12 أغسطس,2020

المال وسيلة أم هدف

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى ) واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً.كلتا الجنتين ءاتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وفجرنا خلالهما نهراً.وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً([1].

لما كان القرآن الكريم كتاباً تربوياً وإصلاحياً يهدف إلى تغيير الواقع المعاش الذي نزل فيه والقيام بإصلاحه.

نراه يعرض في بعض آياته المباركة أفكاراً للناس ينبغي لهم أن يعوها ويحيطوا بها فيذكر بعض الأفكار لأناس من خلال حوار معين تظهر الفكرة التي يريد الله سبحانه وتعالى للناس أن يعوها ويعتبروا بها.

ومن تلك الآيات التي تضمنت ما أشرنا إليه الآيات التي افتتحنا بها المقام،إذ نجد أن الآيات تعرض لنموذجين من التفكير فتتحدث عن شخصين يحمل كل منهما منهجية وطريقة خاصة في الحياة.

إذ يعتبر الأول منهما المال كل شيء وأن قيمة الإنسان في وجوده بمقدار ما يملكه من مال فمن ملك المال فقد ملك كل شيء بحسب تصوره.

بل يعتقد أن استحقاقه للكرامة من الله سبحانه وتعالى تعتمد على ذلك أيضاً،وعلى هذا لا قيمة لمن لا مال له لا في الدنيا ولا في الآخرة.

ويعتبر الثاني المال وسيلة يقضي بها حاجاته لأن العمدة عنده على مقدار العلاقة مع الله سبحانه والقرب منه.

ومن المعلوم أن القرب من الله تبارك وتعالى لا يخضع لما يملكه الإنسان من مال بل هو خاضع لمعايير أخرى وهي العلم والمعرفة والإيمان والتقوى) إن أكرمكم عند الله أتقاكم(1.

من الواضح أن النموذج الأول للتفكير بعيد عن الصحة ، لأن صاحبه في غفلة عن حقيقة هذه الحياة وأنها دار فناء وزوال وأنه ليس خالداً فيها ولن يبقى له ماله ولا موقعه لينظر للناس من عليائه حيث يعتبر قيمة الناس بما يملكون من مال وثروة.

وهذه حالة من حالات الانحراف الإنساني التي قد تحدث من خلال النوازع الذاتية السلبية في مواجهة القيم الأخلاقية ، وقد وقف أهل البيت كما وقف القرآن الكريم أمام هذه الحالات، فنرى الإمام زين العابدين يرفض أن يكون المال سبباً في تحقق شخصية الإنسان وحجمها قال : …وأجر من أسباب الحلال أرزاقي ووجه في أبواب البر إنفاقي وأوزعني من المال ما يحدث لي مخيلة أو تأدياً إلى بغي أو ما اتعقب منه طغياناً [2].

أما التفكير الثاني فصحيح لأن صاحبه حدد قيمة الناس على مدى علاقتهم بخالقهم ومقدار الارتباط بينهم وبينه فهو يحدد قيمة الناس بقدر علمهم وإيمانهم ووعيهم فليس للمال قيمة ترتفع بالإنسان فتعطيه مكانة متقدمة كما أنه لا يمنح الإنسانية له،بل إن إنسانيته تغتني بالعقل والمعرفة والإيمان وبالتوجه إلى الباري عز وجل.

المال مقوم للمجتمع الإنساني:

نحن لا ننكر أن المال من العناصر المقومة للمجتمع الإنساني،وقد أولاه القرآن الكريم في بعض سوره عناية خاصة بوضع أحكام وتشريعات تستوجب مراعاتها استقرار الحياة.

فإن المال عنصر من العناصر التي لابد منها في الحياة وأن الجوانب الحياتية لا تتقوم إلا به ، كما أن شؤون الحياة ومتطلباتها لها أوثق الصلات بالجانب المالي.

لهذا نجد القرآن الكريم يقف موقف الموجه الصحيح من خلال ضرب هذا المثل لنعرف قيمة المال ، وأن الإنسان لن يستطيع أن يجعله أساساً في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

إن الله يريد للإنسان أن ينظر إلى المال في دائرة الحاجة لا في دائرة القيمة ، لأنه لا علاقة له بالذات ، بل هو شيء يعيش في خارجها ، ولذلك فإن هذه النظرة الواقعية تفرض عليه أن لا يدخل ماله في عقله وقلبه وكل ذاته ، ولا يغير نظرته إلى الواقع إلا من خلال المقدار الذي يحدد مسؤوليته فيه.

خصوصاً أن القرآن الكريم جعل الإنسان خليفة على المال من قبل الله سبحانه وتعالى فيتصرف فيه على طبق المنهج الإلهي في تحريك المال في حاجات الإنسان الفردية والاجتماعية دون بغي أو طغيان ، قال تعالى) وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه([3].

موقف المستكبرين:

ذكرت الأمثال في القرآن الكريم من أجل تقريب الفكرة التي يريد الله الناس أن يعوها إلى أذهانهم ، من خلال ربط الأمر المعنوي بالأمر الحسي فتحاول فهم الجانب المعنوي على مستوى الفكرة من خلال الجانب الحسي على مستوى الواقع فنستوحي من الواقع الفكرة التي يفترض أن نحملها.

فالشخص الأول كان صاحب بستان ومزرعة فيهما كل شيء : العنب والتمر والحنطة وغيرها من الحبوب فمزرعته مزرعة كاملة وقد توفرت على سر الحياة وهو الماء ، فاستهوته الدنيا وهو ضعيف فاقد للشخصية قد أصيب بالغرور حيث يسير كل شيء حسبما يشتهي.

وبعدما أحس بالأفضلية والتعالي على الآخرين بدأت مرحلة التمرد والطغيان ، فالتفت لصاحبه وهو بهذه الحالة فقال له :- (أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً).

وعلى هذا فأنا أملك قوة إنسانية كبيرة وعندي مال وثروة ، مضافاً إلى ملكي لنفوذ وموقع اجتماعي ، وفي المقابل أنت لا تملك شيئاً.

الاعتزاز بغير الله:

ونقف في هذا التصوير على هؤلاء الذين يعتدون بأموالهم وجماعتهم ويحتقرون الآخرين ، لأنهم يعتبرون علو المقام إنما هو بكثرة المال وزيادة الشعبية لتتبلور الشخصية بعد ذلك من خلالها.

وهذا غير صحيح لأن المال ليس جزءاً منك فليس هو عقلك ولا قلبك،وليس المال شيئاً منسوباً إليك حتى يكون هو إرادتك.

إن الذي يرفعك بين الناس ويوجد لك أثراً هو عقلك وعلمك وإيمانك ، قال أمير المؤمنينu : قيمة كل امرئ ما يحسنه[4].

الإستغراق في الشهوات:

ووصل الحال بصاحب البستان إلى مرحلة بدأ يظن معها أن هذه الأمور من مال وثروة وجاه ونفوذ أمور أبدية.

فدخل جنته بغرور ظالم لنفسه لعدم إيمانه بالله ولقناعته بمجموعة من الأفكار والمفاهيم الخاطئة فنظر إلى زرعه وشجره وسمع صوت الماء يجري في النهر فقال في غفلة منه: لا أظن أن يفنى هذا أبداً.

هذا موقف من يستغرق في ماله فينسى ربه ومصيره وينسى الحياة في تقلباتها وتغييراتها وأحداثها المتلاحقة والمتطورة غير الثابتة.

وبعبارة أخرى : إن هذا قد حبس فكره في خصوص الجانب المادي فنسي ما حوله وصار عقله مادياً لا مكان فيه للجانب الروحي.

وصارت الأوراق المالية والشيكات وما شابه ذلك جزءاً أساسياً من عقله إذا لم تكن عقله كله.

إنكار القيامة:

وتمادى صاحب البستان في طغيانه فرأى أن الخلود في هذا العالم يتعارض مع البعث والمعاد ، ولذا فكر في إنكار القيامة وقال: (وما أظن الساعة قائمة) وعلى فرض قيامها فإني بموقعي ووجاهتي وما أملك سأحصل عند ربي إذا ذهبت إليه على مقام وموقع أفضل.

رد المؤمن الثابت على الدين:

ثم انبرى له صاحبه فرد على أوهامه التي نسجها ، وبدا قوياً في دينه ولم يصب بإحباط في ذاته فقال له:- (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً).

وإن كنت قد كفرت به ، أما أنا فهو ربي أعرف مقامه وأعرف موقعي منه وأدرك عظمته وأفتخر بربوبيته لي ، إنه خالقي ورازقي.

أنت تتباهى بدنياك وما فيها من مال وجاه وثروة وكثرة أولاد وأنا أفتخر بعقيدتي وإيماني وتوحيدي ولا أشرك بربي أحداً.

وعاد مجدداً يلوم صاحبه فقال له : ولولا إذ دخلت بستانك فشكرت الله تعالى على ما أعطاك من نعم لكان ذلك أولى ، لأن كل ما حصلت عليه كان بمشيئة الله سبحانه وتعالى.

تذكير:

وهنا نجد طرحاً تربوباً فيحذر الإنسان المستغرق في المادة الناسي لربه ، إذ بمجرد أن يشعر بالقوة ويمتلك الوسائل المادية وبدل أن يربطها بالله سبحانه وأن لا يطغى لأنه عز وجل هو مصدر القوة والمال والعطاء وهو القادر على سلبها من الإنسان ، نراه ينسى الله، بينما عليه أن يتواضع للخالق المعطي للقوة.

وقال له صاحبه بعد ذلك : ليس مهماً أن أكون أقل منك مالاً وولداً لأنني أملك ما هو أفضل من ذلك وهو الثقة بالله عز وجل ، فعسى ربي أن يرزقني كما رزقك ، بل يعطيني خيراً مما أعطاك، وبستانك هذا قد تصيبه صاعقة من السماء فتصبح أرضه الخضراء مجرد أرض محروقة جرداء لا تثمر ، أو يغور ماؤها بأن تمنعك الأرض مائها بأمر الله سبحانه وتعالى.

فالرجل المؤمن حذر صديقه المغرور بأن لا يطمأن بهذه النعم لأنها جميعاً إلى الزوال فهي غير قابلة للإعتماد عليها.

واستشهد له تأكيداً على قوله بالصواعق السماوية التي ترامت إلى مسامعه وكيف أنها جعلت من البساتين والمزارع والبيوت تلالاً من التـراب خلال لحظة واحدة ، وكيف أصبحت تلك البقاع الخضراء يابسة جرداء لا ماء فيها ولا كلأ.

عاقبة عملهم:

وعاد المؤمن إلى بيته بعدما انتهى حوارهما دون أن يؤثر كلامه في صاحبه المغرور، عاد يعيش حالة روحية وفكرية ، ولا علم له بصدور الأوامر الإلهية بإبادة بستان صاحبه وأنه وجب أن يحصل على جزاء ما عاشه من غرور وشرك في هذه الدنيا لتكون عاقبته عبرة للآخرين.

وكانت النتيجة:- (وأحيط بثمره) أحيط بالعذاب الإلهي من كل جانب فلا ثمرة ولا شجرة ولا بستان.

وجاء في الصباح يتفقد ويستفيد من بستانه فواجه منظراً مدهشاً وموحشاً ، فجلس حزيناً مغموماً وقد خسر كل شيء يقلب كفيه جزعاً على ما صرف من أموال واهتمام وعناية ورعاية لنمو بستانه.

فتندم في هذه اللحظة على أقواله وأفكاره الباطلة فقال : ياليتني لم أشرك بربي أحداً.

ووجد نفسه بلا نصير أو معين في هذه الحالة فلا ناصر ولا مؤيد أو داعم لأن قوى هذا وأمثاله لا تعد شيئاً أمام قوة الله تبارك وتعالى.

لأن من كان حوله من الأصدقاء إنما التفوا حوله من أجل المال والثروة ، وهؤلاء مثلهم مثل الذباب حول الحلوى ، فلا يمكن الإعتماد عليهم لأن صداقتهم لم تكن لرابط معنوي وإنما كانت لأسباب مادية ، وعندما زالت هذه الأسباب انتفت الرفقة.

اليقظة الإجبارية:

في مثل هكذا حال وهو واقف أما الخراب الذي نزل بأملاكه تمنى لو أنه عرف الله سبحانه وأنه لم يشرك به أحداً.

وهذه اليقظة الإجبارية موجودة عند كل الجبابرة والمتكبرين والمغرورين ، وهي تحدث عادة عند نزول الإبتلاء العظيم ، ويمكننا ملاحظتها حتى عند فرعون ونمرود وغيرهما.

لكن هذه اليقظة لا قيمة لها ولا أثر ، ولهذا لا نرى لها أي تأثير على حال الشخص الذي تنتابه وتصيبه هذه اليقظة ، وسر ذلك يعود إلى:

أن هذه اليقظة لا تكشف عن يقظة داخلية حقيقية موجودة عند الإنسان ، كما أنها ليست علامة على تغيير خط مسيرة أعماله السابقة وما فيها من معصية وانحراف ، بل كل ما في الأمر أنه لما نزل البلاء بساحته تأثر لبعض لحظات لا تتعدى مدة البلاء ويتخذ قراراً بتغيير مصيره ، وبعدما يرفع بلائه تعود له غفلته وذلك لأنه لا يمتلك أساساً متيناً في داخل أعماقه.

وعلى أي حال فلن تنفع صاحب البستان يقظته الإجبارية هذه التي حصلت له الآن لأن الوقت قد مضى وانتهى فلا يعود الزمن إلى الوراء.

الآثار التربوية:

هناك مجموعة من الفوائد والآثار التي نخرج بها من خلال ملاحظتنا لهذا المثل القرآني وهي:

الأول : عرفنا من خلال هذا المثل الذي ضربه القرآن الكريم أن المال وسيلة وليس هدفاً أساسياً ، ولما جعل هدفاً أساسياً يعتمد عليه حصل غرور الثروة ونجم من ذلك الشرك والكفر ، فأصحاب الثروات عندما يصلون مستوى معيناً من الثراء يصيبهم غرور شديد غالباً ، فيسعون في البداية إلى التفاخر على الآخرين لأنهم يروا أن ثرائهم سبب تفوق لهم ، ويتدرجون حتى ينتهي بهم الأمر إلى مصير الخسران دنياً وآخرة.

بينما عرفنا مما تقدم ما هو تجسيد المفاهيم الإسلامية للمال وما هو مقدار التفاضل والتفاخر بين الناس.

الثاني : ذكر الحوار السابق مجموعة تنبيهات ينبغي للمؤمن أن يعيها ، لأنها كانت هدفاً من الإتيان بهذا المثل:

1-لا أمان لهذه الدنيا ونعيمها لأن الصواعق السماوية والزلازل الأرضية موجودة فبين لحظة وأخرى ، وإذا لا شيء من ذلك النعيم.

2-ينبغي أن يكون ارتباط الأصدقاء ارتباطا معنوياً وليس إرتباطاً مادياً ، لأن المرتبطين بغرض الإفادة المادية ليسوا على قدر الصداقة ولا قابلية لهم لتحمل المسؤولية ، بخلاف من يكون ارتباطهم معنوياً فإنهم يستمرون حال الصحة والمرض والغنى والفقر.

3-عرفت مما سبق أن اليقظة الإجبارية لا فائدة منها ، لأنها تحصل عند الإنسان في وقت يكون الندم والتراجع والأوبة قد أنتهى وقتها فلا نفع فيها ، وعلى فرض حصولها مع بقاء الوقت إلا أن صاحبها لا يكاد يرفع ما حصل له إلا وعاد إلى حالته السابقة.

4-ليس مقياس تفاضل الناس ووجودهم الاجتماعي المال ، فلا الفقر دليل الذلة كما أن الثـروة ليست دليل العزة.

5-على الإنسان أن يتذكر أصل وجوده وأنه خلق من تراب حتى يقضي على بواعث الغرور التي تناجي أعماقه بسبب المال والمنصب.

الثالث: إن عطاء الله سبحانه وتعالى لا حد له ولا نهاية فهو يفيض نعمه وعطاياه على جميع خلقه لكن على الإنسان أن يشكر هذه العطايا والنعم،وإلا كان مصيره نزول البلاء بها نتيجة عدم الشكر.

————————————————-

[1] سورة الكهف الآيات رقم 32-34.

1 سورة الحجرات آية 13

[2] الصحيفة السجادية الدعاء رقم 6.

[3] سورة الحديد الآية رقم 7.

[4] نهج البلاغة.