25 أكتوبر,2020

مــن فقه الأضحية

اطبع المقالة اطبع المقالة

مــن فقه الأضحية

 

من المستحبات المؤكدة التي حثت عليها النصوص الشريفة الواردة عن المعصومين(ع)، وأفتى بها الفقهاء ذبح الأضحية في يوم عيد الأضحى من شهر ذي الحجة، بل ذكر بعض الأعلام أن المقصود من النحر في قوله تعالى:- (فصل لربك وانحر)[1]، هو نحر الأضحية في أيام النحر المعلومة.

 

ومن النصوص الواردة في الحث على التضحية في هذه الأيام، ما جاء في صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر(ع)، أنه قال: الأضحية واجبة على من وجد من صغير أو كبير، وهي سنة[2]. ومع أن الظاهر أن المقصود من الوجوب في هذا النص وأضرابه، هو الثبوت، فهو يشير إلى كونها ثابتة على كل من يجد ثمنها وقيمتها، ويمكنه القيام بذبحها

 

إلا أن بعض الفقهاء(ره) أبقاه على ظاهره، وأفتى بوجوب الأضحية، ولعل هذا أيضاً لزيادة التأكيد على ذلك في النصوص، وكثرة الحث عليها الذي لا يتناسب في نظره مع الاستحباب.

 

معنى الأضحية:

والمقصود من الأضحية، أو الضحية، أو الأضحى، ما يذبح أو ينحر من النعم يوم عيد الأضحى وما بعده إلى ثلاثة أيام، سواء كان الإنسان في أرض منى المباركة، أم كان في غيرها، تبرعاً  وتقرباً بذلك إلى الله تعالى وقت الضحى وارتفاع النهار غالباً.

وقد اشتمل التعريف المذكور لبيان حقيقة الأضحية، نقاطاً:

 

الأولى: تحديد نوعية الأضحية، وأنها تكون من الأنعام الثلاثة، وهذا يعني أنها لا تتحقق بمجرد دفع مبلغ من المال في تلك الأيام، وإن كان المبلغ المدفوع يساوي قيمتها.

الثانية: إن ذبح الأضحية عبادة من العبادات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى.

الثالثة: يستمر زمان الأضحية إلى ثلاثة أيام، وقيل أنه يستمر إلى أربعة أيام لمن كان في منى.

الرابعة: لا فرق في استحباب ذبح الأضحية للإنسان بين أن يكون موجوداً على صعيد أرض منى المباركة، أو يكون في بلده، أو في أي مكان من الأماكن الطاهرة للزيارة، ككربلاء مثلاً، أو مشهد المقدسة.

الخامسة: الأفضل أن يكون وقت ذبح الأضحية وقت الضحى وارتفاع النهار ومضي مقدار أداء صلاة العيد، وإن كان يسوغ للإنسان ذبحها بعد ذلك.

 

الحكمة من تشريعها:

ويظهر من بعض النصوص أن هناك حكمة من تشريعها، وهي مواساة الفقراء في مثل هذه الأيام العظيمة، وتحسيسهم باللحمة الاجتماعية، من خلال ما يقدم إليهم فيها من لحم، فقد روى السكوني، عن الإمام الصادق(ع) عن آبائه(ع)، قال: قال رسول الله(ص): إنما جعل الله هذا الأضحى لتشبع مساكينكم من اللحم فأطعموهم[3].

 

الآثار الوضعية للأضحية:

ويظهر من بعض النصوص أن هناك آثاراً وضعية مترتبة على ذبح الأضحية من الإنسان في وقت ذبحها، كغفران ذنوب صاحبها الذي ذبحها، فقد جاء عن أمير المؤمنين(ع)، أنه قال: لو علم الناس ما في الأضحية لاستدانوا وضحوا، إنه ليغفر لصاحب الأضحية عند أول قطرة تقطر من دمها[4].

 

وورد عن أبي بصير، أنه سأل الإمام أبا عبد الله الصادق(ع)، فقال له: ما علة الأضحية؟ فقال(ع): إنه يغفر لصاحبها عند أول قطرة تقطر من دمها على الأرض، وليعلم الله عز من يتقيه بالغيب، قال الله عز وجل:- (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)، ثم قال: انظر كيف قبل الله قربان هابيل وردّ قربان قابيل[5].

 

من فقه الأضحية:

هناك مجموعة من الأحكام المرتبطة بالأضحية نشير لبعضها، ويمكن ملاحظة ما ذكره الفقهاء العظام حول ذلك في كلماتهم:

 

ما يرتبط بالأضحية:

هناك جملة من الأحكام المرتبطة بالأضحية التي يذبحها الإنسان سواء عن نفسه أم عن عياله، أو من يتبرع عنهم، كسيدي ومولاي ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواده الفداء):

منها: أنه يستحب للإنسان أن يتولى عملية ذبح أضحيته بنفسه، ولا يوكل أمر ذبحها لأحد غيره كالجزار مثلاً، أما لو كان المضحي لا يعرف عملية الذبح، فيمكنه إحراز الاستحباب من خلال وضع يده مع يد الذابح حال الذبح.

ومنها: تختلف الأضحية عن العقيقة في أنها يمكن أن تكون عن جماعة متعددين بخلاف العقيقة فإنها لا تكون إلا عن شخص واحد، فيمكن أن يشترك جماعة في أضحية واحدة يذبحونها في وقت ذبحها، ويحصلون على الاستحباب عندها، كما لو كان جماعة من الشباب الأصدقاء الذين اعتادوا على الجلوس مع بعضهم البعض في الديوانية، فيمكنهم أن يشاركوا جميعاً في ثمنها ومن ثمّ شرؤاها وذبحها.

ومنها: يمكن أن يتبرع شخص ما عن غيره بالأضحية، فيتبرع المؤمن بها عن مولاي وسيدي ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، ويمكن أن يتبرع رب الأسرة عن أفراد أسرته، فيذبح أضحية عن زوجته، وعن كل فرد من أفراد الأسرة.

 

ما يرتبط بالأضحية:

 

وأما الأحكام التي ترتبط بالأضحية:

أحدها: وقت التضحية، وقد عرفت عند تعريفها أن وقته من الضحى وارتفاع النهار يوم العاشر من شهر ذي الحجة، ويستمر ذلك إلى ثلاثة أيام.

ثانيها: يعتبر في ذبح الأضحية قصد القربة لله سبحانه وتعالى، لما عرفت أنها عبادة، وكل عبادة يعتبر فيها ذلك.

ثالثها: يستحب الدعاء عند التضحية بالمأثور، وهو وارد عن المعصومين(ع)، فقد كان أمير المؤمنين(ع)، يضحي عن رسول الله(ص) كل سنة بكبش يذبحه، ويقول: بسم الله، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، اللهم منك ولك[6].

 

أحكام عامة:

وكما أن هناك أحكاماً خاصة بالمضحي، وأحكاماً خاصة بالأضحية، فإن هناك أحكاماً عامة ترتبط بذلك:

منها: يستحب الأكل من الأضحية.

ومنها: يستحب توزيع الأضحية ثلاثة أقسام:

 

الأول: يأكله صاحب الأضحية، والظاهر أن ذلك يتحقق ولو بأكل شيء منه.

الثاني: التصدق بثلث على الفقراء والمساكين من أهل الإيمان والصلاح.

الثالث: إهداء الثلث الثالث لمن يرغب من المؤمنين والصالحين من الأصدقاء.

 

ويمكن تداخل القسمين الثاني والثالث، فيدفع الثلثين مثلاً للفقراء والمساكين، بحيث يكون أحدهما بنية الصدقة والآخر بنية الهدية.

 

ومنها: يمكن للإنسان التصدق بثمن الأضحية ودفع ثمنها للفقراء والمحتاجين إذا لم يجد الأضحية، وتعذر عليه ذبحها، لأي سبب من الأسباب، كشح الأنعام الثلاثة في البلاد مثلاً، وأما في غير ذلك فإنه لا يكتفى بدفع ثمنها عنها.

 

 

 

 

[1] سورة الكوثر الآية رقم 2.

[2] وسائل الشيعة ج 14ب 60 من أبواب الذبح ح 3 ص 205.

[3]  وسائل الشيعة ج 14 ب 60 من أبواب الذبح ح 10 ص 206.

[4]  وسائل الشيعة ج 14 ب 64 من أبواب الذبح ح 2 ص 210.

[5]  المصدر السابق ح 11 ص 207.

[6]  وسائل الشيعة ج 14 ب 60 من أبواب الذبح ح 7 ص 206.