21 سبتمبر,2018

أكل لحم الأرانب

اطبع المقالة اطبع المقالة

أكل لحم الأرانب

 

المشهور بين الأعلام البناء على حرمة تناول لحمه، وقد نص السيد المرتضى(ره) على أنه مما انفردت الإمامية به، بل قال في رسائله أنه لا خلاف بينهم في ذلك[1]. وعن الشيخ في الخلاف وابن زهرة في الغنية دعوى الإجماع عليه. نعم اختلفوا في منشأ البناء على حرمة أكل لحمه، إذ جعل بعضهم منشأ ذلك كونه من السباع كابن إدريس، والمقدس الأردبيلي(ره)، وقال آخرون أنه من المسوخ كما هو صريح الصدوق والمفيد(ره). وقال ثالث بأن منشأ حرمة أكل لحمه أنه نجس، كما نص على ذلك المرتضى(ره) في رسائله.

وبالجملة، لا خلاف بين الأعلام في حرمة تناول لحمه، وإنما الخلاف بينهم في أن ذلك يعود لكونه نجساً، ولا يجوز أكل النجس، نظير نجس العين، أو لأنه من السباع، أو المسوخ وقد عرفت في ما تقدم، المنع من تناول لحومها.

ويندفع التعجب من عدّ بعض الأعلام(ره) كما سمعت الأرنب ضمن السباع، بما ذكره الدميري في حياة الحيوان، من أنه يأكل اللحم[2].

 

وقد ذكر بعضهم أن الصينين اكتشفوا نوعاً من الأرانب تأكل اللحم، وأن لها عضة سامة مثل الأفاعي، وهي أصغر حجماً من الأرنب العادي، وتهاجم حيوانات أكبر منها بعشر مرات وتستخدم مخالبها وسمها المؤذي الذي يعوق الحيوان الذي يراد افتراسه، وهي خطيرة حتى على الإنسان.

ومن المعلوم أن مقتضى أصالة الحل هو البناء على حلية تناول لحمه، لما عرفت من أنه لا وجه لتخصيص الحلية في خصوص العناوين الخمسة أو الستة من الحيوانات البرية، وهي البقر، وكبش الجبل، والحمر الوحشية، والغزلان، واليحامير، والوعل. وهو إنما يكون محكماً ما لا يتم شيء من الأدلة الاجتهادية على حرمة تناول لحمه.

 

ولا يذهب عليك، أن الحديث عن حلية تناول لحمه وعدمها، فرع القول بطهارته، وعدم نجاسته، فلو بني على نجاسته كما هو مختار المفيد(ره) في المقنعة، كما حكى ذلك صاحب مفتاح الكرامة(قده)، والسيد المرتضى(ره) في المصباح وابن البراج، بل عن السيد ابن زهرة الإجماع على ذلك. لم يكن هناك موجب للحديث حول حلية تناول لحمه، لأنه سيكون حكمه كما سمعت نظير حكم نجس العين، فكما أنه لا يجوز تناول لحم نجس العين، فكذلك لن يجوز تناول لحمه.

 

وكيف ما كان، فإن النصوص على طائفتين:

الأولى: ما يستفاد منها المنع عن تناول لحمه، وهي أنواع:

منها: ما تضمن أنه من المسوخ، والاستدلال بها على المدعى يكون من خلال تشكيل قياس منطقي من الشكل الأول، كبراه، حرمة كل مسخ، وصغراه أن الأرنب، مسخ، فتكون النتيجة البناء على حرمة تناول لحمه.

ويظهر من السيد المرتضى(ره) في الانتصار أن عدّه من المسوخ من المسلمات عند الأعلام، قال(قده): إن المسوخ عند الإمامية هي الفيل والأرنب والدب والعقرب والضب والعنكبوت والجري والوطواط والقرد والخنـزير، ولا يزال مخالفوهم إذا سمعوا منهم ذكر هذه المسوخ التي ما اعتمدوا في أنها مسوخ إلا على الرواية تضاحكوا منهم واستهزؤا بهم ونسبوهم إلى الغفلة وبعد الفطنة[3].

 

وقد تقدم الحديث عن الكبرى، فيبقى الحديث في الصغرى، فمن النصوص الدالة على أنه مسخ، خبر محمد ابن الحسن الأشعري، عن أبي الحسن الرضا(ع) قال: الفيل مسخ، كان ملكاً زناء، والذئب مسخ، كان أعرابياً ديوثاً، والأرنب مسخ كانت امرأة تخون زوجها، ولا تغتسل من حيضها، والوطواط مسخ، كان يسرق تمور الناس، والقردة والخنازير قوم من بني إسرائيل، اعتدوا في السبت، والجريث والضب فرقة من بني إسرائيل، لم يؤمنوا حيث نزلت المائدة على عيسى بن مريم، فتاهوا، فوقعت فرقة في البحر، وفرقة في البر، والفأرة وهي الفويسقة، والعقرب كان نماماً، والدب والوزغ والزنبور كان لحاماً يسرق في الميزان[4]. ودلالته على كون الأرنب من المسوخ واضحة جداً، بل صريحة، فهو نص في المطلوب. نعم في سنده مشكلة، فإن راويه وهو محمد بن الحسن بن أبي خالد القمي الأشعري، والمعروف بشنبولة كما ذكر ذلك النجاشي(ره)، لم يوثق. نعم يظهر من بعض النصوص أنه من الشيعة، فقد روى عن أبي جعفر الثاني(ع)، قال: قلت لأبي جعفر الثاني(ع): جعلت فداك، إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله(ع)، وكانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم، فلم ترو عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا، فقال(ع): حدثوا بها، فإنها حق[5].

 

وكذا ما رواه أيضاً من أنه وقع بين رجلين من بني عمي منازعة في ميراث، فأشرت عليهما بالكتابة إليه في ذلك، ليصدر عن رأيه، فكتبا إليه جميعاً: جعلنا الله فداك ما تقول في امرأة تركت زوجها وابنتها وأختها لأبيها وأمها؟ وقلت: جعلت فداك إن رأيت أن تجيبنا بمر الحق فخرج إليهما كتاب، بسم الله الرحمن الرحيم، عافانا الله وإياكما أحسن عافية، فهمت كتابكما ذكرتما أن امرأة ماتت وتركت زوجها وابنتها وأختاً لأبيها وأمها، فالفريضة للزوج الربع، وما بقي فللأبنة[6].

وقد حكم الوحيد البهبهاني(قده) بوثاقته، لأن الظاهر من بعض الأخبار أنه وصي سعد بن سعد الأشعري، وهذا دليل على الاعتماد، والوثوق، وحسن الحال وظاهر العدالة.

وأجيب عنه، بأن أقصى ما يستفاد من الوصاية كونه معروفاً بالأمانة، وعدم الخيانة، ولا يدل ذلك على أنه ثقة في الرواية التي هي بمعنى عدم الكذب، ومن الواضح أن النسبة بينهما عموم من وجه[7].

 

نعم قد يحكم بوثاقته، لتوثيق العلامة(ره)، فقد ذكره في القسم الأول من الخلاصة، الذي جعله لخصوص الثقات. وهو يتم بناء على القبول بتوثيقات المتأخرين.

كما يمكن البناء على وثاقته، بلحاظ أن الراوي عنه هو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، وهو شيخ القميـين، وقد عرف عنه إخراجه لمن يروي عن الضعفاء من قم، فتكون روايته عنه شاهد على وثاقته.

ولا يخفى ما فيه، إذ أن أقصى ما يستفاد منه، أنه لا يروي عن الضعفاء. اللهم إلا أن يدعى أنه إذا كان أحمد يخرج الراويـين عن الضعفاء من قم، فمن باب أولى أن لا يروي هو عن الضعفاء، فيكون ذلك شاهداً على وثاقته، بل يمكن تقريب ذلك من وجه آخر، وهو كما ذكر في شأن إبراهيم بن هاشم، حيث ذكروا أن أحد موجبات توثيقه، أنه أول من نشر حديث الكوفيـين في قم، فكان تحديثه بينهم أمارة على وثاقته، وهذا بنفسه يجري في المقام، فإن الرواية عن محمد بن الحسن من قبل القميـين، بل من قبل شيخهم أمارة على وثاقته، وهو وجه حسن.

على أنه يمكن البناء على حسنه، فقد عرفت أنه شيعي، ولم يرد في حقه شيء من الذم والقدح، فيكون ذلك موجباً لدخول مروياته في الحسان، فتأمل.

 

وقد رواه الصدوق(ره) في العلل بسند ينتهي إلى محمد بن الحسن علان، لكنه يعاني مشكلة سندية أيضاً، لمجهولية راويه، وهو محمد بن الحسن.

ومنها: خبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(ع)، قال: المسوخ ثلاثة عشر: الفيل، والدب، والأرنب، والعقرب، والضب، والعنكبوت، والدعموص، والجري، والوطواط، والقرد، والخنـزير، والزهرة، وسهيل، قيل: يا ابن رسول الله(ص)، ما كان سبب مسخ هؤلاء؟ قال: أما الفيل فكان رجلاً جباراً لوطياً، لا يدع رطباً ولا يابساً، وأما الدب فكان رجلاً مؤنثاً يدعو الرجال إلى نفسه، وأما الأرنب فكانت امرأة قذرة، لا تغتسل من حيض ولا جنابة، ولا غير ذلك، وأما العقرب فكان رجلاً همازاً لا يسلم منه أحد، وأما الضب فكان رجلاً أعرابياً يسرق الدجاج بمحجنه، وأما العنكبوت فكانت امرأة سحرت زوجها، وأما الدعموص فكان رجلاً نماماً، يقطع بين الأحبة، وأما الجري فكان رجلاً ديوثاً، يجلب الرجال على حلائله، وأما الوطواط فكان رجلاً سارقاً سرق الرطب على رؤوس النخل، وأما القردة فاليهود اعتدوا في السبت، وأما الخنازير فالنصارى حين سألوا المائدة، فكانوا بعد نزولها أشد ما كانوا تكذيباً، وأما سهيل فكان رجلاً عشاراً باليمن، وأما الزهرة فكانت امرأة تسمى ناهيد، وهي التي يقول الناس: افتتن بها هاروت وماروت[8]. وهو كسابقه في الدلالة على كون الأرنب من المسوخ، إلا أنه ضعيف سنداً لوجود علي بن الحسين العلوي، فإنه مجهول.

 

وقد يعالج الخلل السندي، من خلال نظرية التعويض، فإن للشيخ(ره) طريقاً معتبراً لمسائل علي بن جعفر(رض)، يمر بواسطة الصدوق(قده)، لا يشتمل على العلوي، وهو كالتالي: أخبرنا بذلك جماعة، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن العمركي الخراساني البوفكي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى الكاظم(ع)[9]. نعم يتوقف ذلك على الجزم بعدم وجود مرويات لعلي بن جعفر(رض) عن الإمام الكاظم(ع)، خارج مسائله التي دونها عنه، وهو غير بعيد، وعليه لو بني على اعتبار السند، لم يكن بعيداً.

ومنها: خبر معتب، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عن علي بن أبي طالب(ع)، قال: سألت رسول الله(ص) عن المسوخ، فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث والضب، والوطواط، والدعموص، والعقرب، والعنكبوت، والأرنب، وسهيل، والزهرة. ثم ذكر أسباب مسخها[10]. ولا كلام في دلالتها على أن الأرنب من المسوخ، إلا أن سندها يشتمل على مجموعة من المجاهيل، مثل: مكي ابن أحمد بن سعدويه البردعي.

 

ومنها: خبر محمد بن سنان، فيما كتب إليه من جواب مسائله في العلل: وحرّم الأرنب لأنها بمنـزلة السنور، ولها مخاليب كمخاليب السنور وسباع الوحش، فجرت مجراها مع قذرها في نفسها، وما يكون منها من الدم، كما يكون من النساء[11]، لأنها مسخ[12]. ولا يختلف حالها عن حال سوابقها في الدلالة على أن الأرنب من المسوخ، إلا أن المشكلة فيها من حيث السند، فإن الراوي، وهو محمد بن سنان لم تثبت وثاقته، كما ذكرنا ذلك في ما تقدم.

ومضافاً إلى ضعف أغلب النصوص المذكورة، فإن أكثرها لم ينقل في المصادر الأولية للطائفة، أعني الكتب الأربعة، وإنما جاءت في مثل الخصال، والعلل، وعيون أخبار الرضا، وهذا لو لم يكن كاشفاً عن إعراض منهم(ره) عنها، فلا أقل أنه يمثل شاهداً سلبياً على حجيتها.

وقد ذكر المحدث النوري(ره) كلام الصدوق(ره) في المقنع[13]. ولعل منشأ ذلك ما يحكى عن السيد البروجردي(ره)، أنه عبارة عن متون نصوص قد حذفت أسنادها.

 

وعليه، فإن بني على اعتبار النصين الأولين سنداً، أو لا أقل اعتبار أحدهما، بني على أن الأرنب من المسوخ، ويتم القياس المنطقي في شكله الأول، للاستدلال به على حرمة تناول أكل لحمه، وإلا لن يبنى على الحرمة، لعدم ثبوت الصغرى، حال البناء على عدم اعتبار شيء من النصوص سنداً.

ولا مجال لأن يقال، بجبر ضعفها بعمل المشهور، فإن الكبرى وإن كانت تامة، إلا أن المشكلة في الصغرى، ذلك أنه لم يحرز أن منشأ فتوى الأعلام، يرجع لبنائهم على كونه من المسوخ.

 

ومنها: ما تضمن أن الأرانب بمنـزلة السباع، وسوف يكون الاستدلال بها عين الاستدلال بنصوص النوع الأول، إذ سوف يقرر أنه بعد الفراغ من كبرى حرمة أكل السباع، سيكون الأرنب من صغرياتها، أما لو بني على عدم تمامية الكبرى، لأنه بعد حصول المعارضة بين النصوص، وعدم وجوب ما يوجب المرجحية لأحداهما على الأخرى، سوف يتساقطان، ليكون المرجع إلى أصالة الحل، وهي تقضي بحلية أكل لحوم السباع، فلن تكون النصوص محل البحث تامة الدلالة على المطلوب.

 

وعلى أي حال، فمن نصوص هذا النوع، ما رواه محمد بن سنان عن أبي الحسن الرضا(ع) فيما كتب إليه من جواب مسائله في العلل: وحرّم الأرنب لأنها بمنـزلة السنور، ولها مخاليب كمخاليب السنور وسباع الوحش، فجرت مجراها مع قذرها في نفسها، وما يكون منها من الدم، كما يكون من النساء، لأنها مسخ[14]. فإن مقتضى تشبهيها بالسنور أنها من السباع، وقد نص الخبر على أن منشأ تحريمها يعود لكونها بمنـزلة السنور، فيكون ناظراً لجنبة السبعية فيها. نعم قد عرفت أن المانع من الاستناد إليها الخدشة في سندها بوجود محمد بن سنان فيه. على أنه يمكن دعوى وجود مانع آخر، وهو عدم ذكرها في شيء من المصادر الأصلية للطائفة أعني الكتب الأربعة الكاشف عن نحو إعراض منهم عنها. وهذا لو لم يكن مانعاً من الحجية، فلا أقل من أنه يمثل شاهداً سلبياً في هذا الجانب.

 

وبالجملة، إن هذا النوع من النصوص، ينحصر في خصوص هذا الخبر، ولا يوجد نصوص أخرى غيره، وقد عرفت حاله، فلا يمكن البناء على إفادته للمطلوب. على أنه يمكن القول بأنه لو تم الخبر المذكور سنداً، فإنه أخص من المدعى، لأنه ناظر إلى نوع خاص من الأرانب، كما عرفت الإشارة لذلك في ما تقدم.

وقد يجعل من أنواع هذه الطائفة النصوص التي تضمنت المنع من الصلاة في وبر الأرانب، على أساس أن كل ما لا تجوز الصلاة في جلده ووبره، فهو غير مأكول اللحم. فيثبت أن الأرنب غير مأكول اللحم لوجود النص على النهي من الصلاة في شيء من جلده ووبره. فعن علي بن مهزيار، قال: كتب إليه إبراهيم بن عقبة: عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الأرانب فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة ولا تقية؟ فكتب(ع): لا تجوز الصلاة فيها[15]. وهو واضح الدلالة في المنع من الصلاة فيه، والنهي إرشاد إلى الفساد.

 

نعم إنما يتم الاستدلال المذكور بناء على تمامية موثقة عبد الله بن بكير الدالة على المنع من الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه، وقد عرفت في كتاب الصلاة الحديث حولها، فلا نعيد. على أنه لو رفعت اليد عن ذلك، فإنه معارض بمكاتبة محمد بن عبد الجبار، قال: كتبت إلى أبي محمد(ع) أسأله هل يصلى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكة حرير محض أو تكة من وبر الأرانب؟ فكتب: لا تحل الصلاة في الحرير المحض وإن كان الوبر ذكياً حلت الصلاة فيه، إن شاء الله[16]. وتفصيل ذلك يوكل إلى كتاب الصلاة.

وربما تمسك بعضهم للقول بالحرمة بالنصوص الدالة على حرمة تناول الحشرات، بناء على تعريفها بأنها ما يأوي ثقوب الأرض، ولما كان الأرنب كذلك، فيكون مشمولاً لما دل على حرمة تناولها.

 

وللإنصاف، أنني لم أقف على من عبر عنه بأنه من الحشرات، بل قد خلت كلمات الأعلام من الإشارة لكون منشا تحريمه كونه كذلك، وإنما تضمنت أن تحريمه يعود إما لكونه نجس، أو لكونه مسخاً، أو لكونه من السباع، فتأمل.

 

الطائفة الثانية: النصوص التي يظهر منها حلية أكل لحمه:

منها: معتبرة حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله(ع) قال: كان رسول الله(ص) عزوف النفس، وكان يكره الشيء، ولا يحرمه، فأتي بالأرنب فكرهها، ولم يحرمها[17]. والكراهة وإن لم تكن في النصوص بمعنى الكراهة المصطلحة، بل هي بمعنى المبغوضية والحزازة من الشيء، إلا أن الظاهر وجود قرينة في المقام تساعد على كون المقصود منها عدم الرغبة في التناول، لا المبغوضية الكاشفة عن وجود مانع من تناولها، وهو قوله(ع): كان عزوف النفس، الذي هو بمعنى عدم الرغبة والانصراف عن الشيء. وقوله(ع): ولم يحرمها.

 

ومنها: خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله(ع)، قال: كان يكره أن يؤكل من الدواب لحم الأرنب والضب والخيل والبغال، وليس بحرام كتحريم الميتة والدم، ولحم الخنزير[18]. وليس واضح الدلالة على المدعى لما سمعت قبل قليل من أن الكراهة في النصوص لا تحمل على الكراهة المصطلحة، بل هي بمعنى المبغوضية، وهذا يشير إلى وجود حزازة في النفس في تناوله، فإن وجدت قرينة دعت للتصرف في هذا الظهور، وإلا بقي على حاله، وليس في البين قرينة تساعد على ذلك. على أنه لو سلم بتماميته دلالة، إلا أنه ضعيف سنداً، لاشتماله على علي والظاهر أنه بن حمزة البطائني، لأنه راوية أبي بصير وقائده.

وقد منع الشيخ(ره) دلالة هذه الطائفة على حلية تناول لحمه، فذكر بأن المقصود منها هو الحرمة، وهي من المفاهيم المشككة، فليست الحرمة المستفادة من القرآن الكريم، كالحرمة المستفادة من النبي(ص)، ولذا عبر عن التحريم الوارد في القرآن الكريم بالتحريم، وعبر عن التحريم الصادر من النبي(ص) بالكراهة، لبيان الفرق بينهما في القوة والضعف[19].

 

وقد استبعده الشهيد الثاني(ره)، ولم يقبل به[20]. ومثله قال العلامة المجلسي(ره)، بل عدّه في غاية البعد[21].

وسلم بتمامية دلالة نصوص هذه الطائفة على حلية الأكل للحم الأرانب، الشهيد الثاني(ره)، ولذا عمد للجمع العرفي بينها وبين نصوص الطائفة الأولى، وذلك بحمل نصوص الطائفة الأولى الظاهرة في التحريم والمنع على الكراهة، بقرينة نصوص هذه الطائفة. وقد منعه من الافتاء بذلك، أن عمل الأصحاب على التحريم[22].

 

وبعيداً عما دعاه للقول بالحرمة، وهي فتوى الأعلام، فإن الجمع المذكور ليس عرفياً، وذلك لأن بعض النصوص المتقدمة في الطائفة الأولى نص في التحريم، وقد ورد فيها التعبير بلفظة: حرم، وهذا مانع من التصرف مدلوله بحمله على الكراهة.

ثم إنه لو رفعت اليد عما ذكر من عدم كون الجمع المذكور عرفياً، فإنه قد يقال-كما عن بعض الأعاظم(ره)-بأن الجمع بين المتعارضين بالحمل على الاستحباب والكراهة، يختص بالأحكام المولوية التكليفية، فلا يجري في غيرها، وإن كان المقرر في محله عدم تمامية المبنى المذكور.

ومع عدم القبول بالجمع العرفي المذكور، فلا مناص عن استقرار المعارضة، ولذا عمد غير واحد من الأعلام، كالشيخ المجلسي، وصاحب الوسائل، وصاحب الجواهر(ره) على ترجيح نصوص الطائفة الأولى لمخالفتها للجمهور، وموافقة نصوص الطائفة الثانية لهم[23]. فإن المحكي أن المعروف من مذهبهم القول بحلية أكل لحمه إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى. نعم نسب في الخلاف القول بحلية أكله إلى الشافعي فقط، وهذا مانع من حمل النصوص على التقية، لكونه متأخراً زماناً عن الإمام الصادق(ع)، كما لا يخفى.

 

وعلى أي حال، فإن ثبت أن فتوى علماء الجمهور على القول بحلية تناوله، كان ذلك موجباً لحمل نصوص الطائفة الثانية على التقية. إلا أن ذلك لا يوجب سقوطها عن الاعتبار، إلا بناء على القول بأن أول المرجحات مخالفة الجمهور، أما لو بني على أن أول المرجحات موافقة الكتاب، فلا ريب أن ذلك يستوجب تقديم نصوص الطائفة الثانية، ورفع اليد عن نصوص الطائفة الأولى.

 

وإن منع من وجود مرجح كتابي في البين، وبني على الاختلاف عند علماء الجمهور، ووصلت النوبة للترجيح بالشهرة بناء على أن المقصود منها في المقبولة، الشهرة الفتوائية، فسوف يكون الترجيح لنصوص الطائفة الأولى، فإن المشهور على المنع من تناوله، ولم يعرف قائل بين أعلامنا(رض) بحلية تناوله، نعم لو كانت الشهرة فيها هي الشهرة الروائية، فلا مرجح لإحدى الطائفتين على الأخرى، وتصل النوبة للتساقط، ثم البناء على مقتضى الأصل العملي.

 

 

______________________________________________________________

 

 

[1] رسائل الشريف المرتضى ج 1 ص 293 مسألة 42 من مسائل جوابات المبافارقيات.

[2] حياة الحيوان الكبرى مادة أرنب ص 32.

[3] الانتصار ص 400.

[4] وسائل الشيعة ج 24 ب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 7 ص 106.

[5] الكافي ج 1 باب رواية الكتب والحديث ح 15.

[6] الكافي ج 7 باب ميراث الأخوة والأخوات مع الولد ح 1 ص 99-100.

[7] معجم رجال الحديث ج 16 ص 217.

[8] وسائل الشيعة ج 24 ب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 14 ص 110.

[9] الفهرست باب العين، باب علي رقم 377 ص 151.

[10] وسائل الشيعة ج 24 ب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 13 ص 109-110.

[11] تضمنت الكتب العلمية أن الدورة الشهرية تختص بالإنسان والقرد ولا تحصل في شيء من الثديات الأخرى، وإنما الذي يحصل فيها يسمى بـ(الاستروس)، وتعرف بالدورة النـزوية، وتبدأ بعد البلوغ في الإناث البالغة جنسياً، وتستمر حتى الموت، ولعل منشأ التعبير في النص بما سمعت لمقاربة الصادر منها من الصادر من النساء.

[12] وسائل الشيعة ج 24 ب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 11 ص 109.

[13] مستدرك الوسائل ج 16 ب 2 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 5 ص 170.

[14] وسائل الشيعة ج 24 ب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 11 ص 109.

[15] وسائل الشيعة ج 4 ب 7 من أبواب لباس المصلي ح 3 ص 356.

[16] وسائل الشيعة ج 4 ب 14 من أبواب لباس المصلي ح 4 ص 377.

[17] وسائل الشيعة ج 24 ب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 21 ص 112.

[18] وسائل الشيعة ج 24 ب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 20 ص 112.

[19] التهذيب ج 9 ذيل الحديث 176 ص 42.

[20] مسالك الأفهام ج 12 ص 37.

[21] ملاذ الأخيار ج 14 ص 202.

[22] مسالك الأفهام ج 12 ص 37.

[23] ملاذ الأخيار ج 12 ص 202، وسائل الشيعة ج 24 ب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة ذيل الحديث 20 ص 112، جواهر الكلام ج 36 ص 296.