18 يناير,2019

الحكم الشرعي وكيفية الوصول إليه

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى:- (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون).

مدخل:
لقد خلق الله تعالى الإنسان ووجه له مجموعة من التكاليف، وطالبه بامتثالها، سواء كانت تلك التكاليف والقوانين في الجوانب العبادية، وهي ما يسمى بالحكم التكليفي، كالصلاة والصوم والحج والخمس، أم كانت في الجوانب الوضعية،كالزوجية والطهارة والنجاسة وما شابه ذلك.
ونفس هذه التكاليف الموجهة، تارة تكون إلزامية في جانب العمل والامتثال، فيجب عليه أن يمتـثلها بإتيانها، وتارة يكون الإلزام فيها بتركها وعدم إتيانها خارجاً، يعني بالامتناع عنها.
وبالجملة، فذمة المكلف مشغولة بالتكاليف الموجهة إليه، وعليه أن يسعى لتحصيل الفراغ من ذلك، ولا يتحقق له تحصيل الفراغ إلا عن طريق الامتثال، وإن قيل بتحققه من خلال العصيان، وهو بحث يوكل إلى محله.
وعلى أي حال، فالمكلف مطالب أمام الله تعالى أن يوجد هذه التكاليف خارجاً من خلال امتثالها ليتسنى له بعد ذلك تحصيل فراغ الذمة.
والسؤال الذي يطرح نفسه حينئذٍ، كيف يمكن للإنسان أن يحصل هذا الفراغ، وهل بإمكانه هو مباشرة ودون أي واسطة أن يتوصل إلى ذلك، أو أنه بحاجة إلى من يكون واسطة له في تحقيق ذلك؟…
هذا ما نحاول الحديث عنه،وطرح الإجابة الصحيحة عليه،بإذن الله تعالى.

توطئة:
لا ريب أن المصدر الثقافي الأول للأمة الإسلامية وباتفاق كافة المسلمين،هو القرآن الكريم زاده الله عزة وشرفاً،فهو المرجع الذي يرجع له المسلمون،لمعرفة كافة أمور دينهم ودنياهم،وهو الحكم الفصل في كل شيء.
حيث اشتمل على ما تحتاج إليه الأمة في الجملة،ولم يخرج رسول الله(ص)من هذه الدنيا،إلا بعد أن قام بجمعه وترتيبه بالطريقة التي هو عليها الآن،ولم يتعرض لزيادة أو نقيصة أو تحريف أو ما شابه.
نعم يشتمل القرآن الكريم على محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ، ومجمل ومبين، مما يعني أنه ليس بإمكان كل أحد أن يستوعب القرآن بأكمله، لكن هذا لا يعني أن جميع القرآن لا يمكن استيعابه وفهمه، بل خصوص موارد خاصة.
كما أن القرآن لم يشتمل على كل شيء كما سبق وأشرنا، مما استدعى وجود عدل للقرآن الكريم، وهم العترة الطاهرة التي كانت في البداية متمثلة في النبي(ص)وبعد رحيله كان هذا المنصب باتفاق المؤرخين لأمير المؤمنين(ع)، ومن بعده صار للأئمة الطاهرين(ع)من ولده.
فكانوا يتولوا تعريف الأمة أحكامها وإعطائها ما تحتاج إليه في معرفة دينها ودنياها، فكانوا المرجع والمفزع الذي يلتجأ إليه ويقصد ويطلب لعلاج كل قضية، وحل كل مشكلة وجواب كل معضلة.
وقد كان أمير المؤمنين(ع)يفتخر على الصحابة بكون العالم بناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، ومجمله ومبينه.
المرجعية الدينية:
ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، من خلال الفتوحات، وما شابه ذلك، ازداد عدد التشيع، واتسع وجوده، مما جعل الشيعة يقطنون في أماكن نائية عن الإمام المعصوم(ع)أو بعيدة عنه في الجملة، فحدا هذا الأمر إلى إيجاد جهاز يتولى تثقيف الأمة، وإعطائها حاجاتها الفقهية أو غير ذلك، فكانت فكرة الفقهاء والإرجاع إليهم.
والذي نعتقده أنه مضافاً إلى السبب السابق الذي أشرنا إليه من دواعي وجود الجهاز المرجعي، أن هناك نقطة أخرى غاية في الأهمية، ربما كانت محط نظر أهل البيت(ع)وبالأخص إمامنا الصادق(ع)وهي التمهيد للغيبة التي ستكون في عهد الإمام الحجة المنتظر(عج)حيث سيرجع الناس فيها للفقهاء، فصدر هذا الإرجاع منه للفقهاء في محاولة لتهيئة الأمة وجعلها تعيش هذا الجو لكي لا تحصل عدم المقبولية والمفاجأة منها غداً.
هذا ويساعد على الاحتمال الثاني، أن الإرجاعات كانت تحصل والإمام(ع)موجود في المنطقة التي تتضمن الشخص المرجع إليه، كما حصلت في المناطق البعيدة.
فمن الإرجاعات إرجاعه(ع)إلى الأسدي، فعن العقرقوفي قال:قلت لأبي عبد الله(ع):ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟قال:عليك بالأسدي، يعني أبا بصير.(وسائل الشيعة ب 11 من صفات القاضي ح 15).
ومنها:ما عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال:سألت أبا عبد الله(ع)عن المتعة.فقال:ألق عبد الملك بن جريح فسله عنها، فإن عنده منها علماً، فلقيته فأملى عليّ شيئاً كثيراً في استحلالها….(وسائل الشيعة ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 5).
وعن علي بن المسيب الهمداني قال:قلت للرضا(ع):شقتي بعيدة، ولست أصل إليك في كل وقت، فممن آخذ معالم ديني؟قال:من زكريا ابن آدم القمي، المأمون على الدين والدنيا.(المصدر السابق)وعن عبد العزيز بن المهتدي قال:قلت للرضا(ع):لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني،أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟فقال:نعم.(المصدر السابق).
وعنه في رواية أخرى أنه سأل الإمام الرضا(ع)فقال له:إني لا ألقاك في كل وقت، فممن آخذ معالم ديني؟فقال:خذ عن يونس بن عبد الرحمن.(المصدر السابق).
ولم يكن معرفة هؤلاء الفقهاء بهذا العنوان والرجوع إليهم مقتصراً على الشيعة، بل كانوا يعرفون بذلك حتى في الوسط الإسلامي، فيلجأ لهم فقهاء المذاهب الأخرى، لعلاج بعض قضاياهم، فمن ذلك أن أبا حنيفة جاءه رجل وقد اشترى جارية، فوجد عانتها بدون شعر، فأراد إرجاعها وفسخ البيع، فجاء يسأل أبا حنيفة، فقال له:إن الناس يحتالون في إزالته،فقال الرجل:بأنه لا يرغب في ذلك،فسأله أبو حنيفة أن يمهله سواد هذا الليل.
ولم يجد في ما لديه جواباً لهذه المسألة، فطرق باب محمد بن مسلم، يسأله إن كان لصاحبه جعفر بن محمد في هذه المسألة رأياً، فقال له:لقد أعطانا أمراً، وهو أن كل ما خالف الخلقة فهو عيب يفسخ به.
فقال أبو حنيفة:كفينا وأعطينا مسألتنا.
حيث عرف أبو حنيفة من هذه القاعدة العامة التي قدمها أبو عبد الله لفقهاء
تلامذته الحكم الشرعي في مسألته.
ثم إن هذا الذي ذكرناه من وجود الفقهاء والمجتهدين في عصر الإمام، وإرجاعه لهم، ينفع في الإجابة على سؤال مفاده:
كيف سيكون وضع الأمة بعد ظهور الإمام صاحب الزمان(عج)وانقطاع هذه الظلمة وزوالها عن الأمة، فهل ستبقى الأمة مقلدة، أو أنها ستأخذ أحكامها مباشرة من الإمام(عج)؟…. وأظن أن الجواب عن هذا السؤال قد تحقق لأنه من خلال بياننا أن المعصومين(ع)كانوا يرجعون للفقهاء من أصحابهم في أخذ الحكم الشرعي، سيبقى الحال على ذلك أيضاً، حتى بعد ظهور المولى(أرواحنا لتراب مقدمه الفداء).
نعم لوقيل:ما هو الفرق بين الحكم الشرعي، الذي يعطيه الإمام(ع)وبين الحكم الشرعي الذي يأخذ من قبل أحد الفقهاء؟…
قلنا:إن الفرق بينهما ما يسمى في المصطلح الأصولي، بالحكم الواقعي
والظاهري، فما يصدر عن المعصوم حكم واقعي،إذا توفرت للإمام(ع)شروط البيان وظروفه،كما هو مقرر في محله،وأما ما يصدر من الفقيه فهو حكم ظاهري،والتوضيح لكل منهما خارج عن الغاية التي عقد لها هذا البحث،فليطب من محله.
مسؤليات المرجعية:
والحاصل تمثل المرجعية إذاً الامتداد لمنصب الإمامة، فيقوم المرجع بدور المعصوم باعتباره الوريث الطبيعي للأنبياء والأئمة(ع)لأنهم لم يورثوا ذهباً ولا فضة ولا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا شيئاً من العلم والحكمة.
ثم إن للمرجعية مهمات ومسؤوليات، يمكننا تلخيصها في أمور ثلاثة:
الأول:القضاء.
الثاني:الولاية.
الثالث:الإفتاء.
القضاء:
يعتبر القضاء أحد أهم القضايا الدخيلة في تنظيم المجتمع الإسلامي مع اختلاف شرائحه وانتماءاته، ويكفي لإثبات ذلك أن عنوان القضاء من الموضوعات التي نزلت الكتب السماوية من أجلها، وجاءت بها الرسالات الإلهية، لأن موضوعه يرتبط بموضوع النـزاع والاختلاف بين الناس،الذي بدأ منذ تكون المجتمع
الإنساني.
هذا وينقسم القضاء من حيث القاضي إلى قسمين:
1-قاض التحكيم:
وهذا خارج عن مورد حديثنا، لكونه لا يعتبر فيه الاجتهاد، بل بإمكان كل شخص تراضى به الطرفان المتنازعان أن يتولى عملية القضاء والحكومة بينهما، ولا يكون حكمه نافذاً في حقهما ما لم يتراضيا بذلك،وإلا فلا نفوذ لحكمه في حقهما.

2-القاضي المنصوب:
وهذا هو الدخيل في مورد حديثنا، ونعني به الفقيه المجتهد الجامع لشرائط الفتيا، وقد تم نصبه من خلال الإمام المعصوم(ع)كما يظهر ذلك من خلال مقبولة عمر بن حنظلة.(وسائل الشيعة ب من صفات القاضي ح 1).
ولا نود الحديث أكثر من ذلك في هذا المجال، بل يمكن للقارئ العزيز المتابع في هذه النقطة بالرجوع للكتب المتعرضة لذلك، وبيان ما لخطر هذا المنصب، وأنواع القضاة من حيث الحكم، وكيف أن هناك قاضياً في النار وما شابه.
الولاية:
وهو المعبر عنه بولاية الفقيه، والظاهر أنه لا يوجد عندنا أحد من الفقهاء لا يؤمن بهذه الولاية، عمدة ما كان الكلام بينهم في سعة هذه الدائرة وضيقها، حيث أن أضيق صورها الإيمان بالولاية في الأمور الحسبية، وأوسع صورها الإيمان بأن للفقيه جميع ما للمعصوم(ع)، وهناك البرزخية التي عليها أكثر فقهائنا اليوم، وهي التي تكون بين هذين.
هذا ومن النصوص التي يمكن التمسك بها لإثبات الولاية التوقيع الصادر من الناحية المقدسة:وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله.(وسائل الشيعة ب من صفات القاضي ح 9).
ثم إن بين أصحابنا(رض)بحثاً، وهو اشتراط الأعلمية في الولي الفقيه، من عدمه، والمشهور بين الأصحاب أنه لا يعتبر ذلك.
الإفتاء:
وذلك ببيان الأحكام الشرعية والعقائدية، وغير ذلك، مما يحتاجه الناس على طبق الكتاب والسنة المباركة.
المواصفات والشروط:
هذا وليس لكل أحد أن يتصدى للفتيا، وبيان الأحكام الشرعية، بل لابد من توفر مجموعة من الصفات والشروط فيمن يرغب الإفتاء، بحيث ما لم تتوفر فيه، فلا يحق له ذلك.
والذي يهمنا الإشارة له في المقام، مما هو مرتبط ببحثنا هو الاجتهاد، وهذا لا يعني عدم أهمية الشروط الأخرى، وإنما لعدم مدخليتها في بحثنا، نحيل القارئ العزيز على متابعتها من خلال الكتب الفقهية المقررة لذلك.
فيعتبر في الشخص الذي يرغب التصدي، حصوله على مرتبة الاجتهاد، فما لم يكن واصلاً لتلك المرحلة، لا يسوغ له الفتيا،ومردانا من الاجتهاد:
أن يعرف الشخص الأحكام الشرعية من الحلال والحرام، والمفاهيم الإسلامية من خلال الأدلة الشرعية كالقرآن الكريم، والسنة المباركة وغيرهما من الأدلة.
كما يمتلك المقدرة على تطبيق القواعد والأصول العملية التي وضعها الشارع المقدس لتحديد الموقف الشرعي العملي.
وبهذا أظن أننا نكون قد أجبنا على التساؤل الذي أثرناه في بداية الحديث، وهو هل بإمكان كل شخص أن يتوصل بنفسه لمعرفة الحكم الشرعي، دونما حاجة منه إلى مراجعة الفقهاء والمجتهدين؟…
إذ جوابه كما لا يخفى، بالنفي، إلا أن يكون هذا الشخص قد بلغ مرتبة من المعرفة والعلم،وصار من أهل التخصص في هذا المجال،وسيأتي إن شاء الله مزيد توضيح فانتظر.

المدارك المقررة للاستنباط:
هناك ما يعبر عنه بالمدارك المقررة للاستنباط، أو الأدلة التي يتم استنباط الحكم الشرعي من خلالها، وهي الكتاب الشريف، والسنة المباركة، ونعني بها كل ما صدر من المعصوم من قول، أو فعل، أو إقرار، والإجماع، والعقل.
وتوجد ما يسمى بالأصول العملية، وهي التي يرجع إليها بعد فقدان هذه الأدلة، وفقدان القواعد العامة.
وعلى الشخص الذي يرغب استنباط الحكم الشرعي أن يكون محيطاً بهذه الأمور، وعلى دراية بكيفية التعامل معها، وبالتالي، يمكنه أن يعطي الحكم الشرعي، فما لم يكن محيطاً بذلك وعلى دراية به، فلن يكون بإمكانه استخراج الحكم الشرعي من محله المقرر له.
هذا ويعتقد البعض أنه بإمكانه أن يتولى عملية الاستنباط والاستخراج للأحكام الشرعية، خصوصاً وأنه صار تحت يده وبحوزته الكتب الحديثية التي يعتمد عليها الفقهاء في مقام الاستنباط كالكتب الأربعة، ووسائل الشيعة، ومستدرك الوسائل،والوافي،والبحار،وغير ذلك من كتب الحديث.
وعلى هذا يتولى هو معرفة الحكم الشرعي بنفسه، فلا يقلد أحداً بل، يرجع
لروايات أهل البيت(ع)ويتعرف هو الحكم ويعمل على وفقه.
وهذه الأطروحة للأسف من الإطروحات التي بدأت تتسلل إلى مجتمعاتنا الشيعية والإسلامية، وهي إحدى الأطروحات العلمانية التي تأطر بالإطار الإسلامي، وهي ما نسميه نحن بالعلمنة الإسلامية، إذ تسعى هذه الطروحة وأمثالها، إلى عزل الأمة عن قيادتها، ومحاولة الفت في عضدها، وتشتيت شملها، وفل وحدتها.
وعلى أي، نحن نسلم، مع أصحاب هذه الأطروحة بصحة ما يقولون جدلاً، لكننا
نقول لهم:كيف ستستنبطون؟….
هل سيتم ذلك من خلال القرآن الكريم؟…
فإن كانت الإجابة، بالإيجاب، فهل لديكم دراية بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومبينه، ومجمله.
على أن القرآن الكريم، لم يتضمن كل الأحكام الشرعية التي تقع في طريق حاجة الأمة، بتفصيلاتها.
وإن كان مورد الاستنباط هو السنة المباركة، فكيفينا هنا الإشارة إلى نقطتين:
الأولى:إننا لا نعتقد نحن الشيعة خلافاً لغيرنا من المذاهب الإسلامية بصحة أي كتاب من الكتب، ما عدا القرآن الكريم،فلا يوجد عندنا كتاب آخر سواه، نحكم بصحة كل ما فيه، وهذا يعني أن كتبنا الحديثية، تخضع للدراسة والتمحيص والمناقشة، فلا نقول بصحة كل ما جاء فيها، بل تشتمل هذه الكتب على الصحيح المعتبر، كما تشتمل على ما يتوقف في صحته.
فكتاب الكافي لشيخنا الكليني(قده)وهو أجل كتبنا الحديثية، لا نجزم بصحة كل ما جاء فيه، بل هو كغيره من الكتب التي تخضع للدراسة والتمحيص، ولابد من عرض رواياته، ليعرف الصادر المعتبر منها، من عدمه.
ثم إن قولنا بأن هذه الكتب الحديثية تستدعي الوقوف عند نصوصها وتمحيصها ودراستها، لا يعني ذلك إغفال ما لمؤلفيها من دور ريادي عظيم، قاموا به في خدمة هذا المذهب الشريف، بل إن لهم على الشيعة في كل عصر وزمان من الفضل والسابقة، التي تستوجب أن يقدسوا ويقدروا ويحترموا.
عمدة ما كان أن المباني تختلف من فقيه لآخر، مما استوجب هذا قبول فقيه لهذا النص، وعدم قبوله من قبل فقيه آخر.
وهذه أيضاً نقطة جديرة بالتأمل فيها، وهي الاختلاف الحاصل بين الفقهاء في معالجة الأخبار وقبولها من عدمه، بحيث يتفاوت الأمر بين الفقيهين، ربما في خبر واحد، فيقبله أحدهما بينما يرفضه الآخر، وما ذلك إلا لضوابط وأسس، يسير كل منهما عليها.
هذا ولا يعني كون الخبر ضعيفاً الجزم بعدم صدوره من قبل المعصوم، بل عمدة ما يفيد أنه لا يمكننا التعبد به، ولا يصح الاستناد إليه،لكن ذلك لا يعني أنه مكذوب على المعصوم(ع).
الثانية:كيفية علاج التعارض الواقع أحياناً بين النصوص، وهذه نقطة يبتلى بها الفقيه، إذ لا تخلو كثير من المسائل عندنا من التعارض بين النصوص، فلابد من علاجه، فهل لكي إنسان المقدرة على المعالجة للمعارضة الحاصلة بين النصوص، حتى يدعي كل أحد انه لا يحتاج إلى مراجعة الفقهاء في التقليد وفراغ
الذمة من الحكم الشرعي.
وهل لديه الدراية بمنهجية عرض النصوص على الكتاب، وهي الميزة التي يتميز بها الشيعة على غيرهم من أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى، حيث يختصون بالتمسك بالكتاب الكريم، ويجعلونه الميزان الأساس الذي يرجع له حين الاختلاف، بل لقد جعل أئمتنا(ع)القرآن الميزان الذي يميز بواسطته ما كان صادراً عنهم(ع)من عدمه، فالعجب ممن يتهمنا بعد هذا أننا لا نعتمد القرآن، أو أننا هجرانه وتركناه، وهم الذين لا يحكمونه ولا يجعلونه ميزاناً عندهم في مقام المعالجة والاستنباط.
وعلى أي فهاتان النقطتان جديرتان بالتوقف أمامهما، لمن أراد أن يتبنى هذه الأطروحة، ولكن بعد أن يكون دارساً لهما دراسة متأنية قبل قبولها.
والنتيجة التي نصل إليها، أننا لا يمكننا أن نتجرد في مقام البحث عن الحكم الشرعي والسعي لتحصيل فراغ الذمة منه عن المراجعة لنظام المرجعية والتقليد للفقهاء، كطريق من الطرق لتحصيل ذلك.

حرية الرأي والفكر:
ثم إن هذا الذي ذكرناه، لا يتنافى وحرية الرأي والفكر، بل هو ينسجم معه انسجاما تاماً، لأن الحرية لا تعني إطلاق العنان، وعدم جعل الضوابط،بل الحرية في كل شيء بحسبه،ولا أظن أن أحداً من أهل التخصص يقبل أن يتدخل كل من له دراية ومن لا دراية له في مجال تخصصه بدعوى الحرية وحرية الفكر والرأي وما شابه،لأن ذلك سيفقد هذه التخصصات قيمتها،مما يجعل الذي أتعب نفسه ولسنوات عديدة في مجال العمل والتحصيل لبلوغ هذا التخصص،وذاك الذي لا يفقه في هذا المجال شيئاً في مرتبة واحدة،وأي ظلم هذا الذي يقبل به عاقل!!!.
نعم نحن لا نقصر هذا الأمر على فئة خاصة من الناس، وإنما ندعو للعمل بالتخصص وإعطاء كل ذي حق حقه، فمن كانت له القابلية لامتلاكه للآليات التي يمكنه من خلالها ممارسة هذه العملية أعني استنباط الحكم الشرعي من مداركه المقررة ووفق الشروط والضوابط المعتبرة، فله أن يمارس ذلك.
هذا ومما يؤكد أن المذهب الجعفري، يؤمن بحرية الفكر والرأي فتح باب الاجتهاد في مقابل بقية المذاهب الإسلامية الأخرى، حيث نجد هذه ميزة تضاف للميز التي يتميز بها المذهب الجعفري، فلا زال باب الاجتهاد مفتوحاً يمكن لكل أحد ممن يملك المقومات المعتبرة فيه أن يلجه.

الاجتهاد وحيوية الشريعة:
ولا يخفى أن الغاية من وراء هذه الحرية الفكرية الملتـزمة، هي المحافظة على حيوية الشريعة الإسلامية وقدرتها على مواكبة الظروف والتطورات والمستجدات الحياتية الطارئة على حياة الإنسان اليومية كالمسائل البنكية والمسائل المستجدة في علم الطب وما شابه ذلك.
ولذا نجد أن أئمتنا(ع)سعوا إلى استنباط مجموعة من القواعد الفقهية والأصول الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، يرجع إليها الفقيه لمواجهة الاحتمالات والمسائل المستجدة، أو لملء منطقة الفراغ التي تركها الشارع المقدس، حسب الظروف وطبق القواعد العامة والأحكام الكلية.
حيث أن الشريعة الخاتمة وضعت لكل عصر وزمان، فلابد للفقهاء أن يقوموا بدور استنباط الأحكام الشرعية الفرعية والتفصيلية لمواجهة الظروف المستجدة، وطبق الأحكام الكلية العامة، كما أن عليهم أن يشخصوا الموقف والتكليف تجاه كل حدث وظرف.
ومن ذلك تطبيق المعلومات القرآنية المرتبطة بتفاصيل الشريعة الإسلامية على موضوعاتها من الأمور المستجدة والمستحدثة في الحياة الإسلامية.

خاتمة:
بقي أن نشير ونحن في ختام هذا البحث، إلى ما يخطر في بعض الأذهان حول المرجعية من عدم مواكبتها للحياة العصرية، حيث أن الفقيه لا يواكب متطلبات الحياة، لعدم درايته وإحاطته بمستجدات الأمور، وما شابه ذلك من المسائل المستجدة والمستحدثة، سواء في المجال الطبي، أم في غيره من المجالات الأخرى.
ولكي نجيب على مثل هذه التساؤلات، أو الشبهات، ينبغي علينا التفريق بين أمرين، وهما:
1-الحكم.
2-الموضوع.
ومعرفة أيهما دخيل في وظيفة المرجع دون الآخر.وذلك لأنه كثيراً ما يحصل الخلط بين هذين، وبالتالي تأتي مثل هذه الطروحات، وتبرز خارجاً.
هذا والذي يكون دخيلاً في حق المرجع ويعتبر وظيفته ومسؤوليته إنما هو خصوص الحكم، والموضوع المستنبط، أما غير ذلك فلا ربط للمرجع به، بل يؤول أمره إلى المكلف، وهو الذي عليه أن يتعرف حقيقته.
وأغلب الأمور المستجدة، إنما هي موضوعات مستحدثة، وليست أحكاماً غير
موجودة في الشرع الشريف، وعليه لا يحتاج الفقيه إلى أن يكون محيطاً بها، لعدم مدخلية ذلك في وظيفته، بل هي وظيفة المكلف، فهو المطالب بمعرفة ذلك، حتى يتمكن من تشخيص الحكم الذي ينصب عليها.
نعم لو كان المرجع محيطاً بها، بحيث امتلك الدراية بها، لكان ذلك أفضل.
على أنه من الذي يقول بعدم معرفة المرجع بها، وعدم إطلاعه عليها!!!
إن لأغلب المراجع شخصيات وظيفتها متابعة مثل هذه الأمور، ومحاولة تحقيق موضوعاتها،بقصد تطبيق الحكم الشرعي عليها بنحو يطمئن معه بالصحة.