالة، وأن عدالة الراوي تستبطن ضبطه لما يرويه. فمع ذكرها في التعريف يصبح ذكره لغواً، أو من باب التأكيد، لا أنها شرط فيه.

نعم من كان يرى أن الضبط شرط مغاير للعدالة، لأنه يراد منه الأمن من غلبة السهو والغفلة، الموجبة لكثرة وقوع الخلل في النقل على سبيل الخطأ دون العمد.

عدم الشذوذ:

ويراد من الحديث الشاذ هو: ما رواه الراوي الثقة، مخالفاً لما رواه الأكثر.

وقد تسالم أغلب المتأخرين على عدم اعتباره قيداً في التعريف، ولم يشذ أحد منهم سوى الشيخ حسن العاملي في كتابه منـتقى الجمان[o9] .

وقد علل عدم اعتبار قيد( عدم الشذوذ) في التعريف، لأن الشذوذ أمر آخر مسقط للخبر عن الحجية، ولا ربط له بتسمية الخبر صحيحاً وعدمه.

عدم الإعلال:

ويراد منه سلامة الحديث من علة تقدح في صحته، أي خلوه من الأسباب الخفية الغامضة الفادحة، رغم سلامة ظاهره، في متنه أو سنده.

ولا يتمكن من معرفة ذلك إلا الماهر العارف بالأخبار، كالإرسال فيما ظاهره الاتصال، أو دخول حديث في حديث.

الكتب الصحاح:

هذا وبعد الإحاطة بالمصطلحين المزبورين للحديث الصحيح الذي تقدم منا ذكرهما، يتضح لك منهج أصحاب مدرسة أهل البيت(ع) في تصحيح الأحاديث، إذ نجد أنهم –غير الإخباريـين-تعاملوا مع الكتب الحديثية تعاملاً جدياً، فعمدوا إلى دراسة الروايات الواردة دراسة مفصلة، متناً وسنداً، فلم يقبلوا منها إلا ما ثبت صدوره عن المعصوم بالدليل، وكان صريحاً أو ظاهراً في دلالته.

واعتبروا مؤلفي هذه الكتب مجتهدين، قد يصيبوا وقد يخطأوا، فليس ما يفضب إليه اجتهادهم حجة على غيرهم.

كما أن ما اعتمدوه من قرائن لتصحيح الأخبار، قد لا تصلح للقرينية على ذلك لو اطلعنا عليها الآن.

وبعبارة أخرى: إن الذي عليه لشيعة الإمامية أعلى الله كلمتهم وأنار برهانهم، هو الدراسة الحديثية للرواية من كافة الجهات والجوانب، التي منها الناحية السندية، فالفقيه الشيعي الإمامي، عندما تلقى عليه الرواية الموجودة في أحد المصادر الحديثية لا يأخذها من غير فحص وتدقيق، بل يـبذل غاية وسعه في الفحص عنها وعن رجالها.

نعم وجود الرواية في أحد الكتب المعتبرة يعد قرينة للمجتهد على العمل على مقتضاها.

وما هذا إلا لأن باب الاجتهاد لا زال مفتوحاً، وعملية التصحيح السندي، الناجم من قضية التوثيقات الرجالية من القضايا الاجتهادية التابعة لمدى مقبولية خبر المخبر، ولهذا قد يختلف ف ذلك نتيجة المعارضة في التعديل والجرح، فربما قدّم أحدهم طريق التعديل، بينما قدّم آخر منهج الجرح، وهكذا، فما يكون صحيحاً عند شخص، قد لا يكون صحيحاً عند آخر، وهكذا.

فضلاً عن أن التصحيح القدمائي الذي تقدمت الإشارة إليه والناجم من الاستناد إلى القرائن، التي لو اطلعنا عليها اليوم لما كانت مفيدة لنا ما كانت تفيده لهؤلاء في ذلك الوقت.

وبالجملة، فإن مقتضى فتح باب الاجتهاد وفق مجموعة من الأسس والضوابط المقررة في محلها، استدعت عدم وجود مصدر اتفاقي واحد مصحح من قبل علماء الشيعة أجمع.

ونفس هذا المعنى نتحدى فيه أبناء السنة أن يأتونا بمصدر واحد اتفق علماء السنة على الحكم بصحة كل ما جاء فيه، بل الموجود إنما هو اجتهاد عملي من قبل أصحاب الصحاح، سعوا من خلاله إلى إعمال اجتهادا تهم، وعلى وفقها حكموا بالتصحيح، والقبول والرد، وهكذا.

ملاحظة مهمة:

ثم إن قولنا بأنه لا يوجد كتاب واحد متفق عليه عند الشيعة يحكم الكل بصحة كل ما جاء فيه، لا يعني أننا لا نمتلك كتباً مثل كتب أبناء السنة صحيحة، فكما قلت، أن البخاري ومسلم مثلاً، إنما هو عملية اجتهادية من هذين للحكم بصحة ما جاء في كتابيهما، ونحن نملك مثل هذا المعنى الكثير، إذ لا ريب أن كل فقيه من فقهائنا عنده كتاب صحيح، لكن على شرطه هو، يعني على وفق ما يتبناه من المباني الرجالية والدرائية، ولهذا يمكننا أن نخرج كتاباً جامعاً باسم صحيح أي عالم من علمائنا، وأي فقيه من فقهائنا.

بل إن هذه العملية قد خرجت إلى حيز الوجود، إذ قام غير واحد من أعلامنا بمثل هذا العمل، فهذا شيخنا صاحب الحدائق الشيخ يوسف البحراني(قده) في كتابه لؤلؤة البحرين، حينما يعرض لترجمة شيخنا الكليني(قده) يذكر أن الصحيح من أحاديث الكافي بحسب الاصطلاح المتأخر 5072 حديثاً.

وهذا من قبله شيخنا المجلسي(قده) في كتابه القيم مرآة العقول، يصنف أحاديث الكافي، ويسعى إلى النص على الصحيح منها على وفق مصطلح الصحيح بين المتأخرين، وقد كتب بعض المعاصرين كتاب الصحيح من الكافي، والصحيح من كتاب من لا يحضره الفقيه.

كما قام العلامة الجليل الشيخ علي أكبر غفاري، بإحراز الأحاديث الصحيحة على وفق المصطلح بين المتأخرين، عند تحقيقه لكتاب تهذيب الأحكام.

وكانت هناك محاولة مشكورة أيضاً للشيخ حسن بن الشهيد الثاني، في كتابه منـتقى الجمان في الأحاديث الصحاح، وهكذا نجد أن هناك عدة محاولات، وكثيرة جداً، كلها تحدثت عن وجود عمليات تصحيح للأسانيد ودراسة لأسناد الروايات ومتونها، ولكن ذلك يتم على وفق مباني كل دارس، وباحث ومجتهد وفقيه، فليس لأحد أن يحج الآخر، بما يلزم به نفسه.

نعم حكم الأخباريون من علماءنا بصحة جميع الأحاديث الواردة في الكتب الأربعة،وذلك جرياً منهم على مصطلح الصحيح القدمائي

——————————————————————————–

[o1]رجال الشيخ الطوسي الرقم 249.

[o2]التذكرة بأصول الفقه، ط المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، المجلد التاسع من مصنفات الشيخ المفيد ص 28.

[o3]الإستبصار ج 1 ص 3.

[o4]شرح البداية في علم الدراية ص 21.

[o5]الوجيـزة ص 419.

[o6]شرح البداية ص 68.

[o7]وصل الأخيار إلى أصول الأخبار ص 93.

[o8]منتقى الجمان ج 1 ص 5.

[o9]منتقى الجمان ج 1 ص 7.