12 أغسطس,2020

المذهب الجعفري: نشأته وعوامل انتشاره

اطبع المقالة اطبع المقالة

روى أبو أسامة زيد الشحام بسند صحيح عن الإمام أبي عبد الصادق(ع)في وصيته لأصحابه،قال:اقرأ من ترى أنه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام وأوصيكم بتقوى الله عز وجل والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الأمانة وطول السجود وحسن الجوار فبهذا جاء محمد(ص)،أدوا الأمانة إلى من ائـتمنكم عليها براً وفاجراً،فإن رسول الله(ص)كان يأمر بأداء الخيط والمخيط صلوا عشائركم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل:هذا جعفري فيسرني ذلك،ويدخل عليّ منه السرور،وقيل هذا أدب جعفر،وإذا كان على غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره،وقيل:هذا أدب جعفر،فوالله لحدثني أبي(ع)أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي(ع)فيكون زينها آداهم للأمانة وأقضاهم للحقوق وأصدقهم للحديث،إليه وصاياهم وودائعهم،تسأل العشيرة عنه فتقول:من مثل فلان إنه لآدانا للأمانة وأصدقنا للحديث[1].

مدخل:

إن الذي تعتقده الشيعة الإمامية أن مذهب أهل البيت(ع)نشأ في عصر النبي الأكرم محمد(ص)وأن أول من وضع بذرته وغرسها وقام برعايتها والمحافظة عليها هو النبي(ص).

وكان ذلك من خلال النصوص التي كانت تصدر عنه وتشير إلى لزوم متابعة أمير المؤمنين(ع)وأن الملازمين له هم الفائزون يوم القيامة، وأنه هو وأصحابه خير البرية،وأنهم الوارد ون عليه الحوض وغير ذلك من النصوص.

وفي مقابل هذه الرأي توجد عدة أراء لغير واحد من الكتاب، نشير إلى بعضها بنحو موجز،فقيل أن التشيع نشأ يوم توفي رسول الله(ص)وبالتحديد لما احتمى مجموعة من الصحابة ببيت أمير المؤمنين،وقد رفضوا البيعة،وقال آخر بأنه نشأ يوم قام المسلمون على عثمان،وهجموا عليه داره وقتلوه،وقال ثالث بأن نشأته كانت يوم خلافة أمير المؤمنين(ع)وذكر آخر أنه نشأ في يوم عاشوراء،أو بعد شهادة الإمام الحسين(ع).

ومن الواضح بطلان جميع هذه الآراء،إذ أن الشواهد التاريخية تكذبها،فضلاً عن النصوص القرآنية المشيرة إلى أمير المؤمنين(ع)والأحاديث النبوية التي أشرت لها في مطلع الحديث.

ولذا نحن في غنى عن البحث عن هذه النقطة من هذه الجهة، فلا نحتاج إلى التوقف عندها.

النسبة للإمام الصادق:

ثم إنه إذا كان التشيع موجوداً منذ زمن النبي(ص)فلماذا ينسب المذهب إذن للإمام الصادق(ع)خصوصاً وأننا نعلم أن المذهب في العرف الإسلامي يعني المرجع في أحكام الدين،وهذا لا يقتضي أن يكون للإمام الصادق(ع)دون بقية الأئمة(ع)مذهباً،لأن الشيعة الإمامية تعتقد أن كل إمام منهم(ع)يجب الأخذ بقوله والعمل برأيه،لأن علمهم(ع)علم واحد موروث من النبي(ص)لا يخـتلفون في أخذه ولا يروون عن غيره،من دون اجتهاد فيه ولا تحريف في أخذه ونقله.

فكيف إذن صار الإمام الصادق(ع)هو صاحب المذهب، وصار الشيعة ينسبون إليه دون بقية الأئمة(ع)؟…

هذا ويتضح الجواب عن هذا التساؤل بعد ضم عدة أمور لبعضها إلى البعض:

1-طول فترة إمامته:

إن زمن استقلاله(ع)بالإمامة قد طال حتى جاوز الثلاثين سنة، وهذا لم يتوفر لغيره من المعصومين(ع)نعم قد توفر ذلك لبعضهم(ع)كالإمام زين العابدين، والإمام موسى الكاظم،والإمام الهادي(ع)لكنه لم تـتوفر لهم الظروف الأخرى التي توفرت له(ع).

وبعبارة أوضح، ليس طول الفترة الزمنية بنفسه هو السبب، بل ضمه إلى أمور أخرى ذات مدخلية في الأمر.

2-ازدهار الحركة العلمية في عصره:

فإن أيامه كانت أيام علم وفقه، وكلام ومناظرة وحديث ورواية، وبدع وضلالة، وآراء ومذاهب، وهذه فرصة لأن يظهر العالم علمه، فيقمع الأباطيل ويقف أمام البدع والضلالات، ويـبطل الآراء والأهواء، ويصدع بالحق وينشر الحقيقة.

3-مرور فترة رفاهية أمنية عليه:

إذ أنه وجد فترة لا يخشى فيها سطوة ظالم ولا وعيد جبار، وهي الفترة التي كانت فيها أواخر الدولة المروانية، وأوليات دولة بني العباس.

فإن أطراف البلاد الإسلامية قد انتفضت على بني أمية، مما أدى إلى تضعضع أركان سلطانهم، وفي نفس الوقت بدأت الدعوة لبني هاشم بالانـتشار في جهات البلاد، فكانت هذه الأمور صارفة لبني مروان عما عليه الإمام(ع)من الحياة العلمية وبث المعارف والعلوم.

ولما استـتب الأمر لبني العباس، انشغلوا بتطهير الأرض من أمية، وبتأسيس دولتهم الجديدة، فكان انصرافهم لبناء الملك وإحاطته شاغلاً لهم برهة من الزمن عن الإمام وعمله من بث العلوم والمعارف.

وهذا لا يعني أنهم قد تناسوه تماماً، فالسفاح وإن خفف التضيـيق عليه، إلا أن المنصور بعدما استـتب له الملك،لم ينكفئ أن ضيق على الإمام(ع)،فقد ذكر ابن شهراشوب في مناقبه في أحوال أبي عبد الله الصادق(ع) برواية المفضل بن عمر:

أن المنصور قد هم بقتل أبي عبد الله(ع)غير مرة، فكان إذا بعث إليه ودعاه ليقتله فإذا نظر إليه هابه ولم يقتله، غير أنه منع الناس عنه ومنعه عن القعود للناس واستقصى عليه أشدّ الاستقصاء، حتى أنه كان يقع لأحدهم مسألة في دينه في نكاح أو طلاق أو غير ذلك،فلا يكون علم ذلك عندهم ولا يصلون إليه فيعتزل الرجل أهله،فشق ذلك على شيعته وصعب عليهم،وحتى ألقى الله عز وجل في روع المنصور أن يسأل الصادق(ع)ليتحفه بشيء من عنده لا يكون لأحد مثله،فبعث إليه بمخصرة كانت للنبي(ص)طولها ذراع،ففرح بها فرحاً شديداً وأمر أن تشق أربعة أرباع،وقسمها في أربعة مواضع،ثم قال له:ما جزاؤك عندي إلا أن أطلق لك وتفشي علمك لشيعتك،ولا أتعرض لك ولا لهم فاقعد غير محتشم وافت الناس ولا تكن في بلد أنا فيه، ففشى العلم عن الصادق،وأجاز في المنـتهى.

4-انتشار المذاهب في عصره:

إذ أن عصره كان عصر علم ومعرفة، فأصبح النشاط العلمي واسع النطاق،وكان في كل بلد إمام له مذهب ينسب إليه،وكثر عدد المذاهب المنـتمون إليها.

ولهذا نجد أن الشيعة تنسب له في عصره،كما لاحظنا ذلك من خلال الرواية التي افتـتحنا بها المقام،وقد جاء فيها:فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفري ويسرني ذلك،وإذا كان على غير ذلك،دخل عليّ بلاؤه وعاره وقيل:هذا أدب جعفر.

وهذا شريك القاضي، وقد شهد عنده اثنان من الشيعة هما محمد بن مسلم وأبو كريـبة الأزدي، فنظر في وجهيهما ملياً، ثم قال: جعفريان فاطميان.

المذهب الجعفري وعوامل انتشاره:

لقد كان للسلطة مدخلية أساسية في انتشار أي مذهب من المذاهب، بل تعد العامل الرئيس في انتشار المذهب،فمتى أرادت انتشار مذهب معين،كانت له الغلبة حتى لو لم يكن متميزاً على غيره من المذاهب.وقد امتاز المذهب الجعفري عن بقية المذاهب الإسلامية، من خلال استقلاله عن مؤازرة السلطة ومقومات المادة.

فاستطاع بمؤهلاته الذاتية إخضاع الزمن واجتياز العقبات التي تقف في طريق نشره.

ولولا فيض من القدسية في مبادئه، وقوة روحية في تعاليمه، وعناية قبل كل شيء من الله سبحانه وتعالى رحمة بهذا الخلق المتعوس، لقضت عليه السلطات بمحاولتها القضاء عليه، ولكن ذهبت تلك المحاولات ضد المذهب أدراج الرياح.

العداء لأهل البيت:

وقد كان لكل دولة غايات تعمل على تحقيقها في مقابلة أهل البيت، والوقوف في طريق انتشار مذهبهم في البلاد الإسلامية.

فالدولة الأموية كانت تسعى لمعاداة أهل البيت(ع)والحيلولة دون انتشار المذهب الجعفري، من خلال دوافع ثلاثة:

الأول: العداء الذاتي للبيت النبوي:

إذ كان هذا العداء متأصلاً، توارثه الأبناء عن الآباء،ولم يغير الإسلام من وجهة نظرهم هذه أي شيء،بل يزداد حقدهم كلما زاد انتشار الإسلام بالصورة التي أرغمتهم على الدخول فيه استسلاماً لقوته.

الثاني: فضح المجتمع الأموي:

إن مذهب أهل البيت(ع)بانتشاره في عهدهم وعدم معارضتهم له، يعني الضربة القاضية لدولتهم، لوجود التفاوت العظيم بين سياسة أهل البيت(ع)وسياسة الأمويـين في إشاعة العدل والمساواة بين الطبقات،ونشر التعاليم الإسلامية.

الثالث: المؤهلات الشخصية للأمويـين:

لأنهم يعرفون بدون شك أنفسهم ومدى مؤهلاتها للخلافة الإسلامية، ويعرفون الأمة وأنظارها لآل محمد(ع)،ولا توجد أي نسبة بين الأمويـين وبين أهل البيت،فإذا تركوا الأمور تسير بمجراها الطبيعي فلا ريب في تأخيرهم عن مواقع السلطة والقيادة،ولهذا نراهم قد اتخذوا سريعاً التدابير لنجاح أمرهم،وإن سبب ذلك تأخراً للمسلمين.

المذهب الجعفري والدولة العباسية:

لم تظهر الدولة العباسية في بداية أمرها العداء للمذهب الجعفري، لأنها كانت حديث العهد بالتأسيس،ولأنها كانت في حاجة إلى أعيان أهل البيت واستمالتهم إليها،والاستعانة بزعماء الشيعة لتـثبيت أركان الدولة،لكن هذا لم يمنع أن تعارض المذهب من وراء الستار.

ثم بعد فترة من الزمن عمد المنصور الدوانيقي إلى معارضة المذهب الجعفري من خلال توجيه نظره نحو مالك وأمره أن يضع كتاباً يحمل الناس عليه ويوزع نسخه في الأمصار ولا يكون غيره.

ومن الواضح أن هذا العمل كانت الغاية منه هي معارضة انتشار المذهب الجعفري.

ثم بعد ذلك عمد المنصور إلى إشعال نار الفتنة بين الأمة وذلك من خلال تقسيمها إلى فئتين:

الأولى: أهل الحديث.

الثانية: أهل الرأي.

وقد كان مبتدأ هذه الفتنة، أنه بعدما استـتب الوضع لبني العباس وبالتحديد للدوانيقي أراد أن يقف أمام انتشار المذهب الجعفري من جانب وأن يأمن مكر العرب من جانب آخر، فعمد إلى تقريب فقهاء أهل الرأي وعلى رأسهم أبي حنيفة لكونهم من الموالي،ولكونهم يعمدون إلى الاستحسان والقياس،وأبعد بهذا الأسلوب العرب وأهل الحديث الذين هم أهل المدينة،ومن جهة أخرى قرب فقهاء المدينة ورجالاتها دون الإمام الصادق(ع).

وقد سبب هذا حصول فتنة كبيرة بين المسلمين فصار الناس أهل حديث وأهل رأي، وانقسموا إلى طائفتين.

وشاءت الإرادة الإلهية أن تذهب جميع هذه المحاولات أدراج الرياح، ولم يزل المذهب ينـتشر في العواصم الإسلامية، وكثر أتباعه رغم تلك المحاولات والخطط التي خطها المنصور،ومن بعده المهدي والهادي والرشيد.

وقد بذل الرشيد كل جهده لتحويل أنظار الناس عن آل محمد، وأظهر تعظيم مالك بن أنس، فكان يجلس بين يديه تأدباً يتعلم منه العلم،ويأمر أولاده وخواصه باحترامه،بينما عامل أهل البيت(ع)بالقسوة،وتـتبع أنصارهم،وقضى على كل من اتهم في موالاتهم،حتى ثقل عليه أن يكون علي بن أبي طالب(ع) رابع الخلفاء،فحاول أن ينفي ذلك ويعاقب من يثبته.

تغلب المذهب الجعفري:

ومع كل هذا، فقد تغلب المذهب الجعفري على سائر الأقطار الإسلامية، فكانت له في بغداد القوة والنشاط ما استطاع أن يقاوم الدولة التي ما برحت تطارد الشيعة وتناصر خصومهم، ولكنهم ثبتوا في وجه الطغيان بكل ثبات، وأقاموا شعائرهم الدينية بدون خفاء وتكتم، وكانت الدولة تعد هذا التظاهر تهديداً لها وخطراً عليها.

ولم يقتصر وجود التشيع لمذهب أهل البيت(ع)في خصوص بغداد، بل تعداها إلى كافة الأقطار الإسلامية، فكان لهم وجود في كل منـزل من الأماكن الإسلامية.

الشيعة ونصرة أهل البيت:

ومرت الأيام، وتعاقبت الأدوار، والشيعة يلاقون الأذى ويخوضون غمار الحرب ويواجهون المصاعب، ويتجرعون من ولاة الأمر ضروب المحن، كل ذلك في سبيل نصرة آل محمد(ص)، ونشر مذهبهم على وجه الأرض، وما دفعهم إلى تحمل ذلك إلا حبهم لآل محمد(ص)وامتـثالهم لأوامر النبي(ص)في المحافظة عليهم ووصاياه المتكررة بإتباعهم.

ولا زال الشيعة إلى اليوم يملؤون أقطار الأرض بحبهم وولائهم لأهل البيت(ع).

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على ولايتهم والبراءة من أعدائهم

آمين رب العالمين.

——————————————————————————–

[1] الكافي ج 2 ص 636.