18 يناير,2019

آية المباهلة

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى:- (فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين)[1].

هذه إحدى الآيات التي يستدل بها الشيعة الإمامية أعلى كلمتهم وأنار برهانهم، على عدة أمور،كأفضلية أهل البيت،وأحقيتهم بالخلافة،فضلاً عن عصمتهم.

وحتى نستطيع معرفة ذلك يلزم منا أن نبحث الآية الشريفة بقدر المستطاع من خلال عدة نواحي،فنـتعرض لبيان سبب نزولها،ثم نشير إلى مفادها،وكيفية دلالتها على عصمة أهل البيت،وإمامتهم وخلافتهم لرسول الله(ص).

سبب نزول الآية:

تبدأ القضية حينما كتب النبي(ص)كتاباً إلى أسقف نجران المدعو بأبي حارثة،يدعو أهلها فيه إلى الإسلام يوم كتب كتباً إلى ملوك العالم.

ولما وصل الكتاب قرأه الأسقف بعناية ودقة متناهية،ثم شكّل مجموعة للمشاورة وتداول الأمر واتخاذ القرار،وتكونت مجموعة المشاورة من الشخصيات البارزة الدينية وغير الدينية.

وقرر المتشاورون أن يـبعثوا وفداً إلى المدينة للتباحث مع رسول الله(ص)،ودراسة دلائل نبوته،فأختير لهذه المهمة ستون شخصاً من أعلم أهل نجران وأعقلهم،وكان على رأسهم ثلاثة أشخاص من اساقفتهم هم:

1-أبو حارثة بن علقمة،اسقف نجران الأعظم والممثل الرسمي للكنائس الرومية في الحجاز.

2-عبد المسيح،رئيس وفد نجران المعروف بعقله ودهائه،وتدبيره.

3-الأيهم،وكان من ذوي السن ومن الشخصيات المحترمة عند أهل نجران.

قدم هذا الوفد المسيحي المدينة ودخلوا المسجد على رسول الله(ص)وهم يلبسون أزياءهم الكنسية ويرتدون الديـباج والحرير،ويلبسون خواتيم الذهب ويحملون الصلبان في أعناقهم،فأزعج منظرهم هذا وخاصة في المسجد رسول الله(ص)فشعروا بإنزعاج النبي لكنهم لم يعرفوا سبب ذلك،فسألوا عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانت بينهم صداقة قديمة،فقال الرجلان لعلي بن أبي طالب:ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟…

قال:أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم،ثم يعودون إليه.

ففعلوا ذلك ثم دخلوا على النبي(ص)فسلموا عليه فرد عليه السلام،واحترمهم وقبل بعض هداياهم التي أهدوها إليه(ص)،ثم إن الوفد قبل أن يـبدأوا مفاوضاتهم مع النبي(ص)قالوا:إن وقت صلاتهم قد حان،واستأذنوه في أدائها،فأراد الناس منعهم،لكن رسول الله(ص)أذن لهم،وقال للمسلمين:دعوهم فاستقبلوا المشرق،فصلوا صلاتهم.

مفاوضات نصارى نجران مع النبي(ص):

هذا وقد تعرضت مصادر تاريخية عديدة لنقل نص الحوار الذي دار بين وفد نجران وبين النبي(ص)،لكن نقله هنا لا يهمنا،بل ما يهمنا هو الإشارة للحدث بصورة إجمالية،كبيان لسبب نـزول الآية الشريفة.

عرض رسول الله(ص)على وفد نجران وتلا عليهم القرآن،فامتنعوا،وقالوا:قد كنا مسلمين قبلك.

فقال رسول الله(ص):كذبتم،يمنعكم من الإسلام ثلاث:عبادتكم الصليب،وأكلكم لحم الخنـزير،وزعمكم أن لله ولداً.

فقالوا:المسيح هو الله لأنه أحيا الموتى،وأخبر عن الغيوب،وأبرأ من الأدواء كلها،وخلق من الطين طيراً.

فقال النبي(ص):هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم.

فقال أحدهم:المسيح ابن الله لأنه لا أب له.

فسكت رسول الله(ص)عنهم فنـزل الوحي بقوله تعالى:- (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب)[2].

فقال وفد نجران:إنا لا نزداد منك في أمر صاحبنا إلا تبايناً،وهذا الأمر الذي لا نقره لك،فهلم فلنلاعنك أينا أولى بالحق فنجعل لعنة الله على الكاذبين[3].

نعم في بحار الأنوار،وكما لعله ظاهر الآية يفيد أن النبي(ص)هو الذي اقترح المباهلة ابتداء،فأنزل الله تعالى آية المباهلة على رسول الله(ص)،فدعاهم النبي الأكرم(ص)إلى المباهلة فقبلوا،واتفق الطرفان على أن يقوما بالمباهلة في اليوم اللاحق.

خروج النبي للمباهلة:

وقد اتفق الطرفان على إجراء المباهلة في خارج المدينة في الصحراء،فاختار سول الله(ص)من عشيرته وأهله ومن المسلمين أربعة أشخاص فقط،وقد اشترك هؤلاء في هذه المباهلة دون غيرهم،وهؤلاء الأربعة هم علي بن أبي طالب،وفاطمة بنت محمد،والحسن والحسين،لأنه لم يكن بين المسلمين من هو أطهر من هؤلاء نفوساً،ولا أقوى وأعمق إيماناً.

وقد طوى رسول الله(ص)المسافة بين منـزله،وبين المنطقة التي تقرر التباهل فيها على هيئة خاصة مثيرة،وقد اختلفت النقولات هنا،لكن هذا الإختلاف ليس جوهرياً في أصل المطلب،وليس له أدنى تأثير في المقام.

وعلى أي حال،فقد خرج محتضناً الحسين،آخذاً بيد الحسن،وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها،وهو يقول:إذا دعوت فأمنوا.

كان زعماء نجران ورؤساؤهم قد قال بعضهم قبل أن يغدو رسول الله(ص)إلى المباهلة:انظروا محمداً في غدٍ،فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته،وإن غدا بأصحابه فباهلوه،فإنه ليس على شيء.

وفيما كان رجال الوفد يتحادثون في هذه الأمور،إذ طلع رسول الله(ص)والأغصان الأربعة من شجرته المباركة بوجوه روحانية نيرة،فأخذ ينظر بعضهم إلى بعض بتعجب ودهشة،كيف خرج رسول الله(ص)بإبنـته الوحيدة،وأفلاذ كبده وكبدها المعصومين للمباهلة.

فقال أسقف نجران:يا معشر النصارى،إني لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها،فلا تباهلوا فتهلكوا،ولا يـبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

ثم قال النبي(ص):أما والذي نفسي بيده لقد تدلى العذاب على أهل نجران،ولو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير ولأضرم الوادي عليه ناراً ولأستأصل الله تعالى نجران وأهله.

وورد عن عائشة:أن رسول الله(ص)خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله،ثم فاطمة،ثم علي،ثم قال:- (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).

هذا هو سبب نزول الآية الشريفة،والظروف التي نزلت فيها.

——————————————————————————–

[1] سورة آل عمران الآية رقم 61.

[2] سورة آل عمران الآية رقم 59.

[3] السيرة الحلبية ج 3 ص 239.