18 يناير,2019

القراءات المختلفة للدين (3)

اطبع المقالة اطبع المقالة

مجالات التغير في الأحكام:

ذكرنا أننا نقبل التغير في بعض الأحكام والنصوص:

أما في الأحكام، فنقبل التغير في مجالات محدودة كالأحكام الولائية، أو بتأثير العناوين الثانوية في مجالات شخصية، وكذلك موارد التـزاحم في الأحكام أو الملاكات، حيث يرجح الأهم أو محتمل الأهمية في نظر الشارع المقدس، كحفظ النفوس والأعراض فيما لو تزاحمت مع أحكام أقل أهمية منها، فإنها ترجح عليها حفاظاً على النفوس والأعراض وأمثالها، من مجالات التغير التي يمكن للباحث أن يظفر بها في موارد عديدة.

لكن هذا التغيـير ليس مراد التعددية الدينية أو القائلين بتغير الشريعة، حيث يقصدون من ذلك في جميع الأحكام والمجالات، وتغيرها تبعاً للأذواق والشعوب والظنون وأمثالها.

كما أننا نقبل اختلاف الآراء في خصوص المسائل والنصوص الظنية والخلافية، ولكن مع اعتراف الجميع أن الحق واحد لا يتعدد بعدد الآراء، خلافاً للتعددية الدينية.

وقد ذكرنا أن من مجالات التغير، الأحكام الولائية، لذلك يجدر إلقاء نظرة عابرة عليها، والأحكام الولائية هي ما يجعلها ولي الأمر في منطقة الفراغ من أحكام خارجية وقتية في الغالب، لملاحظة مصالح الإسلام والمسلمين، بما لا يخالف الأحكام والقواعد والمبادئ الإسلامية العامة.

هذا ولا نعني بمنطقة الفراغ عدم وجود الأحكام الشرعية الواقعية في بعض الموضوعات، فإن هذا مخالف للنصوص والأدلة الكثيرة الدالة على إكمال الشريعة، وإن لله في كل واقعة حكماً، واشتراك الأحكام الواقعية بين العالم والجاهل وأمثالها.

وإنما نعني بها جعل الإلزام في دائرة الموسعات بما لا يخالف الأحكام والمبادئ الإسلامية المسلمة، والموسعات هي تلك الأحكام التي جعلها الشارع المقدس لبعض الموضوعات، والتي لا تـتكفل إلزاماً تعيـيناً عينياً، كالمباحات والواجب التخيـيري، حيث إن المكلف مخير في الأخذ بأحد أطرافه، وكذلك الواجب الكفائي، حيث إن المكلفين مخيرون في تنفيذ هذا الحكم، بأن يجب على أحد المكلفين على سبيل التخيـير، لا على مكلف معين، وأمثالها من الأحكام الموسعة، فيمكن لولي الأمر أن يفرض وجوب المباح، لبعض المصالح والضرورات الإسلامية، كما يمكن أن يفرض أحد أطراف الواجب التخيـيري، أو يعين أحد المكلفين لامتـثال الواجب الكفائي، ويمكن تنظير الأحكام الولائية للفقهاء بموارد النذر واليمين والشروط الشخصية، حيث يمكن للإنسان نفسه من خلال النذر أو اليمين أو العهد أن يعمل ذلك، كما لو نذر امتـثال المباح أو المستحب حيث يصبح واجباً عليه بالنذر، كما لو نذر إقامة صلاة الليل، فيكون واجباً، أو نذر ترك مكروه، فيحرم عليه، وكذلك لو اشترط مباحاً ضمن عقد، فيصبح واجباً عليه، لأجل وجوب الوفاء بالشروط.

الفرق بين الحكم الولائي والنذر واليمين:

ولكن الفرق بين الأحكام الولائية وموارد النذر واليمين والشروط الشخصية يظهر في أمور، وهي:

1-إن ما يفعله المكلف إنما يكون في مجالات شخصية، وأما ولي الأمر فإن له حق الإلزام في الأمور العامة، بل الشخصية أيضاً، مع الاختلاف بين علمائنا في تعيـين ولي الأمر ودائرته.

2-ومن هنا يظهر الفرق بين الحكم الولائي والنسخ، فإن الحكم الولائي لا يعني تصرفه في دائرة التشريع، بأن يغير الحكم الشرعي مع بقاء موضوعه تماماً، فإنه من النسخ، ولا يجوز ذلك لغير الشارع.

3-إن الأحكام الولائية حالات مؤقتة، وليست دائمية، تـتحدد في الظروف التي دعت إليها لبعض المصالح، بحيث لو زالت الحالة الطارئة، رجع الحكم الأولي، بينما النسخ يعني إزالة الحكم عن موضوعه شرعاً، لجميع الظروف والأفراد والشعوب، ولا يعود بعد إلغائه.

4-إنما توضع الأحكام الولائية في مجال الامتـثال والعمل، ومن قبيل التطبيقات للأحكام الكلية في الموضوعات الخارجية، في بعض الحالات الشخصية، أو العامة، حيث يلزم امتـثال المباح مثلاً، وليست من قبيل تشريع الكلية الدائمة، أو تغيـيرها كما في التشريع والنسخ.

5-مع التأكيد على أن الحكم الولائي الصادر من المعصوم لا يتحدد بمرحلة صدوره، وإنما له امتداده حتى بعد عصره للأجيال اللاحقة، ما لم يغيره المعصوم نفسه أو المعصوم اللاحق، لأن ولايته عامة تشمل حتى الأجيال اللاحقة.

إذن فالأحكام الولائية في الغالب، أحكام متغيرة، ولكن لها شروطها ومجالاتها وحدودها، ومن أراد الاستزادة في الحديث عن الأحكام الولائية، وغيرها من مجالات التغيـير في الأحكام، فعليه بمراجعة البحوث الموسعة التي تعرض لهذا.

الدليل الثالث: مبدأ النجاة في الآخرة:

من العوامل المهمة في ظهور التعددية الدينية مبدأ النجاة في الآخرة في التصور المسيحي، حيث حصر النجاة في الآخرة بالمسيحيـين، أو الذين يقومون بعملية اغتسال غسل التعميد، وأمثالها.

من هنا انبثقت فكرة التعددية الدينية عند(هيك) نـتيجة رؤيته مجموعة من الصلحاء وأصحاب الأعمال والنوايا النظيفة من أتباع الديانات الأخرى،، ليشمل النجاة غير المسيحيـين من أتباع الأديان والمبادئ الأخرى، ولأجل الالتـزام بشمولية النجاة، ذهب إلى القول بأن جميع الأديان على حق.

موقف الإسلام من مبدأ النجاة:

لكننا عندما نخضع هذا المبدأ للتأمل، يمكننا أن نجيب عنه بالتالي:

إن هناك فرقاً بين الحق والنجاة في التصور الإسلامي، لأن الإسلام بالرغم من أنه يحصر الحق في الإسلام الأصيل، لكنه يرى عدم حصر النجاة بالمسلمين، بل ربما شمل غيرهم، ولكن معذورية الآخرين، أو شمول النجاة لهم، لا يعني أن أديانهم أو مبادئهم على حق، ففرق بين الحق والنجاة.

إذن فعدم العذاب في الآخرة ربما شمل حتى بعض أصحاب الأديان والمبادئ الأخرى، ولا ينحصر بمعتنقي الدين الحق، بل إن مجرد الإيمان بالدين الحق ولعمل الصالح في بعض لحظات العمر لا يكفي في النجاة ما لم يثبت عليه لآخر العمر، لذلك يلزم على المؤمنين الثبات على دينهم والتـزامهم الديني لآخر العمر، وبطبيعة الحال هناك تفصيلات حول الآخرة، ومن تشملهم الجنة والنار، أو الشفاعة والتوبة والخلود في النار وعدمه، قد ذكرت في الروايات وكتب العقائد.

وإنما يصيب العذاب أولئك الذين وصلوا للحجة الشرعية وجحدوا بها، أو أنهم كان يمكنهم الوصول إليها أو التعرف عليها ولكنهم قصروا وامتنعوا عن ذلك، قال تعالى:-

( وما أهلكنا من قرية إلا ولها منذرون* ذكرى وما كنا ظالمين).

وأما النجاة وعدم العذاب في الآخرة، فربما شمل بعض أصحاب الأديان والمبادئ الأخرى، فيما لو كانوا معذورين، بأن كانوا قاصرين أو مستضعفين بالمعنى الفقهي.

معنى المستضعف:

والاستضعاف يعني قصور ذهن الإنسان عن التفكير في تحديد الحق، بحيث لا يفهم الدليل على وجود الله وأن الإسلام على حق.

الجاهل القاصر:

وأما الجاهل القاصر، فهو القاصر غير الملتفت تماماً لوجود الحق الذي لا يحتمل مخالفة سلوكه ومعتقداته للحق، ولا يحتمل وجود حق آخر غير ما يؤمن ويلتـزم به، أو إذا كان يحتمل ذلك، فليس له طريق في الوصول واختياره.

الجاهل المقصر:

في مقابل الجاهل المقصر الذي يحتمل وجود حق آخر، ويتمكن من العلم به واختياره. ولكنه يقصر بإرادته عن البحث والمعرفة، ولذلك يستحق العقاب، فلو استند عدم الإيمان بالحق أو العجز عنه للتقصير في البحث مع التفاته لذلك فهو غير معذور.

كلام العلامة العلامة الطباطبائي:

هذا والمستفاد من كلام العلامة الطباطبائي(قده) في تفسيره القيم الميزان، أن المستفاد من النصوص الإسلامية أن القاصرين والمستضعفين لا ينحصرون في أولئك الذين لا يتمكنون من معرفة الحق لغفلتهم أو لا يتمكنون من الهجرة، بل يشمل عدم قدرة الذهن على تفهم الحقيقة وإدراكها، فإذا استند الجهل لعوامل خارجة عن اختياره أوجبت الغفلة أو الجهل أو عدم العمل فلا يعتبر جاحداً مستكبراً[o1] .

ولذلك يشمل مفهوم المستضعف والقاصر من لا يمكنهم الوصول للدين أو المذهب الحق، أو إذا أمكنهم الوصول إليه فإنهم يعجزون عن تفهمه واستيعابه، ومثلوا له بالأطفال والنساء والعجائز، والرجال المستضعفين فكرياً والمجانين، أو لأجل السفه وضعف العقل والتفكير، دون تقصير منهم، أو كان بسبب عدم وصول الدين أو المذهب الحق إليهم.

وهذا هو السبب في عدم اعتناق الكثير للدين والمذهب الحق في مخـتلف الأزمنة، لذلك رأينا عبر التاريخ حين يصل الدين الحق لهذه الطائفة الكبيرة من الناس، فإنهم سيدخلون في دين الله أفواجاً، دون أن تؤثر فيهم عوامل التعصب والعناد، ولعل هذا من عوامل تسريع الفتوحات الإسلامية وانتشار الإسلام، لأن غير المعاندين يتقبلون الإسلام لما يملكه من أدلة حقة مقنعة، وملائمة للفطرة.

وهناك الكثير من الناس قديماً وحديثاً داخلون في قسم المستضعفين والقاصرين. وقد دلت آيات من الكتاب العزيز على استـثناءهم من الكفار ومن دخول النار، قال تعالى في كتابه الكريم:- ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم* قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها* فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً* إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة سبيلاً* فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً).

إذن فالحق غير النجاة، ولا يعني أن كل من كان معذوراً فإنه ومبدأه على حق كما تصور التعدديون أمثال هيك.

——————————————————————————–

[o1]الميزان في تفسير القرآن ج 5 ص 51.