12 أغسطس,2022

النص القرآني سلامته، تدوينه، خطه(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

النص القرآني سلامته، تدوينه، خطه(1)

 

 

أصرّ مجموعة من المستشرقين على وقوع التحريف في القرآن الكريم، وقد استندوا في ذلك إلى أمرين:

الأول: محدودية عدد الذين حفظوا القرآن الكريم في عهد رسول الله(ص)، مضافاً لما يطرأ على الذاكرة من عيوب كالنسيان والخلط والخطأ، وحصول الاختلاط وغير ذلك.

الثاني: عدم الاهتمام بكتابة القرآن الكريم في زمن رسول الله(ص)، وما كتب منه كان بنحو متفرق على العسيب واللّحاف.

 

وقد رتبوا على ذلك أثراً مهماً وهو أن النص الموجود بأيدي المسلمين لا يتضمن كل ما أدعى محمد(ص) أنه قد نزل عليه من السماء، وبكل ألفاظه وآياته.

وقد أيدّ هؤلاء دعواهم المذكورة بملاحظة القراءات المتعددة بين المسلمين للقرآن الكريم، فإن الناظر فيها يجد فيها اختلافاً واضحاً، وكلها يدعي أنه القرآن النازل على محمد(ص).

ومن المستشرقين القائلين بذلك هو المستشرق الألماني لكسمبورغ في كتابه معاني القرآن على ضوء علم اللسان، حيث أدعى أن هناك مجموعة من الآيات المباركة قد نسخت بصورة خاطئة، ولم تكتب بصورتها الصحيحة، وتمسك لدعواه بأن اللغة التي قد كتب بها القرآن الكريم هي اللغة السريانية، والأرومية، لأنه لم يكن للعرب لغة خاصة في الكتابة، وقد ذكر مجموعة من الشواهد على مدعاه:

 

منها: قوله تعالى في سورة الإسراء:- (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) فقد وقع الخطأ في خمس مفردات من الآية، وهي: استفزز، أجلب، بخيلك، ورجلك، وشاركهم، وقد قدم قراءة جديدة للآية الشريفة اعتماداً على السياق المستفاد من إخراج إبليس من الجنة، وإذن الله تعالى له أن يضل الناس.

 

حفظ القرآن الكريم:

نعتقد نحن المسلمون بسلامة القرآن الكريم الموجود بأيدينا من التحريف، سواء كان ذلك بالزيادة أم كان ذلك بالنقص، وسواء ألتـزم بأن القرآن الكريم قد جمع في حياة رسول الله(ص)، كما هو الآن فلم يخرج(ص) من عالم الدنيا إلا وهو مجموع بنظمه القائم وترتيب سوره، كما هو مختار جمع من علماء الفريقين، وقد أختاره بعض علماء الطائفة، كبعض الأعاظم(ره)[1]، أم بني على الرأي المشهور من أن الجمع في مصحف واحد بين الدفتين وترتيب السور كان بعد وفاة رسول الله(ص). نعم لقد كان القرآن مكتملاً، كما أن السور كانت مكتملة، وكانت أسماؤها معروفة ومحددة، والآيات مرتبة كل آية في محلها وموضعها، وإنما لم يجمع بين الدفتين فقط، لأن جمعه كان متوقفاً على احراز انقطاع الوحي واكتمال عقد النبوة، ولا يكون هذا إلا بعد وفاة رسول الله(ص)، وهذا هو المشهور بين علماء الفريقين، وقد أختاره من علماء الطائفة جمع منهم العلامة الطباطبائي(ره)[2].

ويلتـزم أصحاب الرأي المشهور بأن أول من قام بجمع القرآن الكريم هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، فقد ورد عن الإمام الصادق(ع): قال رسول الله(ص) لعلي(ع): يا علي، القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه[3].

ولم ينحصر جمع القرآن في خصوص أمير المؤمنين(ع)، بل قام بجمعه آخرون من الصحابة أيضاً، وقد ذكروا بأسمائهم.

 

وقد اتخذ جمع أمير المؤمنين(ع) للقرآن شكلاً يختلف عن المنهج المتبع من قبل غيره من الصحابة، فقد قدم هؤلاء السور الطوال على القصار، فأثبتوا السبع الطوال: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، يونس، قبل المئين: الأنفال، براءة، النحل، هود، يوسف، الكهف، الإسراء، الأنبياء، طه، المؤمنون، الشعراء، الصافات، ثم المثاني، وهي التي تقل آياتها عن المائة، وهي عشرون سورة تقريباً، ثم الحواميم، وهي السور التي افتتحت بحم، ثم المفصلات ذوات الآيات القصار، سميت بذلك لكثرة فواصلها، وهي السور الأخيرة في القرآن.

وعلى أي حال، فقد تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن الكريم من التحريف، فقال سبحانه:- (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)[4]، وتقريب دلالة الآية الشريفة من خلال ظهور كلمة الذكر الواردة فيها في القرآن الكريم بقرينة آية سابقة عليها في السورة تضمنت الإشارة لذلك، قال تعالى:- (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون)[5]، فإن المقصود من الذكر في هذه الآية هو خصوص القرآن الكريم، فيكون الذكر المذكور في آية الحفظ هو الذكر المعهود وهو القرآن الكريم، فيثبت المطلوب.

 

ولا تعني حصانة القرآن الكريم من التحريف عدم قدرة أحد من الناس على تحريفه، سواء بإضافة حرف أم كلمة، أم جملة، أو بحذف حرف أم كلمة، أم جملة، فإن هذا مما يقوم به البشر بقصد أو بدون قصد، اشتباهاً وخطئاً أم كفراً وجحوداً. وإنما المقصود من حفظه وحصانته الذاتية التكوينية هو عدم بقاء أي تزوير وتحريف يقع فيه، فلا يكتب البقاء لشيء من ذلك بين الناس، وإنما الذي يكتب له البقاء بينهم هو خصوص ما أنزله الله تعالى على نبيه الكريم محمد(ص)، وقد أشار لهذا المعنى غير واحد من أعلام الطائفة، فقد ذكر بعض الأعلام المعاصرين(ره): أن صيانة القرآن الشريف عن التحريف لا تعني اعتبار كل كتاب ونسخة من القرآن الكريم قرآناً كاملاً مصوناً من كل خطأ في الكتابة والقراءة، أو أنه لا يمكن أن يتعرض لأي تفسير خاطئ، أو تحريف معنوي، أو أن الآيات والسور قد رتبت بنفس ترتيب نزولها، بل إنما نعني من ذلك، أن القرآن الكريم يبقى بين البشر بصورة يمكن فيها لكل باحث عن الحقيقة من الصول لآياته كلها كما نزلت، دون زيادة أو نقيصة.

 

ومن هنا، فإن نقيصة بعض النسخ القرآنية، أو عروض الخطأ عليها، أو الاختلاف في القراءة، أو ترتيب الآيات والسور بصورة مخالفة لترتيب النـزول، أو وجود التحريفات المعنوية، ومختلف أنواع التفسير بالرأي…هذا كله لا ينافي صيانة القرآن الكريم عن التحريف الذي نبحث فيه[6].

وقريب من هذا المعنى ذكره بعض الأساتذة(دامت أيام بركاته)، حيث قال: وأما كلمة الحفظ فيحتمل فيها وجوه عديدة:

أحدها: أن يكون المراد منها الحفظ المنطقي والاستدلالي، ويكون المقصود حينئذٍ أنه لا يصير مغلوباً لأي منطق واستدلال.

الثاني: أن يكون بمعنى العلم، أي: وإنا له لعالمون.

الثالث: أن يكون المراد منه الحفظ من جميع الجهات من الزيادة والنقصان، ومن المقابلة بالمثل والغلبة بالمنطق وغيرها، وهذا هو الظاهر، ولا دليل على التحديد والتقيـيد.

 

إن قلت: إن كان المراد من الحفظ، الحفظ العام ومن جميع الجهات فهو متيقن العدم لما وقع في التاريخ بالنسبة إلى مصاحفه من الاندراس والصب في البحر وإحراقها من جانب عثمان وغيره أحياناً بأي غرض كان. وإن كان المراد منه حفظ ما، فهو حاصل ولو بالقرآن المحفوظ عند الحجة(عج) وحينئذٍ لا تدل الآية على المدعى.

قلنا: إن للحفظ معناً عرفياً لا يصدق على شيء من المعنيـين: الحفظ الكلي والحفظ الجزئي، وهو كون الكتاب في أيدي الناس ووجوده بينهم، فالمراد من قوله تعالى:- (لحافظون)، لحافظونه عند الناس وبينهم، لا بمعنى حفظ جميع المصاديق أو مصداق من مصاديقه، كما أنه إذا قيل: إن ديوان الشاعر فلان موجود ومحفوظ إلى اليوم، لا يكون المقصود منه أن جميع مصاديقه بقيت محفوظة أو مصداق من مصاديقه محفوظ في متحف من المتاحف، بل المراد منه بقاؤه بين الناس وبين أيديهم كما لا يخفى[7].

 

التحريف معناه وأنواعه:

ويساعد على ما تقدم، ملاحظة حقيقة التحريف ومعناه، وملاحظة أنواعه، التي أشار إليها بعض الأعاظم(ره)، خصوصاً وأنه قد ذكر أن بعضها قد وقع خارجاً، قال(قده): يطلق التحريف ويراد منه عدة معانٍ على سبيل الاشتراك، فبعض منها واقع في القرآن باتفاق من المسلمين، وبعض منها لم يقع فيه باتفاق منهم أيضاً، وبعض منها وقع الخلاف بينهم، وإليك تفصيل ذلك:

الأول: نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره، ومنه قوله تعالى:- (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه)، ولا خلاف بين المسلمين على وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله، فإن كل من فسر القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه فقد حرفه، وترى كثيراً من أهل البدع والمذاهب الفاسدة، قد حرفوا القرآن بتأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم.

الثاني: النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات، مع حفظ القرآن وعدم ضياعه، وإن لم يكن متميزاً في الخارج عن غيره. والتحريف بهذا المعنى قد وقع في القرآن قطعاً، فقد أثبتنا لك فيما تقدم عدم تواتر القراءات، ومعنى هذا أن القرآن المنـزل إنما هو مطابق لإحدى القراءات، وأما غيرها فهو إما زيادة في القرآن وإما نقيصة فيه.

 

الثالث: النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن المنـزل. والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام، وفي زمان الصحابة قطعاً، ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه، وهذا يدل على أن هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه، وإلا لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها-إلى أن قال-وجملة القول: إن من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف-كما هو الصحيح-فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الأول، إلا أنه قد انقطع في زمان عثمان وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبي(ص)،وأما القائل بتواتر المصاحف بأجمعها، فلابد له من الالتـزام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المنـزل، وبضياع شيء منه، وقد مرّ عليك تصريح الطبري وجماعة آخرين بإلغاء عثمان للحروف الستة التي نزل بها القرآن، واقتصاره على حرف واحد.

 

الرابع: التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة مع التحفظ على القرآن المنـزل، والتسالم على قراءة النبي(ص) إياها. والتحريف بهذا المعنى أيضاً واقع في القرآن قطعاً، فالبسملة مثلاً مما تسالم المسلمون على أن النبي(ص) قرأها قبل كل سورة غير سورة التوبة، وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنة، فاختار جمع منهم أنها ليست من القرآن، بل ذهبت المالكية إلى كراهة الاتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة، إلا إذا نوى به المصلي الخروج من الخلاف، وذهب جماعة أخرى إلى أن البسملة من القرآن.

وأما الشيعة فهم متسالمون على جزئية البسملة من كل سورة غير سورة التوبة، واختار هذا القول جماعة من علماء السنة أيضاً.

 

الخامس: التحريف بالزيادة بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنـزل، والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة.

السادس: التحريف بالنقيصة، بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء، فقد ضاع بعضه على الناس. والتحريف بهذا المعنى قد وقع فيه الخلاف، فأثبته قوم ونفاه آخرون.

 

رأي المسلمين في التحريف:

والمعروف بين المسلمين عدم وقع التحريف في القرآن، وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنـزل على النبي الأعظم(ص)، وقد صرح بذلك كثير من الأعلام، منهم رئيس المحدثين الصدوق محمد بن علي بن بابويه، وقد عدّ القول بعدم التحريف من معتقدات الإمامية[8]، ومنهم شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وصرح بذلك في أول تفسيره التبيان[9]، ونقل القول بذلك أيضاً عن شيخه علم الهدى السيد المرتضى[10]، واستدلاله على ذلك بأتم دليل، ومنهم المفسر الشهير الطبرسي في مقدمة تفسيره مجمع البيان[11]، ومنهم شيخ الفقهاء الشيخ جعفر في بحث القرآن من كتابه كشف الغطاء، وادعى الإجماع على ذلك[12]، ومنهم العلامة الجليل الشهشهاني في بحث القرآن من كتابه العروة الوثقى، ونسب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين، ومنهم المحدث المولى محسن القاساني في كتابيه، ومنهم بطل العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره آلاء الرحمن.

 

وقد نسب جماعة القول بعدم التحريف إلى كثير من الأعاظم، منهم شيخ المشايخ المفيد، والمتبحر الجامع الشيخ البهائي، والمحقق القاضي نور الله، وأضرابهم. وممن يظهر منه القول بعدم التحريف: كل من كنب في الإمامة من علماء الشيعة وذكر فيه المثالب، ولم يتعرض للتحريف، فلو كان هؤلاء قائلين بالتحريف لكان ذلك أولى بالذكر من إحراق المصحف وغيره.

وجملة القول: أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف. نعم ذهب جماعة من المحدثين الشيعة، وجمع من علماء أهل السنة إلى وقوع التحريف[13].

 

ويمكن تلخيص ما أفاده(ره)، بأن التحريف على قسمين: لفظي، ومعنوي، واللفظي منهما على ثلاثة أقسام:

1-التحريف بالزيادة، وهذا قد يكون بزيادة حرف، أو كلمة، أو جملة، أو آية أو سورة.

2-التحريف بالنقصان، ويجري فيه ما سبق ذكره في التحريف بالزيادة، فقد يكون بنقصان حرف، أو كلمة، أو جملة، أو آية، أو سورة.

3-التحريف بالتبديل والتغيـير، وهو قد يكون بتغيـير حركة إعراب، وقد يكون بتغيـير حرف، أو حروف، كما يحكى في قصة أهل أنطاكية، أنهم طلبوا من أحد الخلفاء أن يبدّل قوله تعالى في سورة الكهف:- (فأبوا أن يضيفوهما)، بقولهم: فأتوا أن يضيفوهما، حتى يرتفع النقص والازدراء عن أهل بلدهم. وقد يكون التغيـير أيضاً بتقديم كلمة، أو آية، أو تأخيرهما[14].

 

وينقسم المعنوي منهما إلى قسمين:

1-أن يكون ذلك بتغيـير المعنى، كما لو قيل: إن الولي في قوله تعالى:- (إنما وليكم الله ورسوله والذين أمنوا)[15]، بمعنى الصديق والحبيب وليس بمعنى المولى الحاكم والولي في التصرف.

 

2-أن يكون ذلك من خلال تطبيق المورد على غيره، نظير ما يحكى عن معاوية في قصة سمرة بن جندب في قوله تعالى:- (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف رحيم)[16]، عندما طلب منه أن يعلن أنها نزلت في عبد الرحمن بن ملجم، وأن قوله تعالى:- (ومن الناس من يعبد الله على حرف)[17]، قد نزلت_والعباذ بالله-في شأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، وقد استجاب سمرة لطلبه مقابل مائة ألف درهم أخذها من بيت مال المسلمين.

 

قول مرفوض:

ومن خلال ما تقدم في بيان المقصود من حفظ القرآن الكريم، وصيانته الذاتية والتكوينية عن التحريف، يتضح عدم صحة ما ذهب إليه جماعة من المحدثين الشيعة من تفسير حفظ القرآن الكريم بمعنى وجود نسخة كاملة منه لم يصبها ولم يتطرق إليها النقصان أبداً عند إمام كل زمان، وأما النسخ المتداولة في أيدي الناس فإنها ناقصة، وقد فسر هؤلاء المقصود بحفظ القرآن في قوله تعالى:- (وإنا له لحافظون) أن يكون محفوظاً في الجملة، وليس مطلقاً بتمام أفراده ونسخه، ويؤيد ذلك بل يدل عليه ما تضمنته كتب التاريخ من قيام الوليد مثلاً بتمزيقه للقرآن كما هو المشهور عنه، فيكفي حفظ نسخة منه في العالم.

 

وقريب من هذا القول الالتزام بأن المراد من حفظه هو حفظه عند أهله، يعني الأئمة الطاهرين(ع).

فإنه مضافاً لكونه خلاف ظاهر الآية الشريفة، خصوصاً بملاحظة التعبير بكلمة الذكر الظاهرة في كون المقصود من ذلك هو تمام القرآن الكريم، وليس شيئاً منه، فقد تضمنت الآية خمسة ضمائر مؤكدة، وهي: إنا، ونحن، ونا الدالة على الفاعلين، وإنا، وهذا لا ينسجم مع كون المقصود هو المعنى المذكور.

على أنه لو تنـزل وقبل بما ذكر، فإنه لن يكون القرآن والحال هذه هدى للناس وبينات من الهدى، لأن بقاء القرآن كاملاً عند الإمام المعصوم(ع) نظير بقاءه كذلك في اللوح المحفوظ، المانع من تحقق الاستفادة منه للناس.

 

تدوين القرآن الكريم:

من المعلوم أن علاقة التخاطب الحاصلة بين أبناء الجنس البشري منذ كانت ولا زالت تعتمد في أصلها على الوجود اللفظي، وهو الأصوات المتداولة، فلم يكن للإنسان ومنذ البداية وسيلة تخاطب أخرى، نعم تعتبر وسيلة التخاطب الكتبي، والتي تعتمد على النقوش وسيلة متأخرة عن وسيلة الوجود اللفظي.

ومقتضى ما ذكر، أن تكون اللغة عبارة عن لسان وأذن، كلام وسمع، وليست اللغة كتابة كما قد يتصور البعض.

 

ولم يختلف حال القرآن الكريم عما بني عليه الوجود الإنساني في عملية التخاطب، فقد نزل على رسول الله(ص) وحياً منجماً بصيغة صوتية، ولم ينـزل عليه مكتوباً، وقد يظهر هذا المعنى من قوله تعالى:- (بلسان عربي مبين)[18]. نعم الظاهر من قوله تعالى:- (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء)[19]، أن ما نزل على نبي الله موسى(ع) كان مكتوباً ولم يكن صوتاً مسموعاً، كما يظهر منه أيضاً أن نزوله كان دفعة واحدة، ولم يكن تدريجياً كما هو نزول القرآن الكريم.

وعليه، لن يكون المقصود من تواتر القرآن متى ما ذكر، وعبر عنه بأنه متواتر، هو التواتر الكتبي، وإنما المقصود منه هو التواتر اللفظي، وما أبعد بين الأمرين كما هو واضح جداً.

 

غفلة بعض المستشرقين:

وبسبب غفلة جمع من المستشرقين عن هذه الناحية المعتبرة في تواتر القرآن الكريم، وأن تواتره لم يكن من خلال ما تضمنته المصاحف والسطور وحفظ فيها، وإنما كان تواتره من خلال حفظه في الصدور والقلوب والعقول، وأن الاعتماد في نقله وبصورة أساسية كان على ذلك، توهموا عدم بلوغ القرآن الكريم حد التواتر، وقد نشأ ذلك من تركيزهم على أمور:

الأول: نسخ القرآن الكريم المخطوطة.

الثاني: الروايات الكثيرة التي تتحدث عن آلية جمع القرآن، والفروق الموجودة بين المصاحف، ودعاوى حصول نقص فيه.

الثالث: ما وقفوا عليه من وجود فروقات بين القراءات المعروفة والمتداولة بين المسلمين.

الرابع: التفاوت في طريقة كتابة بعض الكلمات.

 

وقد أدت هذه الأمور إلى التـزام جملة منهم بأن القرآن لم يحافظ على كينونته التي أنزل بها.

وقد غفل هؤلاء كما سمعت عن أن القراءة المتواترة للقرآن الكريم هي القراءة المحفوظة في صدور الحفاظ له، وقد توارثها الأجيال جيلاً بعد آخر من خلال التلقي بالمشافهة والحفظ ابتداءً من جيل الصحابة والذي كان معاصراً لرسول الله(ص)، مروراً بجيل التابعين، ثم تابعي التابعين، وهكذا إلى يومنا هذا وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. وقد تزامن مع ذلك كله توثيق القرآن الكريم كتابة، والقيام بالمراجعات المستمرة للنسخ المتداولة بين أيدي الناس على ضوء القراءة المتواترة.

ويمكن الاستدلال على تواتر القرآن الكريم من خلال حساب الاحتمال الرياضي، ويقرب الاستدلال به على ذلك.

 

نصوص مرفوضة:

ووفقاً لما تقدم ذكره من أن المدار في تواتر القرآن الكريم هو على القرآن المحفوظ، سوف ترفض جميع النصوص التي تتضمن ما يخالف ذلك، ولو كانت صادرة عن بعض الصحابة، كالرواية التي تقول بأن عمر بن الخطاب كان يقرأ سورة الفاتحة بهكذا طريقة: صراط من أنعمت عليهم* غير المغضوب عليهم[20]، لأنها على خلاف الأمور الطبيعية، إذ من المستبعد أن يقبل المسلمون والذين كانوا يسمعون رسول الله(ص) يقرأ سورة الفاتحة في اليوم والليلة عشر مرات، ولمدة سنين طويلة أن لا يحفظوها منه، ويقبلون أن تقرأ بصورة مغايرة للصورة التي كان يقرأه ولو كان قارئها شخصية معروفة، إذ لا ريب أن شخصية عمر مهما بلغت لن تصل في المقام لما عليه رسول الله(ص) عند المسلمين.

والحاصل، إنه لا يمكن التصديق بهكذا نصوص تتحدث عن أخطاء فاحشة من دون أن يعمد الصحابة إلى التصحيح لها، أو الإنكار على قائلها خصوصاً تلك التي تتحدث عن أخطاء في سورة الفاتحة.

 

 

 

[1] وقد أختار ذلك أيضاً المرجع الديني المعاصر الأستاذ آية الله مكارم الشيرازي(دام ظله) في كتابه أنوار الأصول ج 2 ص 315-318.

[2] الميزان في تفسير القرآن ج 12 ص

[3] بحار الأنوار ج ص

[4] سورة الآية رقم

[5] سورة الآية رقم

[6] دروس في العقيدة الإسلامية ج 2 ص 316.

[7] أنوار الأصول ج 2 ص 322-323.

[8] قال(قده) في اعتقاداته: اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل على نبيه هو ما بين الدفتين وليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا بأنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب.

[9] قال(ره): وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا.

[10] قال(قده): أنه لم ينقص من القرآن وأن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية(الإخباريـين من أهل العامة) لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها.

 [11]قال(ره): ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فإنه لا يليق بالتفسير، فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغيـيراً ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه.

[12] قال(قده): لا ريب أنه(القرآن) محفوظ في النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح القرآن وإجماع العلماء في كل زمان ولا عبرة بنادر، وما ورد من أخبار النقص تمنع البديهة من العمل بظواهرها فلابد من تأويلها.

[13] البيان في تفسير القرآن ص 197-201.

[14] أنوار الأصول ج 2 ص 311-312.

[15] سورة المائدة الآية رقم 55.

[16] سورة البقرة الآية رقم 207.

[17] سورة الحج الآية 11.

[18] سورة الشعراء الآية رقم 195.

[19]سورة الأعراف الآية رقم 124.

[20] قد جاء في كتاب التفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم القمي عن حريز عن أبي عبد الله(ع) قراءة سورة الفاتحة بمثل هذه الطريقة.