15 نوفمبر,2018

الزنا بذات بعل

اطبع المقالة اطبع المقالة

الزنا بذات بعل

 

المشهور بين أعلامنا أن من زنى بامرأة متـزوجة، سواء كان زواج دوام، أم كان زواجاً منقطعاً، فقد حرمت عليه مؤبداً، فلا يحل له التـزويج بها بعد أن يفارقها زوجها، سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل، أو بعد انتهاء مدة العقد المنقطع بينهما.

وقد ذكر المحق(ره)، في الشرائع أن هذا هو المشهور[1]، وفي الجواهر: أنه لا يوجد فيه خلاف. وفي جامع المقاصد: أجمع الأصحاب على أن من زنى بذات بعل حرمت عليه مؤبداً[2]. وفي كشف اللثام أن الحرمة الأبدية مما قطع به الأصحاب[3].

وقد عدّ السيد المرتضى(قده) القول بالحرمة الأبدية مما انفردت به الإمامية[4]. نعم يظهر من تعبير المحقق(ره) في الشرائع توقفه في المسألة، ولذا عقب عليه في المسالك بقوله: إنما نسبه إلى الشهرة مع عدم ظهور المخالف لعدم وقوفه على مستند صالح له من النص، وعدم تحقق الإجماع على وجه يكون حجة، كما حققناه سابقاً[5].

 

وعدم وجود نص في المسألة هو ما أشار له العلامة(ره) في التحرير والفاضل الهندي في كشف اللثام[6]. قال الفاضل الهندي(قده): قطع به الأصحاب إلا المحقق في الشرائع، وحكى عليه الإجماع في ذات العدة في الانتصار، وليس عليه نص بخصوصه. ويجوز أن يكون المستند فيه-إن لم يكن عليه إجماع-أن النكاح محرم، فالزنا أولى، أو الدخول مع النكاح محرم فلا معه أولى[7].

وقد ذكر في الجواهر أن العمدة في الاستدلال عليه هو خصوص الإجماع[8]. وفي الرياض حكى عن بعض متأخري الأصحاب أنه قال: روي أن من زنى بامرأة لها بعل أو في عدة رجعية حرمت عليه ولم تحل له أبداً. قال صاحب الرياض: وهو ينادي بوجود رواية فيه بخصوصه[9].

ولا يخفى أن الحكم المذكور على خلاف القاعدة، لأن مقتضاها هو البناء على الحلية وعدم حصول الحرمة استناداً إلى قوله تعالى:- (وأحل لكم ما وراء ذلكم)[10]. فإن مقتضاها حصر ما يحرم في خصوص من ذكرتهم الآية الشريفة، وكل من لم ينص عليه فيها يبنى على عدم حرمته، ولذا يحتاج رفع اليد عن مقتضى القاعدة لدليل يوجب ذلك.

 

وقد استدل لذلك بأمور:

منها: التمسك بالأولوية القطعية بهذا التقريب: إنه إذا كان الزواج بذات بعل يوجب حصول الحرمة الأبدية، فمن الأولى أن يكون الزنا بذات بعل يوجب ذلك أيضاً.

قال في المسالك: لأن العقد على ذات البعل مع العلم إذا كان محرماً، فالزنى أولى، كما أن الدخول مع العقد جاهلاً إذا كان سبباً للحرمة، فالزنى أولى[11].

وأجيب عنه، بمنع الأولوية، لأن الأحكام الشرعية والتي منها الحرمة الأبدية أحكام تعبدية، والبناء على أولوية حكم من حكم تتوقف على إحراز ملاكات الأحكام، وهذا غير متحقق، فمع عدم إحراز ملاكات الأحكام، كيف يمكن القول بأولوية حكم على آخر؟

ولا يخفى أن الجواب المذكور، يفيد تسليماً بالأولوية المذكورة، لو أمكن إحراز ملاكات الأحكام، مع أن الصحيح أنه يلزم القول بالتفصيل، بأن يقال: إنه لابد من التفريق بين ما إذا كان التزويج بذات البعل عن علم وعمد، وما إذا كان عن جهل، فإذا كان عن علم وعمد، فإننا نمنع أن يكون الزنا بذات البعل أعظم جرماً من الزواج بها، بل على العكس تماماً، فإن الزواج بذات البعل أسوأ حالاً من الزنا بها إذا كان عالماً بأنها ذات بعل، لأنه نقض لحكم الشرع بعدم جواز اجتماع زوجين لامرأة واحدة في زمن واحد، وهو تشريع مقابل الشرع الشريف بخلاف الزنا، فإنه وإن كان كبيرة من الكبائر، إلا أنه لا يوجد فيه تشريع مقابل التشريع الصادر من الشارع المقدس.

 

نعم لا ريب أن الزنا بذات البعل أسوأ حالاً من التزويج بها حال الجهل، إلا أن هذه الأولوية ظنية، وليست يقينية، لعدم العلم بملاكات الأحكام الشرعية كما لا يخفى.

ومنها: التمسك بما في الفقه الرضوي، فقد جاء فيه: ومن زنا بذات بعل محصناً كان أو غير محصن، ثم طلقها زوجها أو مات عنها، وأراد الذي زنى بها أن يتزوج بها، لم تحل له أبداً، ويقال لزوجها يوم القيامة: خذ من حسناته ما شئت[12]. فإن المستفاد منه نشر الحرمة الأبدية بمجرد صدور الفعل منه، حال كون المرأة متزوجة.

ولا يخفى أن تمامية الاستدلال به تقوم على إحراز أنه كلام صادر عن الإمام المعصوم(ع)، وقد وصلنا بطريق معتبر، ولا يصلح الاستدلال به حال فقد أحدهما، فضلاً عن انتفاء كليهما. ذلك أنه لم تصلنا هذه النصوص المنقولة عن الكتاب المذكور بطريق معتبر، على أن الكتاب نفسه لم يحرز صحة نسبته للإمام الرضا(ع)، فإن المعروف-كما قيل- أنه كتاب يشمل مجموعة من فتاوى أحد أعلامنا القدماء(رض)، حيث قيل أنه رسالة الشيخ ابن بابويه(ره) إلى ولده الصدوق(قده)، وقيل غير ذلك.

نعم يمكن الاستناد له وفق بعض المباني بعد ضم مقدمتين:

 

الأولى: الالتـزام بأن الفقه الرضوي كتاب فتاوى لبعض القدماء.

الثانية: المعروف من سيرة القدماء من أصحابنا كالصدوقين، وغيرهما، الإفتاء بمتون الروايات.

وبضم هاتين المقدمتين، يحرز أن هذا المقطع رواية مرسلة، فإذا تحقق جبرها بعمل المشهور، تم الدليل على الحرمة.

والانصاف، أن المانع من البناء على التقريب المذكور، عدم إحراز صغرى الجابرية، إذ أن مجرد موافقة فتوى المشهور، للخبر الضعيف، لا يدل على استنادهم إليه في مورد الإفتاء.

ومنها: التمسك بالإجماع الذي قد سمعت دعواه في بعض كلمات الأعلام.

وهو غير ثابت، وعلى فرض التسليم بثبوته فإنه لا يصلح للدليلية لاحتمال المدركية فيه، إذ من المحتمل أن يكون المجمعون قد استندوا إلى شيء مما ذكر من الأدلة، بل ربما كان مستندهم في ذلك مسلك الاحتياط، سيما وأن المورد من موارد الفروج التي تعتبر مورداً لذلك.

ويساعد على عدم القبول بالإجماع المدعى، ما تضمنته كلمات بعض الأعلام من التصريح بوجود نصوص دالة على الحرمة، فقد قال السيد المرتضى(قده): وقد ورد من طرق الشيعة في حظر من ذكرناه أخبار معروفة[13].

وقال صاحب الرياض: وعن بعض متأخري الأصحاب أنه قال: روي أن من زنى بامرأة لها بعل أو في عدة رجعية، حرمت عليه ولم تحل له أبداً[14].

 

ومن هنا لا مجال لدعوى أن الإجماع المذكور تعبدي كاشف عن قول المعصوم(ع)، أو عن الارتكاز المتشرعي، ما دام أن ما يحتمل أنه مستند للمدركية ساقط عن الحجية، إذ مضافاً لما عرفت من التصريح بوجود نصوص أخرى غير ما جاء في الفقه الرضوي، يبقى أن من المحتمل أن يكون مستند القائلين بالمنع شيء آخر، كالأولوية التي سمعت، بل حتى ما جاء في الفقه للبناء على صحة نسبته للمعصوم(ع).

والحاصل، إن اختلاف المباني بين الأعلام، مانع من البناء على أن الإجماع المذكور تعبدي، لمجرد عدم صلاحية ما يحتمل أنه مستند القائلين بالمنع.

نعم قد يتمسك للمنع وحرمة التـزويج بالشهرة الفتوائية التي قد سمعت دعواها، بل قد تضمنت بعض الكلمات أن هناك إجماعاً، وهذا لا أقل يفيد أن في البين شهرة جزمية، مع البناء على حجيتها، لكونها من الظنون المعتبرة، لأن ذلك موجب للبناء على الحرمة.

إلا أن المقرر في محله، البناء على عدم حجيتها، وأنها ليست من الظنون المعتبرة، فلا تصلح أن تكون دليلاً للمنع والحرمة.

 

وقد يستدل للقول بجواز نكاحها غير ما عرفت من كونه مقتضى القاعدة، لدلالة الآية الشريفة، بالنصوص:

منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله(ع) قال: سألته عن رجل فجر بامرأة ثم بدا له أن يتزوجها؟ فقال: حلال، أوله سفاح وآخره نكاح، أوله حرام وآخره حلال[15]. وهي مطلقة لم تفرق بين كونها ذات بعل أولا، وقد دلت على حلية نكاحها.

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(ع) قال: أيما رجل فجر بامرأة ثم بدا له أن يتزوجها حلالاً، قال: أوله سفاح وآخره نكاح، ومثله مثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها حراماً ثم اشتراها بعد فكانت حلالاً[16]. ودلالتها على المطلوب واضحة للإطلاق، ويساعد على المشروعية والحلية التشبيه الذي ورد فيها.

 

كما يمكن التمسك للقول بالحلية، وعدم انتشار الحرمة، بقاعدة أن الحرام الطارئ لا يحرم الحلال، والتي تستفاد من بعض النصوص، مثل صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما(ع) أنه سئل عن الرجل يفجر بامرأة أيتـزوج ابنتها؟ قال: لا، ولكن إن كانت عنده امرأة ثم فجر بأمها أو أختها لم تحرم عليه امرأته، إن الحرام لا يفسد الحلال[17].

إن قلت: إنه يمنع من الاستناد للنصوص المذكورة، أنها كانت بمرأى من الأعلام(رض)، إلا أنهم لم يفتوا بها، وإعراضهم عنها يكشف عن وجود خلل في سندها، أو متنها المانع من الاستناد إليها.

قلت: إن هذا من الإعراض الصناعي الذي قد قرر في محله عدم مانعيته من الاستناد للنص، وإيجابه سقوطه عن الحجية، فتأمل.

 

ولا يذهب عليك أنه لو تم شيء مما دل على الحرمة، فإنه سوف ترفع اليد عن نصوص الحلية، لأنها سوف تكون موجبة لتقيـيد تلك النصوص بما إذا لم تكن المرأة ذات بعل، سواء كان دليل الحرمة هو الإجماع، أم الشهرة الفتوائية، أم خبر الفقه الرضوي.

والحاصل، إنه مع تمامية الدليل على الحلية، إلا أن الجزم بذلك صعب جداً، خصوصاً وأن الفروج مورد للاحتياط، مضافاً إلى وجود دعوى الإجماع، ولا أقل من التسالم على الشهرة، بل لم يعرف قائل بالحلية بين الأعلام، إلا ما لعله يشعر به عبارة المحقق(ره) في الشرائع، وعليه لا ينبغي ترك الاحتياط، بنشر الحرمة، والاجتناب.

 

[1] شرائع الإسلام ج 2 ص 518.

[2] جامع المقاصد ج 12 ص 314.

[3] كشف اللثام ج 7 ص 185.

[4] الانتصار ص 262.

[5] مسالك الأفهام ج 7 ص 342.

[6] تحرير الأحكام ج 3 ص 470، كشف اللثام ج 7 ص 185.

[7] كشف اللثام ج 7 ص 185.

[8] جواهر الكلام ج 29 ص 446.

[9] رياض المسائل ج 10 ص 207.

[10] سورة النساء الآية رقم 24.

[11] مسالك الأفهام ج 7 ص 342.

[12] مستدرك الوسائل ج 14 ب 11 من أبوب ما يحرم بالمصاهرة ح 8 ص 387.

[13] الانتصار ص 106.

[14] رياض المسائل ج 11 ص 228.

[15] وسائل الشيعة ج 20 ب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ص 433.

[16] المصدر السابق ح 3 ص 434.

[17] وسائل الشيعة ج 20 ب 8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ص 428.