23 أبريل,2019

الإمامة في ضوء النهضة الحسينية (2 محرم 1440هـ)

اطبع المقالة اطبع المقالة
الإمامة في ضوء النهضة الحسينية

 

من كلام للإمام الحسين(ع)، قال: فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحق الحابس نفسه على ذلك لله.

انطلاقاً من هذه الكلمة الحسينية المباركة وأضرابها ذكر بعض الكتاب حصول تغير في مفهوم الإمامة اليوم عما كانت عليه في عصر المعصومين(ع)، فأصبح يعتبر في الإمام القائم بها صفات لم يرد ذكرها في شيء من النصوص، من النص عليه من قبل الله تعالى، ونصبه من قبل النبي الأكرم محمد(ص)، وأنه معصوم، ويعلم الغيب، وأمثال ذلك من الصفات. مع أن الثابت له بمقتضى النص الذي سمعت صفات أربع:

الأولى: الذي يحكم بكتاب الله ويعمل به.

الثانية: الذي يعدل بين الناس ويحكم بينهم بالقسط.

الثالثة: الذي يدين بحق بدين الله.

الرابعة: المخلص المهذب نفسه العامل بما يقول الذي وقف نفسه لله.

ومن الواضح، إمكانية امتلاك كل واحد من المسلمين هذه الصفات ما يعني عدم خصوصيتها واقتصارها على شخص ما.

وبالجملة، إن حقيقة الإمام وما يعرفه هو العدالة والارتباط بالقرآن، ولما كان هذا أمراً ممكناً، نجد الإمام الحسين(ع)، في خطبته يوم كربلاء يطالب الناس اتخاذه أسوة، ومن الواضح أن التأسي بشخص ما فرع كون ما يتأسى به فيه أمراً ممكناً، ويساعد على ذلك أن الأمر القرآني باتخاذ رسول الله(ص) أسوة كان بالنظر لما وصفه الله تعالى به، وهو الجانب البشري، في قوله تعالى:- (قل إنما أنا بشر يوحى إليّ)

وهذا بخلاف ما يذكره المتكلمون لمفهوم الإمامة من صفات، فإنه يصعب على كل أحد التأسي بشخصية الإمام حينها.

وبالجملة، إن السمات الثابتة للإمامة ومعالمها في الأيام الأولى تختلف عن سماتها ومعالمها في العصور المتأخرة حتى زماننا اليوم، فقد كانت معالمها في العصر الأول تنحصر في القرآن الكريم، والعدالة، والتمحور حول الحق وتهذيب النفس والإخلاص وتكريس الذات لله تعالى، وتحولت تدريجياً إلى التنصيب والتعيين الإلهي، والنص النبوي، والعصمة وعلم الغيب.

ومما يؤيد ما ذكرناه، بل يدل عليه ما ورد عن أمير المؤمنين(ع) في بيان المهمة المناطة به عند تصديه للخلافة، حيث قال(ع): أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء إلا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها. ومن الواضح أنه(ع) بصدد الحديث عنه نفسه.

 

وقد تضمن كلامه(ع) أمرين أساسيـين:

الأول: أنه(ع) قد اعتبر نفسه عالماً من العلماء، ولم يدع لنفسه أي شيء آخر أبعد مما هو ثابت عندهم، كعلم الغيب مثلاً.

الثاني: لقد برر(ع) قبوله منصب الخلافة، للقيام بالعهد الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على العلماء الذي هو واحد منهم، وقد فسر العهد المأخوذ عليهم بقيام العالم بمسؤوليته في إعانة المظلوم ومقارعة الظالم.

وقد طبق الإمام الحسين(ع) ذلك في نهضته المباركة، حيث قال: إنما خرجت طلباً للإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.

إلا أن هذا المعنى للإمامة قد اختلف كثيراً منذ نهاية القرن الثاني، فقد أغرق الناس في هذه الشخصيات المهذبة، وعمدوا إلى وصفها بصفات مختلفة مثل كونها مخلوقة من طينة مختلفة وطبيعة أخرى غير سائر البشر[1].

وتتخلص الدعوى المذكورة في كلام الكاتب المذكور، أن منصب الإمامة الثابت للأئمة الأطهار(ع)، قد تغير في حقيقته وواقعه عما كان عليه في عصر المعصومين(ع)، فقد كان بصفة معينة، ثم أخذ صفة أخرى من خلال اعتبار مجموعة من الأمور فيه مما لم يكن معتبراً، وقد نجم ذلك من خلال حركة الغلو التي وجدت في الوسط الإسلامي، والشيعي خاصة.

والأمور التي استجدت ولم تكن موجودة من قبل:

1-مسألة النص الإلهي والنصب النبوي.

2-مسألة العصمة.

3-مسألة علم الغيب.

وعليه، سوف يكون الحديث معه ضمن محورين:

الأول: استعراض بعض كلمات قدماء علماء المسلمين من الرعيل الأول، سواء من القرون الأولى، والتي تضمنت عرضاً وبياناً للأمور الثلاثة المعتبرة في مسألة الإمامة، ما يدل على أنها ليست أموراً حادثة ومستجدة، كما أدعي.

الثاني: حول الأمور الثلاثة وعرض الأدلة الدالة على اعتبارها منذ الصدر الأول للإسلام من خلال القرآن الكريم، والنصوص الشريفة الدالة على أنها أمور منصوصة من قبل الله سبحانه، وعلى لسان نبيه(ص)، وهذا يعني قدمها وتأصلها ما ينفي صحة دعوى الكاتب المذكور.

 

المحور الأول: استعراض بعض الكلمات:

ونعرض فيه كلمات جملة من قدماء علماء المسلمين الذين عايشوا الرعيل الأول من علماء الطائفة[2]، بل الأئمة الأطهار(ع)، ووقفوا على اعتبار الصفات الثلاث في منصب الإمامة، ودونوها في كتبهم، ما يعني أنها من الأمور الجلية الواضحة، المعروفة، لا أنها من الأمور التي استحدثت في ما بعد:

منها: ما جاء في كتاب التحريش، لضرار بن عمرو، وقد كان حياً في حدود سنة 193 ه، فيكون معاصراً للإمامين الصادق والكاظم(ع)، وهو معتزلي المنهج والمعتقد، وقد جاء في كتابه، بعد ذكره أن أمير المؤمنين(ع) هو أول القوم إسلاماً وآخاه، أموراً تثبت أسبقية الصفات الثلاث في الذهن الإسلامي منذ القرن الأول، فمن ذلك الإشارة لمسألة النصب من قبل الله تعالى والنص على الإمام من قبل النبي(ص)، وقد تمثل ذلك في ما صدر عن رسول الله(ص)، أنه قال: أنت مني بمنـزلة هارون من موسى، وأنت وصيي من بعدي، وخلفتي على أمتي.

وكذا في قوله يوم حديث الغدير: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله. كما ذكر أيضاً أن علياً(ع) قد أمر الله تعالى بطاعته فليس لأحد أن يرد عليه شيئاً مما جاء به ودعا إليه.

كما أنه أشار إلى امتلاك أمير المؤمنين(ع) علم الغيب، وأنه علم لدني، من خلال ذكره أن رسول الله(ص) قد أسرّ له شيئاً من الوحي.

وأن جبرئيل(ع) قد دله يوم النهروان على ذي الثدية حيث قال: اطلبوه فما كذبت ولا كذبت[3].

وبالجملة، إن المستفاد من كلام المذكور، مع مخالفته في العقيدة لما عليه الشيعة الإمامية، توفر الصفات الثلاث عندهم في الإمام منذ العصر الأول، وما إحاطته بها وذكرها في كتابه، إلا لأنها كانت معروفة متداولة، وإلا لم تصل إليه.

 

ومنها: ما ذكره القاسم الرسيّ في رسالته المعروفة بـ: الرد على الرافضة، وهو من الزيدية، ولد في سنة 169 وكانت وفاته سنة 246 هـ، وقد ذكر أموراً نسبها للشيعة الإمامية، وأنها تمثل معتقدها، فقال:

أنه لا يوجد قرن من القرون، ولا أمة من الأمم الأولى إلا وفيها وصي نبي، أو وصي وصي يكون حجة لله تعالى على الخلق، عالماً بأحكامه، مفروضة طاعته عليهم، كما أن معرفته واجبة، يمتاز على الجميع بما له من صفات، فلا يضاهيه أحد من أهل عصره في ما عنده من الصفات، ولا يعرف الله سبحانه أبداً من جهله[4].

وتحدث في موضع آخر عن الإمام الصادق(ع)، فقال: وكل من قال بجعفر من الروافض، يزعم أن الإمام يخلق عالماً، وطبعه العلم، والعلم مطبوع فيه، يزعمون أن الإمام يعلم الغيب، ويعلم ما في تخوم الأرضين السابعة السفلى، وما في السماوات السابعة العليا، وما في البر والبحر، والنهار عنده مجرى واحد، فسبحان الله، وما هذه إلا صفات رب العالمين[5].

وبعيداً عما توهم من أن الشيعة تدعي في الأئمة(ع) صفات الله سبحانه وتعالى، وهم براء من ذلك، فإن كلامه يدل دلالة واضحة على ما يعتقده الشيعة اليوم في الأئمة(ع)، وهو يصرح بذلك، فكيف يدعي الكاتب المذكور أن القول بهذه الأمور من الأمور الحادثة، وليست متجذرة الوجود في الفكر الشيعي الأول.

 

ومنها: ما جاء في كلام ابن شرشير، ويعرف بالناشيء الأكبر، وقد عاش في القرن الثالث، وكتابه في مسائل الإمامة من الكتب التي عمدت لبيان الفروق بين الفرق. وكيف ما كان، فقد تحدث عن الوضع بعد شهادة أمير المؤمنين(ع) وحال الإمام الحسن(ع): فرقة قطعوا على موته وزعموا أن الإمام بعده الحسن بن علي، وزعموا أن النبي(ص) قد نص على إمامته، كما نص على إمامة أبيه،  وهؤلاء الذين يدينون بنسق الإمامة وتواتر الوصية، يقولون لابد بعد كل إمام من إمامة، وبعد كل وصي من وصي إلا أن تفنى الدنيا، زعموا أن النبي(ص) قد نص لعلي على كل إمام يكون بعده من ولده إلى يوم القيامة بأسمائهم وصفاتهم، فالإمامة تجري اليوم عندهم على ما نص عليه النبي(ص)، وقد حكى هذا القول جماعة من أصحاب علي(ع) منهم الحارث الأعور، والأصبغ بن نباتة، وعبد خير[6].

وبالإضافة إلى بيانه وجود الاعتقاد بمسألة النصب والنص على الإمام(ع)، من قبل النبي(ص) عن الله سبحانه وتعالى، فقد نص على أن هذا معتقد أصحاب أمير المؤمنين(ع)، فكيف يقال بعد ذلك أن هذه أمور مستحدثة ومستجدة.

وقال أيضاً في الكتاب المذكور: وليس دخول الأئمة في بيعة من غلب عليهم بمخرج لهم من أن يكونوا أئمة قد نص النبي(ص) عليهم وأودعهم علم الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وجميع ما يصلح به العباد والبلاد إلى يوم القيامة[7].

 

وهذا الكلام يشتمل أمرين مهمين:

الأول: أن الخلافة الإلهية متعينة في الأئمة المعصومين(ع) المنصوبين من قبل النبي(ص) بأمر من الله تعالى المنصوص عليهم، وأن بيعتهم لأحد لا ينفي حقهم في ذلك، ولا يسلب عنهم هذه الصفة.

الثاني: أنهم يعلمون الغيب، ويحيطون بكافة الأمور عن الله سبحانه وتعالى، لأنهم وسائطه للخلق.

ومنها: أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد المعروف بالخياط، من علماء المعتـزلة، وهو من علماء القرن الثالث، فقد قال في حديثه عن الشيعة: وذلك أن من عظيم أدلتهم عند أنفسهم على أنه لابد للناس من إمام معصوم نقي الباطن والظاهر جامع لعلوم الدين كلها[8]. وهو صريح في اعتبار صفة العصمة في الإمام عند الشيعة الإمامية، والعلم بالغيب.

وقال أيضا: والمقتصد منهم في وصفه من زعم أنه عالم بجميع ما بالناس إليه حاجة لا يخفى عليه منه شيء، وأنه نقي السريرة والعلانية لا يجوز عليه التغيـير والتبديل، وأنه أعلم الناس بالتدبير وأزهدهم في الدنيا وأشدهم بأساً، وأن الله هو المتولي لنصبه وإقامته، وأن الأمة قد دفعته عن موضعه وأقامت غيره، وأن من أنكره وخالفه وجحد إمامته فكافر مشرك، ولد لغير رشده، هذا قول الرافضة في إمامها[9].

وقد تضمن النص المذكور اعتبار الصفات الثلاث في الإمام، وتعتبر شهادة هذا الرجل المعتزلي دليلاً واضحاً على معروفية ذلك في الأوساط الشيعية خلال تلك الحقبة الزمنية.

ومنها: ما ذكره مطهر بن طاهر المقدسي، وقد كان حياً سنة 355 هـ، في كتابه البدء والتاريخ، وموضوعه بيان الفوارق بين الفرق، وقد ذكر في كلامه اعتبار الصفات، وهي:

1-النص على الإمام والصب، قال: فهؤلاء جل الإمامية يقولون بالأئمة الإثني عشر، وأن الأمة كفرت كلهم برد علي، إلا ستة نفر سلمان والمقداد وجابر وأبو ذر الغفاري وعمار وعبد الله بن عمر.

2-علم الإمام بالغيب، قال: وأن علياً يعلم كل ما يحتاج الناس إليه، وكذلك هؤلاء الأئمة.

3-العصمة، قال: وكلهم معصومون لا يجوز عليهم السهو والخطأ والغلط[10].

 

المحور الثاني: الحديث عن الأمور الثلاثة التي ذكرها الكاتب المذكور:

وهي:

1-النص الإلهي، والنصب النبوي.

2-العصمة.

3-علم الغيب.

 

النص الإلهي والنصب النبوي:

أما بالنسبة للأمر الأول، فإن اعتقاد الشيعة بمسألة النص الإلهي، كان منذ عصر النبي الأكرم محمد(ص)، وليست من العقائد الطارئة التي نتجت من كلمات المتكلمين، ويدل على ذلك أمور:

الأول: موقف الصحابة من بيعة الرجل الأول، والاعتراض عليها، بل والامتناع عن البيعة إليه، محتجين بأن الخليفة من بعد رسول الله(ص) هو أمير المؤمنين(ع) الذي نصبه رسول الله(ص) يوم غدير خم بأمر من الله سبحانه وتعالى. وقد كان ذلك في مسجد رسول الله(ص)، وبمحضر جمع غفير من المسلمين.

الثاني: احتجاج أمير المؤمنين(ع) يوم الشورى وبمحضر جملة من الصحابة بحديثي الغدير والمنـزلة، مطالباً بحقه في الخلافة، وأنه أولى الناس بذلك بعد رسول الله(ص).

الثالث: المناظرة المعروفة التي حصلت بين هشام بن الحكم وعمرو بن عبيد المعتزلي حول ضرورة أن يكون الإمام منصوباً من قبل الله سبحانه وتعالى، وقد صرح هشام في تلك المناظرة، بأنه تعلم ذلك من الإمام الصادق(ع).

الرابع: النص الصادر عن الإمام الرضا(ع)، في بيان الصفات التي يلزم توفرها في الإمام القائم بالخلافة بعد رسول الله(ص) من العصمة والعلم التام والإحاطة الكاملة بالشريعة وأحكامها، ولما كانت هذه الصفات غير ظاهرة لكل أحد، لزم أن يكون المتصف بها منصوصاً عليه من قبل الله تعالى، منصوباً عن طريق رسوله الكريم(ص).

الخامس: ما صدر عن مولانا ولي النعمة(عج) من أن الغاية من تعيـين الإمام هو أن يتصدى للمنصب رجل مصلح يؤمن من انحرافه وجوره، ولما كان الناس لا يسعهم معرفته، تعين أن يكون النص عليه من قبل الله سبحانه، ونصبه من قبل الرسول محمد(ص).

وبالجملة، إن ملاحظة الموارد المذكورة، وغيرها مما لا يسع المجال ذكره، يوقف القارئ العزيز على أن مسألة الاعتقاد بالنص والنص في الإمامة، ليس أمراً طارئاً وحادثاً في الوسط الشيعي، بل هي قضية متجذرة في هذا الوجود منذ أن بذر بذرته الأولى رسول الله(ص) في حياته الشريفة.

 

مع كلمة الإمام الحسين(ع):

ولقائل أن يقول، لو سلمنا بما ذكرتموه، فكيف يمكن معالجة الكلمة الصادرة من الإمام الحسين(ع)، والتي افتتح بها المقام.

فإنه يقال، يمكن الجواب عن ذلك بأمور:

أولاً: إن عدم اشتمال الكلمة الصادرة عن الإمام الحسين(ع) لبيان ما يعتبر في شخص الإمام الذي يقوم مقام رسول الله(ص)، لا يعني عدم اعتبار ذلك فيه، لأنها ليست في مقام حصر ما يعتبر في الإمام، ونفي ما سواها، بل هي بصدد بيان بعض الصفات المعتبرة فيه.

 

والحصر المتصور ظهوره من الكلمة المذكورة، لو تم، فإنه حصر اضافي، لا يمنع اعتبار صفات أخرى في الإمام، خصوصاً وأنه(ع) لم يكن بصدد بيان جميع ما هو معتبر في الإمام من الصفات.

بل إن من المحتمل جداً أن تكون الكلمة المذكورة صادرة بنحو المجاراة، لا بنحو الاعتقاد، فإن الأمة قد انحرفت عن المسار الإلهي لها في عملية الخلافة، وخالفت الأمر الإلهي، والفعل النبوي، فعمدت لجعل هذا المنصب من خلال الاختيار والانتخاب، لذا جاءت هذه الكلمة، لتتحدث عن الصفات التي ينبغي أن تتوفر فيمن ينتخب ويعين من قبل الناس.

ثانياً: إن ما تضمنته الكلمة محل البحث وأضرابها من كلمات أمير المؤمنين(ع)، ببيان وظائف الإمام وأنها اظهار معالم الدين، وإصلاح معيشة الناس، وتربيتهم معنوياً، والدفاع عن المظلومين، وإقرار الأمن، ونشر العدل، لا ينفي وجود مهام أخرى ثابتة للمنصوب من قبل ر سول الله(ص) خليفة من بعده، كبيان المعارف الإلهية والأحكام الإسلامية، والتميـيز بين الحق والباطل.

ولا يعني عدم ذكر مفكري الشيعة هذه المهام في وظائف الإمام حال تعرضهم للحديث عن الإمامة، غفلة منهم عنها، أو عدم اعتبار إليها، وإنما لأنها من الواضحات في الفكر الإسلامي، وقد أرادوا عرض ما يكون مختصاً بالفكر الشيعي.

وأما الاستشهاد للمدعى بما تضمنته الخطبة الشقشقية من حديث أمير المؤمنين(ع)، عما أخذه الله عهداً على العلماء، وأنه قد وصف نفسه أنه عالم دون بقية الصفات الأخرى المدعاة له، من علم الغيب وما شابه، فإنه لا ينفع الكاتب المذكور لما يروم الوصول إليه. فإن أقصى ما تدل عليه وجود وظيفة مناطة بالعلماء، يطلب منهم القيام بها، ولا ريب في أن علياً(ع) واحد من العلماء، لكن لا دلالة للعبارة المذكورة على مساواتهم له في العلم، حتى تصلح لنفي ما يعتقده الشيعة الإمامية في مسألة الإمامة. ويدل على ما ذكرناه، ما تضمنته كلمات أمير المؤمنين(ع) الأخرى في كتاب النهج، مثل ما جاء في خطبته(ع) القاصعة، والتي جاء فيها قول النبي(ص) لأمير المؤمنين(ع): إنك ترى ما أرى، وتسمع ما أسمع، ولكنك لست بني.

 

العصمة:

وأما بالنسبة للأمر الثاني، وهو دعوى عدم معروفية شرطية العصمة في الإمام في القرنين الأول والثاني، فينفيها ملاحظة الأدلة المستند إليها في اعتبار وجود صفة العصمة في الإمام(ع)، كاعتبار وجودها في النبي(ص)، نعم ما لا ينكر أنه لم يرد في شيء من الآيات القرآنية ما تضمن التصريح بلفظة العصمة، لكن مضمونها ومدلولها موجود، كما سيتضح، أما النصوص، فقد جاء في بعضها التبعير بذلك.

وكيف ما كان، فإنه يدل على شرطية وجود صفة العصمة في الإمام من القرآن الكريم، قوله تعالى:- (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، ودلالة الآية الشريفة على وجوب طاعة الله ورسوله(ص)، وأولي الأمر جلية واضحة، خصوصاً وأن الأمر ظاهر في الوجوب، فيكون مدلول الآية الشريفة وجوب طاعة من ذكرتهم، ولا ريب أنه لا يتصور أن يأمر الله سبحانه وتعالى بطاعة من ليس معصوماً، ويوجبه، لأنه ينافي غرضه تعالى الذي خلق الإنسان من أجله، وهو بلوغه الكمال، ودخوله الجنة.

وعليه، يكون مقتضى دلالة الآية الشريفة عصمة من أوجب الله تعالى اتباعه، وقد فسر أولي الأمر الوارد ذكرهم في الآية بأمير المؤمنين(ع)، والأئمة الطاهرين(ع)، فتكون الآية الشريفة دالة على عصمتهم.

كما يمكن الاستدلال لذلك أيضاً بقوله تعالى:- (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)، بملاحظة أن الإرادة الوارد ذكرها في الآية الشريفة إرادة تكوينية، وأن الرجس المنفي عام.

وأما النصوص الشريفة، فهي متضافرة في الدلالة على اعتبار هذا الوصف في الخليفة بعد النبي(ص)، فمنها: ما رواه ابن عباس، قال: سمعت رسول الله(ص) يقول: أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون[11]. ومثل ذلك ما جاء على لسان الإمام الرضا(ع).

 

شبهة التأسي:

وقد أثار الكاتب المذكور شبهة جعلها مانعاً من اعتبار صفة العصمة في الخليفة بعد رسول الله(ص)، وهي أن وجود ذلك عنده مانع من جعله قدوة وأسوة يتأسى به، مع أنه قد صدر عن الإمام الحسين(ع)، ما يؤكد على التأسي به، وحتى ما تضمنه القرآن الكريم من اعتبار التأسي برسول الله(ص) إنما كان بلحاظ صفته البشرية التي تحدث القرآن الكريم عنها.

وبالجملة، إن الكاتب المذكور يعتبر في تحقق التأسي خارجاً وجود سنخية بين المتأسي والمتأسى به، وما لم يكن بينهما ذلك، فلن تحصل الأسوة.

وهو غريب، لأنه لم يدل دليل من العقل والنقل، على اعتبار المساواة بين المتأسي والمتأسى به، بل إن الدليل على خلاف ذلك، فهذا أمير المؤمنين(ع) يتحدث عن عدم قدرة الشيعة على الوصول إليه في الكمال، وأنه لو طالبهم أن يكونوا مثله في ذلك لكان تكليفاً لهم بما لا يطيقون، قال(ع): ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد. وهذا يعني أن المطلوب من المتأسي أن يسعى ببذل أقصى درجات الجهد من أجل الوصول إلى مقام المتأسى به، ولو لم يبلغ ذلك، فإنه يكون قد أصاب شيئاً مما عنده. ويؤكد ما ذكرناه، بل يدل عليه أن الإمام الحسين(ع) قد أشار في كلمات أخرى له، بأنه من أهل بيت النبوة الذين بهم فتح الله فخلق الأفلاك بواسطتهم، ومن أجلهم، وأنه تعالى سوف يختمها لأجلهم، وبواسطتهم.

 

علم الغيب:

وأما الأمر الثالث الذي أشار له الكاتب وهو مسألة علم الغيب، وأن الإمام المنصوص عليه من قبل الله تعالى، والمنصوب من قبل النبي الكريم(ص)، يعلم الغيب، فإنه يدل على ذلك القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والعقل.

أما القرآن الكريم، فقد استند لجملة من الآيات الشريفة:

منها: قوله تعالى:- (ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)[12]، وقد تضمنت الآية الشريفة احتجاج النبي الأكرم محمد(ص) بشاهدين، وهما:

1-الباري سبحانه وتعالى.

2-من عنده علم الكتاب.

ودلالة الآية الشريفة على المدعى تعتمد على تحديد المقصود بـ(من عنده علم الكتاب)الذي ورد فيها. ويتضح ذلك بملاحظة نوعية السورة، وأنها مكية أو مدنية، فإن ذلك يعين كثيراً، لأنه سوف يدفع بعض المحتملات المتصورة في دلالة الآية وبيان من هو المقصود بذلك فيها.

وعلى أي حال، إن الثابت وفقاً لمقتضى التحقيق[13] أن الآية مكية كمكية السورة التي وقعت فيها، وهذا يستوجب أن يكون المقصود من بـ(من عنده علم الكتاب)، عدم كونه شخصاً من أهل الكتاب، لعدم إيمان أحد منهم خلال تلك الفترة. وقد نصت الروايات الشريفة على أن المقصود به هو أمير المؤمنين(ع).

وعليه، يكون الاستدلال بها كالتالي: إن المستفاد من الآية الشريفة دلالتها على وجود علم الكتاب عند الإمام علي(ع)، وهو علم مضاف يفيد أنه لا يوجد شيء في الكتاب إلا وعلمه عنده(ع).

ومع أن المقصود بالكتاب في الآية الشريفة هو القرآن الكريم، إلا أنه لا يقصد به خصوص هذا القرآن الموجود بين الدفتين، بل المقصود منه الكتاب التكويني، بلحاظ الوجود التكويني للقرآن الكريم، في مقابل الوجود الكتبي له.

وبناءً على ما تقدم، يقرر وجود العلم والإحاطة التامة بكل الأمور والأشياء لأمير المؤمنين(ع)، لأنه يملك علم الكتاب التكويني وفقاً للآية الشريفة، وهذا يثبت وجود علمه بالغيب وهو المطلوب.

ومنها: قوله تعالى:- (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين* قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)[14]، وتتضح دلالتها على المدعى عند الإحاطة بمنشأ فضل آدم(ع) على الملائكة، من خلال ما حصل عليه من التعليم، وأنه ليس مجرد العلم بالأسماء التي علّمها الله سبحانه وتعالى إياه. توضيح ذلك: لقد كان علم آدم(ع) بالأسماء المعينة سبباً لامتيازه على الملائكة، وبه استحق الاستخلاف، وعندما يقوم آدم(ع) بتعليمه الأسماء للملائكة، فلن يبقى متميزاً عليهم، بل سوف يكون وإياهم في مستوى واحد من العلم، بل قد يكون الملائكة أفضل منه، لأن تدبر اللاحق قد يكون أشرف من تدبر السابق، وهذا يوجب نفي الأفضلية له عليهم. مع أن تميزه(ع) عليهم ظل حتى بعد تعليمه إياها لهم. وذلك لأن نوعية العلم التي أمتلكها آدم(ع) تختلف عن نوعية العلم التي حصل عليها الملائكة، فإن المستفاد من الآيات الشريفة أن نوعية علمه(ع) من العلم اللدني الحضوري الذي يكون بنحو الإلهام والإشراق من خلال إلقاء المعلم للمتعلم ذلك. ووجود هذا العلم عنده كان سبباً لاستحقاقه منصب الولاية والرتبة التكوينية، فإذا كان آدم(ع) قد حظي بمثل هذا التشريف من الله تعالى، فالنبي محمد(ص) أولى من آدم(ع) بأن يكون ممتلكاً لهذا العلم الحضوري اللدني، وكذا أهل بيته(ع) الذين هم نفسه الشريفة.

وأما النصوص، فمنها: حديث الثقلين الذي رواه الفريقان، وهو وإن اختلفت صيغ روايته، إلا أن موضع الاستدلال به محط وفاق عند كل من رواه، قال (ص): إني مخلف فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير قد أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.

وتعرف دلالته على المدعى من خلال الملازمة الثابتة بينهما وعدم حصول الافتراق، ويظهر ذلك من خلال مقدمتين:

الأولى: إن مقتضى كون القرآن الكريم دستور علم وهداية للأمة المرحومة، وأنها خاتمة الرسالات السماوية، يلزم اشتماله على كل ما تحتاج إليه البشرية بشأن هدايتها إلى قيام الساعة، فلا يوجد شيء يحتاجه البشر إلا ويكون موجوداً فيه.

الثانية: إن اللازم من كون العترة الطاهرة، وهم الأئمة المعصومون(ع) عدلاً للقرآن الكريم، يستوجب احاطتهم بكل شيء، وعلمهم بكل ما فيه، حتى لا يحصل الافتراق بينهما، لأنه لو لم يكونوا كذلك لزم من ذلك حصول الافتراق، وقد عرفت إخباره سبحانه وتعالى عن الله عز وجل أنهما لن يفترقا، فيثبت المطلوب.

ومنها: النصوص التي نصت على أنهم(ع) ورثة علم الأنبياء(ع)، فعن أمير المؤمنين(ع) قال: ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيـين في عترة خاتم النبيـن[15].

دليلية العقل:

إن مقتضى المنصب والمسؤولية المناطة بالمعصوم(ع) تستدعي أن يمتلك شروطاً وخصائص تؤهله لتحمل تلك الوظيفة والقيام بتلك المسؤوليات المطلوبة منه. ولابد أن تعطيه تلك الشروط والخصائص امتيازاً على جميع الموجودين في عصره بحيث يكون أكملهم علماً ومعرفة، وهكذا.

وهذا يعني أن العقل يحكم بلزوم كون المعصوم في زمانه أعلم الرعية، وأكمل معرفة، وإلا عدّ ناقصاً، ووجود النقص يمنع من أن يكون في موضع المسؤولية التي أعد لها.

 

 

 

 

 

 

[1] القراءة المنسية ص 109-121(بتصرف)

[2] وهم القراءة المنسية ص138-145 (بتصرف).

[3] التحريش ص 50.

[4] مجموع رسائل الرسي ج 1 ص 515.

[5] المصدر السابق ص 539.

[6] مسائل الإمامة ص 22.

[7] المصدر السابق ص 24.

[8] الانتصار ص 227.

[9] المصدر السابق ص 231.

[10] البدء والتاريخ ج 5 ص 126.

[11] بحار الأنوار ج 25 ص 201.

[12] سورة الرعد الآية رقم

[13] أعرضنا عن اثبات مكية سورة الرعد التي وردت فيها الآية الشريفة، لأننا قد تعرضنا لبيان الضابطة في السورة المكية والسورة المدنية بصورة مفصلة في بحث التفسير في مطلع تفسير سورة يس.

[14] سورة البقرة الآيتان رقم

[15] بحار الأنوار ج 26 ح 6 ص 160.