18 يناير,2019

الأبعاد المعنوية في ثورة الإمام الحسين(ع)

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال الإمام الحسين(ع):ما خرجت أشراً ولا بطراً، وإنما خرجت طلباً للإصلاح في أمتي جدي، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى المنكر.

مدخل:

لا يخفى على أحد أن ثورة الإمام الحسين(ع)تتضمن أبعاداً، ثقافية وأخلاقية وعقائدية، يمكن للمتأمل أن يستفيدها من تلك النهضة المباركة.

لكن نود أن ننظر إلى قضية الحسين(ع)من خلال بعد آخر، وهو البعد المعنوي، فهل أن ثورة الإمام الحسين(ع)تنطوي على أبعاد معنوية، كما تنطوي على الأبعاد الأخرى التي أشرنا إليها.

وفي مقام الإجابة، نقول، أنه لا يخفى ما للبعد الروحي والمعنوي من أهمية قصوى، وأثر ذلك على الفرد الإنساني.

وقضية الحسين(ع)كذلك، حيث أنها تشتمل على البعد المعنوي، وهذا يجعلها قضية إنسانية، مضافاً إلى كونها قضية إسلامية، مما يعني أن كل إنسان يعيشها ويتعاطف معها.

هذا ونحاول أن نشير إلى بعض الأبعاد المعنوية لنهضة الإمام الحسين(ع).

الصراع بين الحق والباطل:

مما لا إشكال فيه أن قضية أبي عبد الله الإمام الحسين(ع)تمثل قضية الصراع بين الحق والباطل،والإيمان والكفر،ولكن ليس على مستوى الإسلام والكفر الصريح كما كان يحصل في حركة الأنبياء،بل تمثل الصراع بينهما على مستوى الانحرافات الخالدة التي تنتهي إلى الكفر وإفراغ النظرية الإسلامية من محتواها الحقيقي في داخل المجتمع الإسلامي وهي إلى جانب ذلك تمثل موقف الحق الذي لا شبهة فيه مطلقاً،في الوقت الذي يتعرض فيه الحق إلى هذا القدر من الظلم والاستهتار.

وهذا المعنى يمكن للمتابع أن يجد صفحات التاريخ ملئ به، حينما يتصفح تاريخ بني أمية، والمستوى المتدني الذي وصلت له الأمة في عهدهم، وبالخصوص في معارفها الدينية.

بل يمكنه من خلال ملاحظة تاريخ نفس تلك الفئة الظالمة التعرف على مدى الإلحاد الموجود لديها،سواء في كلمات معاوية،أم يزيد،أم من جاء بعدهما من حكام بني أمية.

وعلى هذا الأساس نجد أن موقف الإمام الحسين(ع)وهذه الرؤية تكاد تكون مسلمة ومقبولة لدى جميع المسلمين بدون استثناء، ويتفاعل معها المسلمون في كل زمان بالرغم من المحاولات السياسية والثقافية التي بذلها الأمويون وأتباعهم لتشويه هذه القضية وإضفاء الشرعية على موقف يزيد والأمويـين أو في محاولة تركيز ثقافة السكوت والاستسلام للظالم والقبول بولايته وشرعيتها بعد فرض السيطرة والهيمنة على الأوضاع العامة.

وبقيت قضية الإمام الحسين(ع)مناراً يهتدي به التائهون في دروبهم وأمور حياتهم ومعاشهم.

القيم الأخلاقية:

القيم الأخلاقية الإنسانية التي تجسدها هذه الملحمة التاريخية، حيث تمثل مدرسة في هذا الجانب الإنساني العظيم.

ولعل سرّ استمرار هذه الملحمة في قدرتها على التأثير والتفاعل هو هذا المضمون الأخلاقي الرائع لها الذي ينسجم مع أوليات الفطرة الإنسانية.

حيث تجسد في تفاصيل مجراها معاني العزة والكرامة والإباء والشجاعة والإيثار والرأفة حتى بالأعداء، والشعور بالمسؤولية تجاه الإسلام والمسلمين والثبات على المبادئ والصبر على النوائب والآلام والمصاعب، وبذل الجهد وإفراغ الوسع في هداية الناس وإنقاذهم.

وقد نقل لنا حضّار واقعة الطف أن الحسين كان يوم عاشوراء يبكي،فقيل له في ذلك،فقال ما لنفسي لبكيت،ولكني أبكي لهؤلاء،لأنهم يدخلون النار بسببي.

وكذا لما التقى بالحر بن ييزيد الرياحي،وكان معه قريب من الألف فارس،وقد أجهدهم العطش،فأمر الحسين(ع)بسقي القوم وترشيف الخيل،وكان في آخر القادمين المحاربي،وقد سقاه الإمام(ع)بيديه الشريفتين.

وكذلك العلاقات الإنسانية الرفيعة في دائرة الأرحام والأصدقاء والأولياء والقيادة والأمة، ومع أبناء الشعوب والقوميات المختلفة الذين كانوا مع الإمام الحسين(ع).

فلاحظ أن الحسين(ع)كما يضع خده على خد ولده علي الأكبر،يضعه أيضاً على خد مولاه التركي الأسود،ويضع خده على خد جون العبد الأسود.

إن هذه القيم والمثل عندما تجسد عملياً في ساعات المحنة وترسم معالمها بالدماء والتضحيات يكون لها مدلول يختلف في عمقه ودرجته ومستواه عن مداليلها عندما تطرح شعاراً أو ثقافة عامة عند الأمة.

حجم التضحية الكبير:

الدرجة العالية والحجم الكبير في التضحية والفداء من أجل الإسلام، ومصالح الأمة الإسلامية.

فإن القضية الحسينية تـتميز بهذه الميزة التضحوية العظيمة، حيث لم تكن التضحية بالنفس والمال والولد والأخوة والأصحاب وحدها، بل كان إلى جانب ذلك كله التضحية بالأهل وتعريض النساء إلى محنة الأسر والعدوان، وقد شملتهم العناية الإلهية فأنقذتهم من آثارها ونتائجها المأساوية الأخرى.

كما كانت أيضاً تضحية عظيمة بالجاه والاعتبار وبالنخبة الصالحة وبالعلماء الأفاضل الذين كانوا إلى جانب الإمام الحسين(ع)والذين كانوا من الممكن أن يتحول كل واحد منهم إلى مدرسة عظيمة في المعرفة والأخلاق وإلى هادٍ ومرشدٍ في الأمة.

إن الإنسان عندما يواجه مثل هذه الأخطار في صراعه مع الكفر والانحراف، قد يقف متردداً، وقد يختار السكوت والاستسلام باعتبار حجم التضحية الكبير، كما يفعل الكثير من الناس في التأريخ، أولئك الذين يحملون المشاعر الطيبة والأفكار الصحيحة والرؤية الواضحة، لكنهم يقفون أو يترددون أو يسقطون بسبب حجم الضغط المعادي.

ولعل هذا يفسر لنا بعض المواقف التي ذكرها بعض الصالحين الذين كانوا يحيطون بالإمام الحسين(ع)وكانوا من المؤمنين بنهضته، وأنه لا خيار لإيقاظ الأمة من سباتها إلا بصدمة إيمانية كبيرة تنجم من خلال التضحية، ولابد من أن تكون تلك التضحية بحجم كبير، وكبير جداً، لكي تترك صداها.

إلا أننا نجدهم يتوانون في هذا العمل، ويقدمون للحسين(ع)النصح بترك القيام بمثل هذه التضحية، كما فعل ذلك محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر(رض).

كل ذلك لعدم استيعابهم الكامل وفهمهم للتضحية بهذا المعنى الذي استوعبه الإمام الحسين(ع)وأراد تطبيقه.

الوضوح في طلب الحق:

فالوضوح في طلب الحق والمظلومية في جانب الإمام الحسين(ع)وفي الباطل والعدوان في جانب يزيد، هذا الشيء الذي يهز المشاعر ويفتح الطريق أمام تفاعل الأمة واندماجها بالمأساة وأهدافها.

وقد كان هذا الوضوح ضمن أهداف التخطيط لهذه النهضة حيث أن الإمام الحسين(ع)تمكن أن يمهد الطريق لنهضته المباركة من خلال العمل الإعلامي الجيد، والخطاب السياسي القوي، والتحرك على الأمة، والتجاوب مع متطلبات المرحلة وحاجاتها، بحيث أدى ذلك كله إلى أن تطلب منه الأمة بنفسها التصدي لقيادة المسيرة، والقيام لمواجهة الظالمين، فأصبحت القاعدة الشعبية مهيأة ومتجاوبة مع هذه النهضة، وتؤمن بأهدافها ومنطلقاتها، وإن كانت الأمة لم ترتفع إلى مستوى الإرادة الشجاعة والعزيمة القوية للوقوف إلى جانب الإمام الحسين(ع)في هذه النهضة.

ولا شك بأن اقتران قضية الحسين(ع)بهذا العامل، وكذلك ما واجهه من خذلان وغدر بعد دعوته من قبل الأمة للقيام والنهوض، كان له تأثير كبير في تأجيج الروح المعنوية لدى شيعته ومحبيه، بل كل الإنسانية التي كانت تشعر بالأسى والندم والألم، وتحرص دائماً أن لا تتكرر في أوساطها هذه التجربة المؤلمة.

بقي أن نشير إلى نقطة غاية في الأهمية، أنه ليس من الضروري أن يكون التفاعل الإيجابي من الأمة بعد ذلك صادراً من نفس الذين ارتكبوا الذنب، ليحصل عندهم الشعور بالندم، بل يمكن أن يتفاعل مع هذا الجانب أولئك الذين يشاهدون هذه التجربة أو يعقلونها في حياتهم ليشعروا بالأسى والندم على ما فاتهم من المساهمة في هذه النهضة.

المأساة المتعددة الأبعاد:

والجوانب، فإن مأساة الحسين(ع)لم تكن ذات بعد واحد، بل فيها أبعاد متعددة يكاد الإنسان يجد في معالمها جميع الأبعاد المأساوية التي يواجهها في حياته الشخصية أو الاجتماعية.

فقتل الأبناء والأخوة والأرحام والأطفال والشباب والشيوخ والنساء، والأصدقاء والأولياء والضعفاء، والقادة والسادة والعلماء، والنهب والسلب والأسر، والتمثيل، والتعذيب النفسي والجسدي، والعدوان المادي والمعنوي بمختلف أشكاله إلى غير ذلك من المعالم كلها نجدها في هذه المأساة المروعة، ويعطي هذا الجانب زخماً روحياً ومعنوياً آخر لهذه القضية العظيمة.

ولذا لو عرضت قضية كربلاء على أي مجتمع إنساني، لما توقف للحظة في أنها اشتملت على كافة القضايا التي يندى لها جبين الإنسانية،فمن يتصور أن يقتل طفل رضيع على صدر والده وقد جاء به أبوه ليسقى قليلاً من الماء.

أو تلك الطفلة التي ينهب الرجل من أذنيها قرطيها وهو يبكي، فتقول لماذا تبكي؟

قال:كيف لا أبكي وأنا أسلب بنت رسول الله.

فقالت له:دعني، قال:أخاف يأخذه غيري.

لقد انتفت جميع صور الإنسانية من نفوس تلك الزمرة الظالمة، حينما أقدمت على ما أقدمت عليه.

هذا كله فضلاً عن الصور المروعة التي ينقلها لنا التاريخ،مما لاقه أهل البيت(ع)في الأسر،وأثناء المسير إلى الشام.

العزم على الشهادة:

قبل الحديث عن هذا البعد، أود أن أشير لأطروحة يتبناها بعضهم، ومفادها أن الإمام الحسين(ع)لم يكن عالماً بمصيره، وما كان على إطلاع ودراية بما سيؤول له هذا المصير، وإنما فوجىء بهذا المصير، بحيث آل أمره إلى مثل هذا بأن وجد نفسه فجأة أمام الجيش الأموي، ودارت رحى الحرب الطاحنة مما نجم عنه وقوعه شهيداً على أرض كربلاء المقدسة.

وهذه الأطروحة يتمسك بها البعض لتفسير وفلسفة النهضة الحسينية، ومحاولة إعطائها البعد الحقيقي.

لكننا نرفض هذه الأطروحة جملة وتفصيلاً، لأن كلمات الإمام الحسين(ع)الزاخرة بما يشير إلى أنه كان عالماً بمصيره وبما سيؤول له أمره،بل إن الشواهد التاريخية تمنعنا من قبول مثل هذه الطروحة،إذ لو لم يكن قصد الحسين(ع)وطلبه هو الشهادة،وأنه فوجىء بذلك لتراجع ليلة عاشوراء،أو صبحها،أو ظهرها،فهذا وأمثاله مما نعرض عن ذكره حذراً من الإطالة يكشف عن عدم صحة هذه الأطروحة.

والذي نعتقده وعندنا الدليل عليه والشواهد تساعده، أن أبا عبد الله(ع)كان خارجاً وغايته وطلبه هو الشهادة، بأن يرسم على أرض كربلاء الطهر صفحة ناصعة من الوقوف في وجه الطغيان والظلم، وإبراز الحق والدفاع عن المظلومين والمحرومين.

وتقديم درس يرسم على جبين الدهر، ويسطره التاريخ في أنصع صفحاته، في إظهار أجمل صور التضحية والعطاء والبذل والفداء.

وعلى أي حال، فمن الأبعاد المعنوية، العزم والتصميم على الشهادة والفداء والثبات والصمود عليها والاستعداد لها حتى لو تكررت هذه التجربة أكثر مرة، فبلغت ما بلغت من العدد، بالرغم من أن الظروف السياسية المنظورة كانت تنبئ بهذه النتائج، وأن هذه الحركة ليست بقادرة على الإطاحة بنظام يزيد.

فلاحظ الحديث الذي دار بينه وبين السيد أم سلمة(رض)حينما عزم على الخروج من المدينة، وقد أخبرته بحديث جده رسول الله(ص)وأنه يقتل في أرض بالعراق.

فأجابه(ع)بأنه يعلم بذلك، ويعلم في أي بقعة يقتل، ومن يقتل معه من أهل بيته.

وكذا لما تحدث إلى ابن عمه عبد الله بن جعفر، يوم خروجه من مكة، أشار إلى أنه يقتل شهيداً.

بل في ليلة عاشوراء، حدث أصحابه(ع)كل بما يجري عليه في يوم غد.

وعلى أي حال، فهذا الفهم لهذه الظروف كان واضحاً من تصريحات الإمام الحسين(ع)، ونصائح معاصريه، والنتائج التي انتهت إليها المعركة، بالرغم من السعي الحثيث والواسع الذي بذله الحسين(ع)للتمهيد لهذه الحركة، بهدف بقاء آثارها المعنوية.

فشهادة الحسين وأصحابه(ع)كانت مع التصميم على هذه الشهادة، وإرادتها عن حسن اختيار، وهذا يعطيها زخماً معنوياً عالياً، إذ إن كل شهادة تقترن بهذا التصميم والعزم يكون لها أثر روحي ومعنوي عظيم.

ابن الرسالة والرسول:

إن الشهيد هو ابن الرسالة الإسلامية، الذي تربى في أحضانها، فهو ابن بنت رسول الله(ص)والذي كان يوليه النبي(ص)عناية خاصة متعمدة ومقصودة بهدف إيجاد التأثير لهذه الواقعة في نفوس المسلمين، وقد كان الإمام الحسين وأخوه الإمام الحسن وأختهما السيدة زينب(ع)يمثلون الذرية الباقية لرسول الله(ص)إذ لم تكن له ذرية غيرها.

وهو في نفس الوقت ابن الإمام علي(ع)الذي كان له موقع خاص بين المسلمين جميعاً.

وكان إلى جانب الإمام الحسين(ع)أيضاً الذرية الطاهرة لأبيه وأخوته وأولاده وأخواته وأهل بيته، كل ذلك كان له تأثير كبير في إيجاد هذه الروح المعنوية العالية، وكذلك مجموعة صالحة ونخبة طيبة من الأصحاب والمخلصين المعروفين في المجتمع الإسلامي، كحبيب بن مظاهر الأسدي، ومسلم بن عوجة،وبرير بن حضير،قارئ الكوفة المشهور،وغيرهم،مما تشهد لهم الفتوحات الإسلامية كزهير ابن القين،وأضرابه.