15 نوفمبر,2018

أدلة ضعف الصحيحين (2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

الدليل الثاني: البخاري ومسلم والطائفية المفرطة:

من الأسباب التي تدعو إلى عدم الوثوق والاعتماد على الصحيحين، وعدم اعتبار صحة جميع ما ورد فيهما، هو التطرف الطائفي المفرط، والتعصب الشديد لدى مؤلفيهما، وتعنـتهما تجاه الحق، وكان هذا التطرف قد اعترى البخاري أشدّ وأكثر من مسلم.

إذ لا يخفى على أحد أن هذا التعصب الطائفي موجب لجعل غشاوة على العين تمنعها عن رؤية الحقائق، ويصم الآذان عن سماعها، كما أنه يسوق صاحبه إلى التعتيم على الحق وتغطيته، وتزويره للواقع، وتزيـيفه للباطل بلباس الحق.

وقد أبتلي البخاري ومسلم بهذه الخصيصة الرذيلة ابتلاءاً شديداً. ويشهد لذلك عدة نماذج من كتابيهما:

الصحيحان وفضائل أمير المؤمنين:

يتضح صدق ما ذكرناه من ابتلاء مؤلفي الصحيحين بالطائفية، عندما تقرأ الكتابين لماّ يواجهان فضيلة مشهورة لأمير المؤمنين(ع) ومنقبة مهمة من مناقبه، وفيها دلالة صريحة على أفضليته لأمر الخلافة، وتقدمه على الآخرين، فإنهما يـبادران إلى تعتيمها، مع أن هذه الفضائل قد ورد ذكرها في الصحاح والمدارك المعتبرة لدى أهل السنة، وهي من يقينيات الحوادث التاريخية ومسلماتها، ومما أجمع عليه علماء الفريقين، مثل: حديث الغدير، وآية التطهير، وحديث الطائر المشوي، وحديث سدّ الأبواب، وحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها.

فهذا مسلم عندما يخرج حديث الغدير وآية التطهير، نراه يخرجه محرفاً، لا سيما عند ذكره لواقعة الغدير، فإنه اكتفى بتخريج مدلس ومحرف.

ويدل على فعله البشع في تحريف ما هو الحقيقة، وتعتيمه على الواقع، انتخابه للقصة على عكس الكيفية المسلمة الواردة في مئات الأحاديث التي رويت بشأن الغدير.

وبالجملة، فالبخاري لم يرض بنقل هذه المناقب المسلمة واليقينة، ويخصص لها باباً خاصاً في صحيحه فحسب، بل أفرد باباً خاصاً في فضائل معاوية، وحيث إنه لم يعثر على منقبة لمعاوية رويت على لسان رسول الله(ص) حقاً، يروي حديثين عن حبر الأمة ابن عباس جاء في أولاهما أنه مدح معاوية لصحبته لرسول الله(ص)، وجاء في ثانيهما مدحاً لمعاوية بكونه فقيهاًً وعالماً[o1] .

والعجب كل العجب، ممن يريد أن يصنف كتاباً جامعاً يلمّ فيه بما ورد من أحاديث رسول الله(ص)، ويكتب تفسيراً للقرآن، ويؤلف كتاباً في التاريخ، ولا يدع مدحاً ولا ثناءاً من صحابي بحق صحابي آخر(معاوية) إلا أورده فيها، وذلك أداءاً للأمانة، كيف تسمح له نفسه بالإغماض عن واقعة ذات أهمية تاريخية كحديث الغدير، أو حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها.

ولا يخفى أنه ليس لهذا التغاضي والتجاهل من قبل البخاري سبب إلا التعتيم على مناقب أمير المؤمنين(ع)، والسعي لإخفاء الحقائق الواقعية.

ولا يخفى أيضاً أن هدف البخاري ومسلم كاتبي الصحيحين الذين أرادا بطريقتها هذه التدوين، هو إخفاء المسائل التاريخية المهمة حتى لا يعرف من يأتي بعدهما شيئاً عن تلك الحقائق، ولم يدرَ من هو الأولى من الصحابة بالتصدي للخلافة، وهل أن الرسول الأكرم(ص) نص بالخلافة من بعده لأحد أم لا؟…

والجدير بالذكر أنهما قد نجحا في غايتهما هذه إلى حدٍ ما، وكسبا النتيجة المتوخاة، وخاصة عندما نقرأ ما أورده ابن تيمية في رده لحديث الغدير: وأما قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، فليس هو في الصحاح، لكن هو مما رواه العلماء وتنازع الناس في صحته[o2] .

افتراء مسلم على الشيعة:

ومن ثمار شجرة العصبية الخبيثة المرة، ومن آثارها المخزية، ما أورده مسلم في مقدمة صحيحه من البهتان والافتراء على الشيعة، فهو عندما يتطرق إلى الأحاديث الموضوعة والمخالفة للواقع، يقول بكل صلافة: إن من الأحاديث الموضوعة ما ترويه الشيعة الرافضة عن الإمام علي(ع): أن علياً في السحاب.

أقول: إن الشيعة هم الأسبق في تدوين الحديث، حيث أن أحاديثهم قد دونت في عهد رسول الله(ص)، وعقائدهم قد ملأت كتبهم الكلامية بنحو وافٍ وكافٍ، وإن المكتبات لمعمورة بكتبهم، فهل ترى في كتاب واحد مثلاً يدل على ما بهته مسلم على الشيعة؟! ألم تكن عقيدة الشيعة ومحدثيهم ومؤرخيهم بأن الإمام أمير المؤمنين(ع) قد قتل في محراب مسجد الكوفة بسيف أشقى الناس ابن ملجم ودفن في الغري؟!

وليت مسلم لم يـبتر الحديث، وينقله بأكمله ليرى هل أن البهتان الذي رمى به الشيعة كما أراده هو أو لا.

ورد في المصادر التاريخية أن النبي(ص) كانت عنده عمامة تسمى السحاب، فوهبها يوم غدير خم لعلي(ع) كرامة له، فكان ربما طلع عليه علي(ع) بتلك العمامة فيقول(ص) وهو فرح: أتاكم علي في السحاب. وسعد شيعة علي(ع) بتلك المفخرة وكانوا يرددون قول النبي(ص) جاء علي في السحاب[o3] .

إلا أن مسلم أعرض عن ذكر أصل الحديث وأبى عن سرد القصة الحقيقية، واكتفى بذكر حديث موضوع على النحو الذي ذكرناه ونسبه إلى الشيعة!!.

بين البخاري والإمام الصادق:

وتعرف مقدار العصبية الطائفية التي كانت عند البخاري عندما تـتمعن في الحقائق التاريخية والاجتماعية، وتدرس شخصية كل من البخاري والإمام الصادق(ع)، إذ:

1-أن عهد البخاري كان يقارب عهد الإمام الصادق(ع)، وإنه قد توفي بعد الإمام بقرن واحد، لأن الإمام الصادق(ع) توفي سنة 148 هـ، وتوفي البخاري سنة 256 هـ.

2-كانت المدينة المنورة مركزاً لتدريس الإمام الصادق(ع) وقد استوطنها البخاري مدة ست سنوات يأخذ من علمائها الحديث، وقد تكررت رحلاته إلى مركز التشيع يومذاك، بغداد والكوفة، بحيث نسي عددها لكثرتها، وكانت الحجاز والعراق في ذاك العصر غاصتان بأصحاب الإمام الصادق(ع) بحيث يصعب إحصاءهم، وكان صيت الإمام الصادق(ع) وشهرته قد فاقت أرجاء العالم الإسلامي يومذاك حتى أن علماء أهل السنة في ذاك العهد قد سمعوا بها، ولم يكن بوسع أحدٍ يدعي الفقاهة والرواية أن يقول أنه لم يسمع عن مقام الإمام العلمي.

3-إن البخاري خرّج أحاديث عمن أخذوا العلم عن الإمام الصادق(ع) مثل عبد الوهاب الثقفي، حاتم بن إسماعيل، مالك بن أنس، ووهب بن منبه، وهؤلاء هم من مشايخ البخاري في الحديث، ولكن البخاري أبى أن يروي تلك الأحاديث التي رواها هؤلاء المشايخ عن الإمام الصادق(ع)!!.

تبرير ابن تيمية:

وقد برر ابن تيمية إعراض البخاري عن الرواية عن الإمام الصادق(ع) مع أنه كان معاصراً إليه، فقال: وقد استراب البخاري في بعض حديثه-الإمام جعفر بن محمد الصادق-لما بلغه عن يحيى بن سعيد القطان فيه كلام[o4] .

ولا يخفى أنه لو كان الإمام الصادق(ع) رجلاً مجهولاًً في فضله وتقواه وعلمه، أو أن البخاري الذي كان عليماً بالرجال وتراجمهم فرداً غير مطلع وجاهل لكان لتبرير ابن تيمية وجه، وكنا نعذر البخاري في عمله هذا، ولم نعتبره إنساناً متعصباً ومتطرفاًً تجاه أهل البيت(ع). ولكن الحقائق والواقع ينفيان كل هذه الاحتمالات والتبريرات ويثبتان تعصب البخاري وتطرفه الطائفي الشديد تجاه الإمام الصادق.

والحال أن شخصية أبي عبد الله الصادق(ع) لم تكن دانية وضعيفة في مرتبتها حتى تضمحل وتـتهاوى بمجرد قول أحد أو جرح آخر إياه، وتسقط قيمتها العلمية والمعنوية بأدنى كتمان.

ومن جهة أخرى إن البخاري كان ذا مهارة تامة، وإطلاع كافٍ، ومتخصصاً في فن الرجال! ووضع كتابه التاريخ لمعرفة الرجال والرواة، كما قال هو: قلّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا إني كرهت تطويل الكتاب.

وبناءاً على ما ذكرنا فهل يمكن أن يكون هناك سبب آخر غير عناد البخاري وعداوته للإمام الصادق(ع)؟ حيث إنه لم ينقل عنه حديثاً واحداً. وهل يمكن تفسير إعراضه عن أهل البيت(ع) سوى منابذته وخصومته لهم(ع)؟

عداء عريق وظاهر:

هذا ومما يجده القارئ لكتابي البخاري ومسلم، وهي في نفس الوقت تكشف عن مدى العصبية الموجودة لديهما، ومقدار نصبهما العداوة لآل البيت(ع)، ويتضح منه أن التبرير الذي صدر من ابن تيمية عن تصرف البخاري وموقفه تجاه أهل البيت(ع)، لم يكن في محله.

حيث يجد المراجع أن البخاري ومسلم، اللذين خرجا في صحيحهما عن أكثر من ألفين وأربعمائة راوٍ، وأن كثيراً من هؤلاء الرواة كانوا نواصب وخصماء أهل البيت(ع)، أو أنهم مجهولون، لم ترض نفسيهما أن يخرجا ولو حديثاً واحداً عن عترة النبي(ص).

ولو نقلا عنهم حديثاً لم يأتيا إلا بحديث مكذوب.

نعم قد خرجا رواية واحدة مختلقة ومزورة نسباها إلى الإمام زين العابدين(ع) على أنه قال: إن أمير المؤمنين وفاطمة(ع) لم يكونا يستيقظان للصلاة، وكان النبي يوقظهما! فقال علي لرسول الله(ص) شيئاً فأجابه النبي بآية:- (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) تقريعاً لعلي.

وكذا نسبا حديثاً مزوراً ذكرا فيه قصة شرب حمزة للخمر وتعاطيه إياه.

ويبدو أن البخاري ومسلم لم يجدا أحاديث نقلت عن آل الرسول(ع) غير هذين الحديثين، لكي يخرجاها في صحيحيهما، وكأنما لم ينقل عنهم أي مسألة علمية وشرعية، إلا ما نقله البخاري ومسلم من أن أخا الرسول(ص) الإمام أمير المؤمنين(ع) وبضعته الطاهرة(ع) ما كانوا يستيقظون لصلاة الفجر،وأن هارون هذه الأمة، وأبا شبر وشبير، وباب مدينة علم النبي(ص) كان أكثر جدلاً، وأن سيد الشهداء وأسد الله وأسد الرسول(ص) الذي كبر الرسول على جنازته سبعين تكبيرة كان يأكل الميتة ويعاقر الخمر ويسامر الراقصات!!!.

——————————————————————————–

[o1]البخاري ج 5 ص 35، كتاب الفضائل، أصحاب النبي(ص)، ذكر معاوية.

[o2]منهاج السنة ج 7 ص 319.

[o3]سيرة الحلبي ج 3 ص 341. ولا بأس لمراجعة تفصيل القصة كاملة، بمراجعة كتاب العلامة الأميني وموسوعته الغدير ج 1 ص 292.

[o4]منهاج السنة ج 7 ص 534.