20 مارس,2019

الشعائر الحسينية (2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

أهمية المجالس الحسينية:

هذا ولا يخفى على أحد ما للمجالس الحسينية من أهمية في المجتمع الشيعي بشكل خاص، والإسلامي بشكل عام، لكونها تمثل أحد الروافد الفكرية والثقافية والبنائية لأفراد المجتمع، وهذا يلمس من خلال ملاحظة الأدوار التي مرت بها هذه المجالس، والتطور الذي سار فيه المنبر الحسيني، وكيف كانت بدايته، حتى وصل إلى أرقى مستوياته بما هو عليه اليوم، وعلى أي حال، نحن نحاول هنا الإشارة إلى بعض الأبعاد التي للمجالس الحسينية.

لكن قبل ذلك نود الإشارة إلى أطروحتين في التعامل مع المجالس الحسينية،أو المنبر الحسيني،من خلال دوره الحيوي في المجتمع،والقائمين عليها.

فنقسم المنبر أو المجالس إلى قسمين:

الأول:المنبر المنفصل،ونعني به:المنبر الذي يعتمد على طرح القضايا المتعلقة بالأمة من خلال خصوص المتحدث.

وهذا المنهج حسن،ويؤدي الغرض المطلوب،لكنه ربما لا يتناسب مع طموحات الأمة ورغباتها،مما يوجد فجوة بين الأمة وبين المجالس الحسينية.

الثاني:المنبر المتصل،ونعني به:المنبر الذي يقوم على ثلاث زوايا:

الأولى:هي زاوية المستمع،وله أهمية كبيرة جداً في تحقيق الأهداف المنشودة من المنبر،وذلك من خلال تقديمه النقد الهادف البناء،للرقي بمستوى المنبر،ومن خلال تقييمه للعطاء المنبري،وبيان فاعليته من عدمها،وبالتالي انتخاب الشخصيات المنبرية المميزة التي تكون في مستوى المسؤولية المناطة بها.

ولابد من أن يكون له وجود فعال وحاضر أيضاً مع القائمين على المجالس،من خلال النقد البناء والهادف الداعي لتفعيل هذه المجالس من خلال استعراض الشخصيات الواعية التي يكون بمقدورها الرقي بالأمة والقيام بواجباتها وأداء متطلباتها.

الثانية:القائمون على مثل هذه المجالس،ووظيفتهم القيام بمسح شامل لواقع الأمة ودراسة حاجيات المجتمع مع المستمع،والسعي لإيجاد حركة استبيانية للقضايا والظواهر الموجودة لدى الأمة،سواء كانت عقائدية أم فكرية وثقافية،أم روحية أو اجتماعية وهكذا،ودراسات أسباب هذه الظواهر ومجالات انتشاراتها وبين أي فئة من الفئات الشبابية وهكذا،ومعرفة الأسباب التي أدت إلى وجودها وما شابه،وبالتالي تقديم هذه الدراسات للطرف الثالث.

وبالجملة على المستمع والقائمين أن يوجدا عدة قنوات للاتصال مع الطرف الثالث.

الثالثة:وتتمثل في المتحدث،وعليه أن يوجد قنوات اتصال مع المستمع والقائمين،ومحاولة التدارس معهم في احتياجات المجتمع وقضاياه وما هي الظروف التي تحيط به والأخطار التي تحدق به،وماذا ينبغي أن يكون المطروح مما هو دخيل في حاجياته ورغباته ويكون محتوياً لما فيه صلاح الأمة.

بعد هذا العرض الموجز،نعود لنشير إلى أهداف المجالس الحسينية:

1-المحافظة على هذا الحدث المهم الذي يمثل أطروحة إلهية لتوعية الأمة الإسلامية، لحفظ الرسالة الخاتمة من الضياع والتشويه والتحريف.

فإن المتابع لقضية الإمام الحسين(ع)يرى المنهج الإعلامي المضلل الذي اتبعه بنو أمية وفقهاء السلطة،بتضيـيع الحقيقة وطرح قضية الإمام الحسين(ع)على أنها عملية خروج على السلطة الشرعية،وأطلقت عليهم اسم(الخوارج)وعلى أن هذا شق لعصا المسلمين ووحدتهم،وحاولت أن تغطي على شخصية الإمام(ع)وأهدافه وخلفية نهضته وأسبابها والظروف المحيطة بها،لأن كل ذلك هو الذي يمكنه أن يوضح الحقيقة الناصعة التي قامت على أساسها هذه الثورة العظيمة في تاريخ المسلمين،حتى أن يزيد أراد أن يتنصل من المسؤولية وتبعة قتل الإمام(ع)في بداية الأمر،ويلقي بتبعة ذلك على ابن زياد،لكن التخطيط الواعي لأهل البيت(ع)من خلال المجالس الحسينية تمكن من حفظ معالم هذه الثورة من الضياع،وبقيت محفوظة في التاريخ الإسلامي وفي حياة المسلمين بجميع تفاصيلها وخصوصياتها.

2-إبقاء الحدث حياً وفاعلاً ومؤثراً في عدد من الجوانب المهمة في الحياة الإسلامية عامة وفي أوساط أصحابهم(ع):

أولاً:الجانب الوجداني لضمير الإنسان المسلم، لأن أحد الأهداف الرئيسية لهذه الثورة هو هزّ هذا الضمير وإحياؤه وتحريكه عندما يتعرض إلى الموت أو الخدر الحضاري، أو يقع تحت تأثير الضغوط النفسية أو أساليب الإرهاب، بحيث ينتهي بالإنسان إلى فقدان الإرادة مع إدراكه للحقيقة.

وبهذا أصبحت هذه المأساة عاملاً محركاً ليس للجيل المعاصر لها فحسب، بل أصبحت عاملاً محركاً على مستوى الوجدان والضمير والإحساس على مرّ العصور والأجيال.

ولا ينسى هنا الدور البارز الذي لعبه شعراء أهل البيت(ع)في رسم هذه الصور المأساوية التي قدمها أهل البيت(ع)والتعبير عنها في ملامحهم على مختلف العصور.

وهذا أحد المعاني المتصورة للنصوص الواردة عنهم(ع)في الحث على قول الشعر وإنشاده في مصيبة الإمام الحسين(ع)،وهناك معنى آخر بنظرنا أدق من هذا المعنى نوكله لحديث آخر إن شاء الله.

ثانياً:الرؤية الإسلامية الصحيحة للحكم الإسلامي ومقوماته، والقدرة على التميـيز بين الصحيح والخطأ في ممارسات هذا الحكم مع القدرة على تميـيز الخطوط الخضراء والحمراء التي يصح السكوت عنها رعاية للمصلحة الإسلامية، أو التي تشكل تهديداً للإسلام بحيث يتوجب القيام والثورة.

3-المحافظة على العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين أصحاب أهل البيت(ع)ومن يتفاعل معهم من المسلمين، ولكن ضمن الإطار الصحيح لهذه العلاقات المتمثل بالأهداف والأخلاق الحسينية.

حيث أصبحت المجالس الحسينية مجالاً لتأكيد هذه العلاقات وتمتين أواصر المحبة والصلة بين أصحاب أهل البيت(ع)، وفرصة للتعبير عن روح التعاون والأخوة، مضافاً إلى ذلك أصبحت هذه المجالس في الوقت نفسه فرصة للإنفاق والبذل والعطاء ورعاية الضعفاء والفقراء والتعرف على أوضاعهم حيث يشارك ويساهم في هذه المجالس أكبر مساحة من الجمهور المسلم بمختلف مستوياته الاجتماعية والدينية.

4-نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة التي كانت تواجه في بعض الأدوار التاريخية محاولات الحظر والإرهاب الفكري والجسدي، أو تواجه مشكلات عدم توافر الوسائل والامكانات البشرية، أو المادية لنشر هذه الثقافة.

ولم تكن الفرصة مهيأة لنشر ثقافة مدرسة أهل البيت(ع)بمختلف أبعادها العقائدية والأخلاقية والسلوكية والتاريخية، فكانت المجالس الحسينية المدرسة الثقافية المتحركة والسيارة التي تلبي هذه الحاجات المختلفة وساعدت على عدم ضياع أو ذوبان شيعة أهل البيت(ع).

الشعائر المخترعة:

وهو الشعائر التي لم يرد فيها نص عن أئمتنا(ع)، وإنما تم استحداثها وابتكارها من قبل أتباعهم،مثل المواكب الحسينية،وشعائر التشبيه،وتمثيل مشاهد المأساة التي جرت على الإمام الحسين(ع)،وغير ذلك من الشعائر التي يتم ممارستها إحياء لتلك الفاجعة العظمى التي ألمت بالأمة الإسلامية،بالشهادة الخالدة.

هذا ويقع الحديث عن هذا القسم من الشعائر في نقطتين:

الأولى:في المبررات الشرعية لأداء مثل هذه الشعائر التي لم يرد فيها النص عن أهل البيت(ع)، ونريد من النص هنا معناه العام، بحيث يشمل القول أو الفعل أو الإقرار من المعصوم(ع).

ولعل أفضل الصور المتصورة للتخريج الفقهي والمعالجة الفقهية لمثل هذه المورد هو أن يقال:

إن أي ممارسة أو أداء يمكن أن يكون تعبيراً عرفياً عن تعظيم الحسين أو إظهار الحزن عليه خصوصاً إذا كان الأسلوب والممارسة متداولاً في زمن الأئمة(ع)، أو كان تذكيراً عرفياً للمسلمين بمصابه وأهدافه فهو أمر مشروع يدخل تحت دائرة العمومات الواردة عنهم(ع)في الحث والدعوة لإحياء أمرهم.

هذا وقد يتمسك في مقام المعالجة الفقهية بطريق آخر، وهو اللجوء لقوله تعالى:- (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).(سورة الحج الآية رقم 32)

لكن الآية على ما يبدو أجنبية عن ذلك، وذلك لأن المحتملات الواردة في المراد من الشعائر في الآية الشريفة أربعة:

الأول:البدن خاصة.

الثاني:مناسك الحج وأعماله كلها.

الثالث:مواضع مناسكه ومعالمه.

الرابع:علامات طاعة الله وأعلام دينه.

والمعنى الصالح للتمسك بالآية الشريفة يتم بناء على المحتمل الرابع، بتقريب:

أن الحسين لما كان ثأر الله، فهو شعيرة من شعائر الله تعالى، وتعظيمه تعظيم لشعائر الله تعالى.

لكن كون المراد من اللفظ في الآية عاماً يمنعه أمران:

الأول:إن هذا الاحتمال يتعين لو كان الشعائر في الآية جمعاً للشعار، بمعنى مطلق العلامة، أما لو كان جمعاً للشعيرة التي هي البدنة،فلا،والظاهر أن الثاني إن لم يكن متعيناً فهو أقرب خصوصاً بملاحظة القرائن.

الثاني:إن عموم الجمع المضاف إنما هو في الأفراد المنسوبة إلى المضاف إليه، والمضاف إليه هنا وإن كان هو الله، لكنه لما لم يصح أن يحتاج إلى تقدير، لا يتعين أن يكون هو دين الله،أو طاعته أو عبادته أو أمثال ذلك.

بل يمكن أن يكون هو طاعته المخصوصة، أي الحج، فإن أدنى ملابسة كافية في الإضافة.

هذا مع أن ظاهر المقام لا يلائم التعميم، بل يناسب أحد المحتملات الثلاثة الأخرى، وتفصيل المقام بشكل أوسع يطلب من البحوث الفقهية.

الثانية:في الحدود والأطر التي لابد من أن تمارس فيه هذه الشعائر التي يخترعها ويبتكرها المؤمنون بالقضية الحسينية من شيعة الحسين وأهل بيته، بحيث تكون مصداقاً للعمومات التي أشرنا لها، وجعلناها بمثابة القاعدة التي يركن إليها لمعرفة المعالجة الفقهية.

هذا ولابد في هذا القسم من الشعائر من أن يكون مشتملاً على المضمون والمحتوى الذي وضعه الشارع المقدس لها، فلا يكفي مجرد أن يدعي الإنسان أنه يؤدي هذا العمل من أجل الحسين(ع)ولا يكفي أن يكون تعظيماً للحسين(ع)ما لم يكن الشكل يعبر عن أسلوب عرفي عقلائي للتعظيم، بل يجب أن يكون في نفس الوقت مرتبطاً بالمحتوى والمضمون الشرعي لنهضة الحسين(ع).

ويمكننا أن نحدد هذا المضمون في أمرين رئيسيـين:

الأول:الخط الإيجابي، ونعني به الأهداف التي وضعت الشعائر الحسينية لها، وهي ما سبقت الإشارة له فيما تقدم، وبمقدار ما تحققه هذه الشعائر من تلك الأهداف تصبح هذه الممارسات تعظيماً لشعائر الله تعالى.

الثاني:الخط السلبي، وهو أن لا تكون هذه الممارسات سبباً لهتك حرمة الإسلام، أو مذهب أهل البيت(ع)، أو تشويه الرؤية له كأن تكون ذات شكل لا ينسجم مع الأهداف الحقيقية لأهل البيت، حيث يمكن أن نشاهد ذلك في بعض الممارسات التي لا نجد لها مثيلاً في أي لون من ألوان العبادات والسلوك الذي أقرّه الشارع المقدس في مقام التعبير عن الارتباط بالله تعالى، والحب له،أو التعظيم والتمجيد لذاته المقدسة،أو عرفها العقلاء من الناس في حياتهم الاجتماعية.

وكذلك الممارسات التي يتـنفر منها الوجدان الصافي والذوق الإنساني السليم، أو التي لا يجد لها تفسيراً منطقياً ينسجم مع العقل والفطرة الإنسانية السليمة، بل هي تعبر عن انفعالات صاخبة وعواطف هوجاء وتصورات لا تستند إلى أي مستند شرعي، إذ لا يوجد لها أي نظير في الممارسات الشرعية.

أوقات المراسم والشعائر:

ونعني بها الأوقات التي يلتزم فيها شيعة أهل البيت بإحياء الشعائر الحسينية، ويمكننا تقسيمها إلى خمسة أقسام رئيسية:

الأول:العشرة الأولى من شهر محرم:

وتبدأ من اليوم الأول من شهر محرم الحرام، إلى اليوم العاشر منه، أو بعده بيوم أو يومين أو ثلاثة، فنجد أن شيعة أهل البيت عامة وفي جميع مناطق وجودهم يحتفلون بهذه الشعائر ويجلسون للعزاء والبكاء ومدارسة الحديث في القضايا الثقافية والعقائدية المختلفة، وتكاد أن تكون المشاركة لديهم بهذه الشعائر من الواجبات المذهبية، بحيث أن بعض الشيعة قد لا يشارك طيلة السنة في أي مناسبة مذهبية، إلا أنه يلتزم المشاركة في هذه الأيام، ويهتمون فيها بإطعام الطعام والاجتماع وإظهار مظاهر الحزن.

وتـتفاوت اهتمامات الشيعة في هذا المجال حسب اختلاف مستوياتهم الثقافية والفكرية والاجتماعية.

فبعضهم يهتم بالمجالس الحسينية ويبذل الأموال الطائلة في تحشيد اكبر عدد من الناس فيها، واختيار أفضل الخطباء والمتحدثين والقارئين،بينما نجد طائفة أخرى تركز على حضور المجالس التي تغذيها ثقافياً وروحياً وعاطفياً.

ويختص اليوم العاشر ببلوغ المراسم أوجها، حيث تعطل الأسواق ويشترك جميع أبناء الشيعة تقريباً بمراسم العزاء.

الثاني:محرم وصفر:

ونعني بها الأيام الباقية من شهر محرم وشهر صفر، حيث تأتي في أهميتها بالدرجة الثانية بعد العشرة الأولى، من محرم، فيتحول هذان الشهران إلى موسم للشعائر الحسينية، تقام فيه المجالس العامة من قبل الشيعة، وفي الأماكن العامة والخاصة.

ويتخذون كل عشرة أيام من هذين الشهرين فصلاً جديداً تشبهاً بالعشرة الأولى، ويذكرون فيها ما يناسبها من الخصوصيات، حتى تنتهي بالأربعين الحسيني، وتكون العشرة الأخيرة ذات علاقة برجوع السبايا إلى المدينة، وكذلك بوفاة الرسول الأكرم محمد(ص).

الثالث:المجالس الرمضانية:

وهي المجالس التي تعقد في شهر رمضان المبارك، حيث يتحول الموسم العبادي الشريف إلى موسم ثقافي أيضاً من خلال عقد المجالس العامة التي يكون طابعها ذكر الإمام الحسين(ع)، ولكن تغلب على موضوعاتها عادة القضايا الأخلاقية والروحية والسلوكية والأحكام الشرعية، وإن كانت تشتمل أيضاً على الموضوعات الفكرية والعقائدية والتاريخية.

وبهذا نجد موازنة بين موسم شهر رمضان وبين موسم محرم وصفر من الناحية الثقافية.

الرابع:المجالس الأسبوعية:

أو الشهرية التي اعتاد الشيعة على عقدها بشكل دوري، إما أسبوعيا أو شهرياً سواء في الأماكن العامة أو في بيوتهم،وذلك استجابة لنداء الأئمة(ع)في عقد هذه الاجتماعات.

وأصبحت قضية الإمام الحسين(ع)والولاء لأهل البيت وذكرهم(ع)محوراً لهذه الاجتماعات كما حث أهل البيت(ع)على ذلك.

وهذا لا يعني اقتصار محتواها على ذلك، بل إنها تضمن أيضاً التعرض للقضايا العقائدية والأخلاقية والسلوكية والتاريخية وغير ذلك.

وعادة ما ينتخب الشيعة أوقاتاً لهذه المجالس إما ليالي الجمع، أو نهارها، كل ذلك بلحاظ الخصوصية لهذين الوقتين.

الخامس المناسبات الخاصة:

فتعقد المجالس الحسينية أيضاً في مناسبات وفيات الأشخاص، حين الجلوس للتعزية في المصيبة، وتخفيف ألم المصاب، كما تعقد في مناسبات المجئ من الحج أو الأسفار الطويلة أو الانتقال إلى المسكن الجديد،أو غير ذلك.