18 يناير,2019

الليلة العاشرة: كيف نقرأ الحسين(ع)

اطبع المقالة اطبع المقالة

وتـتجدد الذكرى الأليمة لمصاب الطف، ومأساته، ونحن إذ نجدد هذه الذكرى، نسأل الله تعالى، أن يديم علينا هذه النعمة بإحياء هذه المناسبات، حتى يأذن الله تعالى لولي الأمر(عج)بأخذ الثأر، نحتاج أن نقرأ الحسين(ع)لكي يمكننا أن نعيشه(ع)في كافة أمور حياتنا، ونستفيد منه في المنهج والفكر.

لكن هذا يستلزم أن نتعرف على المناهج المطروحة لدراسة تاريخ أهل البيت(ع).

المناهج المعروضة لدراسة سيرة أهل البيت(ع):

هناك منهجان رئيسيان درس من خلالهما سيرة أهل البيت(ع)، وهما:

المنهج التحريفي:

وهو المنهج الذي نقل التاريخ بصورة مشوهة، فحرّف الأمور عن حقائقها وأعطاها الصبغة التي تتماشى مع أهوائه وأهواء السلطة التي ينتمي إليها.

ولقد تعمد هؤلاء انتهاج هذا المنهج إرضاء للسلطة التي كانوا يدينون لها بالتقدير والاحترام، وقد كانوا يتبنون أطروحة تتعارض مع أطروحة أهل البيت(ع).

وقد درج على هذا المنهج أغلب مؤلفي التاريخ العام كابن حزم الأندلسي، وابن تيمية، وابن العربي، وغيرهم.

فنجد أن ابن حزم الأندلسي، يعتبر قاتل الإمام علي مجتهداً متأولاً، وقد ضربه بالسيف في الصلاة وبمحراب مسجد الكوفة.(المحلى لابن حزم ج 10 ص 484).

وعندما يتعرض لقتلة عثمان، فإنه يرفض أن يكونوا من المجتهدين في قتله، بل هم فساق محاربون سافكون دماً حراماً عمداً بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان فهم فساق ملعونون.(الفضل لابن حزم ج 4 ص 161).

وهذا ابن العربي ينصح الإمام الحسين(ع) فيقول:كان الأولى به أن يتبع حديث جده الذي قال:ستكون هناك هنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان، فكان أولى به أن يسعه بيته ويبايع، ولم يكن يزيد هو الذي قتله ولا واليه عبيد الله بن زياد، بل قتله من استدعاه ثم أسلمه من أوباش أهل الكوفة.(العواصم من القواصم لابن العربي).

هذا وكأن هؤلاء ومن حدا حذوهم عدوا أئمتنا(ع)قادة سياسيـين يسعون لتحقيق مطالب شخصية، أو عائلية أو ما شابه، وأبعدوا عنهم الصفة الرسالية التي تطبع حياتهم.

وهذا هو الذي دعاهم إلى أن يصنفوا أئمتنا(ع)بأن كل واحد منهم يفتقد لبعض المزايا المطلوبة، فصار أمير المؤمنين(ع)يفتقد إلى مزايا الزعامة السياسية من بعد نظر ويقظة وحنكة وحزم.(صانعوا التأريخ العربي، د.فيليب حتى ص 63).

ووسموا الإمام الحسن(ع)في صلحه مع معاوية بالوهن والضعف، وأنه كانت تنقصه القوة المعنوية والقابلية القيادية.(عقيدة الشيعة الإمامية،رونلدنسن).

المنهج التجزيئي:

وهو ما تناوله الكتّاب والمؤرخون الشيعة من تأريخ أهل البيت(ع)، وعرضوا فيه لحياتهم ونشاطهم، ولكنهم سجلوها كما وردت في المرويات التأريخية في حالة تناثر مجزأ وتراكم عددي، والنظر إليها نظرة تجزيئية دون أن تكون هناك من أكثرهم الرؤية على النظر الشامل لتأريخهم العظيم، واستخلاص العبر والدروس منه.

كما لم يقم أحد منهم بإعادة ترتيب النصوص التاريخية وفق منهج محدد، بشكل يحقق العبرة والمثال للقارئ.

إيجابيات المنهج التجزيئي:

ثم إذا هذا الذي ذكرناه لا يعني عدم وجود جوانب إيجابية وحسنة لهذا المنهج، بل لهذا المنهج العديد من الإيجابيات، من أهمها أنه الطريق الذي قام بنقل التاريخ لنا بأمانة ودقة متناهية كاملة دونما تحريف أو تشويه في معالمه، وفتح بهذا الباب أمام الدارسين بعد ذلك ليقوموا بدراسة تأريخ أهل البيت(ع)للاستفادة منها وتسليط الأضواء عليها لتحصيل الفائدة لحاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها.

سلبيات المنهج التجزيئي:

لكن تبقى في هذا المنهج عدة سلبيات، وأهمها أنه يعرض حياة الأئمة المعصومين(ع)كما لو كانت متباينة ومتناقضة، فيرى القارئ أو الدارس، مجموعة من الحلقات المفرغة بين شخصياتهم وحياتهم، فيعيش ذلك مثلاً، بين صلح الإمام الحسن(ع)وثورة الإمام الحسين(ع)ومن ثم انتهاج المعرفة والتعليم من خلال الدعاء وغيره الذي انتهجه الإمام زين العابدين(ع).

فلماذا صالح الحسن أو هادن، وثار الحسين(ع)فهل أن الحسن يسير على أمر غير ما يسير عليه الحسين(ع)؟…أم ماذا؟…

هذه مجموعات تساؤلات تنجم من خلال الدراسة التجزيئية لسيرة أهل البيت(ع).

أقسام المنهج التجزيئي:

هذا وقد عرض المنهج التجزيئي في سيرة أهل البيت(ع)بثلاثة أقسام:

1-السرد التاريخي.

2-السرد المناقبي.

3-السرد الأسطوري.

السرد التاريخي:

وهو الذي يتناول فيه المؤرخون الأحداث التاريخية وفقاً لتسلسل وقوعها زمنياً مع التركيز على إبراز جانب الإثارة العاطفية من تأريخهم وإظهار الأئمة من أهل البيت(ع)وخصوصاً بعد واقعة كربلاء المؤلمة بأنهم قد اعتزلوا السياسية واتخذوا منهج الإرشاد والعبادة والانقطاع عن الدنيا.

وهذا المنهج حتى في الدراسات التحليلية الذي صدرت فيه لا يعدو كونه تسليطاً للضوء على سيرة الأئمة بمنهجية تجزيئية تعتمد على دراسة سيرة كل إمام من الأئمة(ع)بنحو منفصل عن بقية المعصومين الآخرين.

هذا ومن النماذج التي حفظها لنا التاريخ من الكتابات الشيعية التي بهذه الكيفية يبرز كتاب الإرشاد لشيخنا المفيد(ره)وإعلام الورى بأعلام الهدى لشيخنا الطبرسي(قده).

السرد المناقبي:

وهو الأسلوب الذي يعتني بإبراز الناحية المناقبية لأهل البيت(ع)، بذكر فضائلهم، وما يتميزون به من رفعة في ميزان الأخلاق ومظاهر البطولة النادرة والسمو الإنساني، وذكر رذائل أعدائهم وما يتصفون به من انحطاط في سلم القيم.

ومن ابرز الكتابات التي نجدها في هذا المجال يبرز لنا كتاب المناقب للشيخ ابن شهراشوب(ره).

السرد الأسطوري:

وهو الأسلوب الذي يعتني بنقل المعاجز والكرامات الصادرة عن المعصومين(ع)ويعتني بالتركيز على هذا الجانب بشكل كبير، وكيف أنهم(ع)كانوا يحققون من خلالها فتح مغاليق صراعهم وأزماتهم السياسية مع أعدائهم.

هذا ونحن لا نريد أن ننكر هنا الكرامات الصادرة عنهم(ع)لما هو المعلوم من أنه قد ثبت أن لهم الولاية التكوينية، كما هو مذكور في محله.

لكن الذي نود الإشارة إليه أنه ينبغي أن تعرض هذه الكرامات بصورة تجعل المستمع لا يتوقف فيها، من خلال عرضها بأسلوب يتماشى والواقع المعاش وإبراز الجوانب التربوية والعميقة فيها، وعرضها بصورة قوية، لا بصورة سطحية ساذجة.

فلنعرض قضاء علي(ع)بما يتماشى مع الأساليب الحديثة التي استخدمها علي(ع)في قضائه قبل مئات السنين، ولنشر إلى أن علياً(ع)قد اعتمد على دراسة الحالة النفسية للمجرم للكشف عنه، وهو ما يعمد له اليوم الباحثون عن الجرائم ودراسة سبل كشفها، فإن عرض هذه الأمور تبرز أهمية عظمى لهذا الكم الهائل من الفضائل، ولا تجعلها مجرد كرامات خرق بها المعصوم(ع)العادة، بل تصيرها مطالب تستحق من الباحثين دراستها والتأمل فيها لما تحويه من معارف جمة.

المنهج الترابطي التوحيدي:

والنتيجة التي نصل إليها أن المنهج التجزيئي بأقسامه الثلاثة سواء كان بنحو الدراسة الموضوعية، أم كان بنحو الدراسة التفكيكية لكل معصوم معصوم،يوجد ثغرة شاغرة تسبب عدم انسجام التصرفات الصادرة من بعض المعصومين مع بعضهم البعض.

ولهذا تطرح عدة تأملات، مثل:

ما هو السبب الذي منع الحسين(ع)من العمل بالتقية،ويهادن كما هادن أخوه الحسن من قبله،وعلي بن الحسين من بعده؟….

ولماذا انتهج الحسين بن علي(ع)منهجاً لم ينتهجه غيره من المعصومين(ع)؟…

وأمثال ذلك من التساؤلات التي تنجم عن مثل هذا المنهج كما عرفت.

من هنا صار لزاماً أن نقرأ أهل البيت(ع)من زاوية وبمنهج آخر وهو المنهج المقترح، وهو المنهج الترابطي التوحيدي.

المنهج الترابطي:

وهو أن تتم دراسة تأريخ أهل البيت(ع)من خلال العامل المشترك الذي يجمع أهل البيت(ع)والغاية التي من أجلها كان منصب الإمامة أساساً، وهو هداية الأمة والسعي بها إلى الكمال من خلال إبعادها عن مزالق الانحراف والوقوع في الضلالة.

ثم إننا إذا درسنا تأريخ أهل البيت(ع)بهذه الكيفية لن نجد هناك أي ثغرات أو تناقضات متصورة في حياتهم(ع).

فهدنة الإمام الحسن(ع)هي بنفسها نهضة الحسين(ع)وهي نفس المنهج المعرفي الذي اتخذه زين العابدين(ع)، فلا فرق بين أي منهم، ذلك أنهم جميعاً يسعون لنفس الهدف والغاية، فلا يختلف أي منهم فيها.

نعم يختلف كل واحد منهم بلحاظ المنهج والأسلوب المتخذ الذي يمكن من خلاله تحقيق هذا الهدف والغاية المرجوة.

وهذا يخضع لمجموعة من الظروف المحيطة بالمعصوم(ع)فهو قبل الإقدام على السير بأسلوب ومنهج معين، يقوم بعملية دراسة الظروف والأوضاع المحيطة به، ومن ثم يقوم بوضع منهج يتناسب مع الظروف الموجودة خارجاً، وهكذا.

القراءة من جانب واحد:

هذا ومن النقاط التي تظهر خارجاً في دراسة سيرة أئمتنا(ع)، ويمكن اعتبارها إحدى المصاديق للمنهج التجزيئي في الجملة، ما يبرز حين دراسة أي شخصية من شخصيات أئمتنا(ع)، إذ يركز على زاوية واحدة من تلك الشخصية، وتهمل بقية الجوانب الأخرى فيها، بحيث يخيل للقارئ أو المستمع انحصار هذه الشخصية في خصوص هذه الزاوية.

فمثلاً، لا يتعرض حين ذكر أمير المؤمنين(ع)إلا لخصوص مسألة الخلافة والإمامة، فمتى ذكر علي(ع)في مناسبة ولادة أم مناسبة شهادة، فإن الموضوع الذي يركز عليه وبصورة رئيسية هو هذا الموضوع، وتهمل بقية الجوانب الأخرى في شخصيته المباركة.

ونحن لا ننكر ما لهذا الموضوع من الأهمية خصوصاً وأن الإمامة عندنا نحن الشيعة تعتبر أحد أصول الدين، لكننا ندعو إلى أن لا تغفل النواحي الأخرى في شخصية أمير المؤمنين(ع)خصوصاً وأنها تحوي من الدروس التربوية النافعة والمفيدة للأمة الشيء الكثير، فهناك إنسانية علي، كما هناك علم علي، وأيضاً شجاعة علي، وإيثار علي، وخلق علي الكريم، وغير ذلك مما يستحق الدراسة والبحث.

وعندما تمر مناسبة ترتبط بإمامنا الحسن السبط(ع)فلا تجد غالباً إلا أحد مفردتين، إما مسألة الصلح مع معاوية ومحالة الوصول لفلسفة هذا العمل الصادر منه، أو الدعوى المنسوبة له(ع)من كونه كثير الزواج،ومطلاق.

وهاتان المفردتان، وإن كانتا ترتبطان بالمنحى العقائدي،لكن هذا لا يسوغ لنا أن نهمل الجوانب الأخرى في شخصية الإمام(ع)ونحرم الأمة أن تنتفع من هذا المنهل العذب،وتسير على منهجه(ع).

وكذا في شخصية الإمام الرضا(ع)وولاية العهد، وهكذا الإمام المنتظر المهدي أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

ومن الشخصيات أيضاً التي تبرز في هذا الجانب صاحب هذه الذكرى وبطل هذه الليلة، وهو أبو الأحرار المولى الإمام الحسين(ع).

فإنه لا يتعرض حينما يتعرض لذكرى سيرته العطرة غالباً إلا لخصوص مفردة النهضة المباركة، ومحاولة بيان أسبابها، وأهدافها، وفلسفتها، وأنها حققت الأهداف المرجوة من عدمه، والملابسات والظروف التي صاحبتها، وما إلى ذلك.

ونحن لا ننكر أهمية الحديث عن هذا الجانب، وإن كانت المكتبة الشيعية قد أتخمت به، ونتمنى المزيد أيضاً، لكننا نقول بأن هناك عدة مفردات في شخصية المولى أبي عبد الله تستحق القراءة والدراسة.

فحينما نعزم على قراءة الحسين(ع)لا ينبغي أن تقتصر قراءتنا له على هذا الجانب، بل هناك جوانب أخرى جديرة بالقراءة والتحليل.

الجانب العبادي عند الحسين(ع):

فهناك الجانب العبادي، وهو جانب أبرزه الحسين(ع)قبل واقعة الطف الخالدة، ويكفينا دعاء يوم عرفة، وهو دعاء عالي المضامين يستحق أن يقف الإنسان أمامه طويلاً، ويتأمل في مضامينه العظيمة التي صاغها الحسين(ع)في بيان حقيقة العلاقة بينه وبين الله تعالى.

هذا فضلاً عما احتواه هذا الدعاء من المعارف الإلهية إذا أشتمل على العديد من المطالب الواردة في التوحيد والصفات الثبوتية والجمالية للذات المقدسة.

كما نجد في نهضته المباركة فصولاً عظمى خالدة في علاقته مع الله تعالى، فهو يطلب من ابن سعد أن يؤخره ليلة العاشر حتى يصلي لربه ويقرأ القرآن، فإنه يحب ذلك ويأنس به.

كما أنه يوم عاشوراء، وقد وقعت الحرب وسقط شهداء الفضيلة الواحد تلو الآخر، يقدم الحسين(ع)صورة من أعظم صور العلاقة الخالدة مع الله تعالى، فيقف بين الصفوف ليناجي ربه، ويقيم الصلاة الأخيرة لله تعالى.

الجانب الأخلاقي:

كما هناك الجانب الأخلاقي في سيرته المباركة، التي حدثتنا كتب التاريخ عنها قبل كربلاء البطولة، وفي كربلاء الكفاح، فها هو يقدم للحر وصحبه يوم لقيهم الماء، كما نجده يبكي يوم عاشوراء لأن هؤلاء يدخلون النار بسببه.

هذه بعض الجوانب التي تستحق أن تدرس دراسة معمقة لنتمكن من أن نقرأ الحسين(ع)في يوم استشهاده على أرض كربلاء البطولة والتضحية.