26 مايو,2020

ذكورية الشريعة(4)

اطبع المقالة اطبع المقالة

 

ذكورية الشريعة(4)

 

تعدد الزوجات:

ومن النقاط التي تمسك بها أصحاب تهمة ذكورية الشريعة، مشروعية تعدد الزوجات بالنسبة للرجل، اعتماداً على قوله تعالى:- (فانكحوا ما طاب لكم النساء مثنى وثلاث ورباع)، فإن المستفاد منها مشروعية ارتباط الرجل بأكثر من زوجة، فيمكنه أن يتزوج من اثنتين، أو ثلاث، أو أربع، ولا يقتصر على الزواج بواحدة فقط، فيمكنه أن يجمع بين أكثر من واحدة على ذمته في وقت واحد.

 

ويقوم الاستدلال بالآية الشريفة على تقدير كلمة النكاح المحذوفة في الآية، والمستدل عليها من خلال قوله تعالى:- (فانكحوا)، ليكون معنى الآية: فإن خفتم ألا تعدلوا حال تزوجتم اليتيمات، فعليكم بالزواج من غيرهن من النساء، فيمكنكم أن تتزوجوا من تشاؤون منهن، اثنتين، أو ثلاث، أو أربع.

ولا يذهب عليك، أن تمامية الاستدلال المذكور تقوم على عدم وجود احتمال آخر في الآية من جهة، ومن جهة أخرى القبول بالتقدير المذكور.

 

الأصل في النظرية الإسلامية:

وقبل البحث عن دلالة الآية الشريفة على دعوى القائلين بذكورية الشريعة، لابد من تأسيس الأصل في النظرية الإسلامية حول تعدد الزوجات، فإن المحتملات في ذلك ثلاثة:

الأول: البناء على أن الأصل الأولي هو التعدد، بملاحظة سيرة الرسول الأكرم محمد(ص)، وكذا الأئمة الأطهار(ع) من بعده.

الثاني: الالتزام بأن الأصل الأولي هو الوحدة، وليس التعدد، فلا يحق للرجل أن يتـزوج إلا بزوجة واحدة فقط. ولا يضر بذلك بلوغ عدد زوجات رسول الله(ص) تسعاً، لأن ذلك خصوصية له(ص) خاصة به، فلا ينافي ذلك كون الأصل الأولي هو الوحدة.

الثالث: القول بعدم وجود أصل أولي يمكن الرجوع إليه في البين في تحديد أن مقتضى الأصل هو الوحدة، أو التعدد.

 

ثم إنه لو بني على المحتمل الأول، فهل إن التعدد من الأحكام الأولية، فيكون نظير بقية الأحكام التي بني عليها الإسلام مثلاً، فكما بني على الصلاة والصوم، يقال ببنائه على التعدد في الزوجات، أو الأحكام الولائية الصادرة من ولي الأمر مثلاً لظروف اقتضت ذلك، ومع تغير الظروف الموضوعية المحيطة، فيمكن لولي الأمر أن يعمد لتغيـيره، ويحكم بخلافه.

 

ومع التسليم بكونه حكماً أولياً، وليس حكماً ثانوياً، فهل يعد من الأحكام الشرعية الثابتة التي لا تقبل التغير والتبدل، أو أنه من الأحكام التي يمكن البناء على تغيرها، وفقاً لمجموعة من الظروف والمعطيات، وانطلاقاً من تأريخانية الأحكام الشرعية.

ومع البناء على كون الحكم المذكور حكماً أولياً، فهل يمكن الالتزام باستحباب التعدد، فيستحب للرجل أن يتـزوج المرأة الثانية والثالثة والرابعة، وأن الاستحباب المذكور في شأن النكاح لا يتحقق بمجرد الزواج من زوجة واحدة، أم يقصر الأمر على خصوص المشروعية فقط.

 

ثم إنه بعد الفراغ عما تقدم، فإن القول بمشروعية تعدد الزيجات، مقيد بشروط لابد من توفرها في الزوج ككونه قادراً على الإنفاق على كافة الزوجات وأبنائهم بالسوية وفق قانون العدل مثلاً، أم أنه لا يعتبر شيء من الشروط في ذلك، بل يكفي للبناء على مشروعية التعدد وجود الرغبة عند الرجل في أن يأخذ زوجة أخرى فيقدم على ذلك.

 

وتظهر الثمرة في ما لو بني على أخذ بعض الشروط في الزوج الذي يشرع له تعدد الزوجات، أنه لو كان فاقداً لتلك الشروط المعتبرة، بني على بطلان عقده، لا أنه ارتكب حراماً فقط.

وبكلمة أخرى، يترتب على ذلك الحكم الوضعي، لا أن المترتب هو خصوص الحكم التكليفي.

ولو بني على اعتبار توفر الشروط فيه، فالظاهر أن ذلك من العناوين النوعية التي تستدعي أن يكون ملاحظة توفرها فيه من عدمه إما بنظر العرف، أو بنظر جهة مختصة يفترض أن يعينها الفقيه الجامع لشرائط الفتيا، ولذا لو قرر العرف أو الجهة المعنية فقدانه للشروط، ترتبت الثمرة المذكورة.

 

وقفة مع دلالة الآية:

والتقريب الذي تقدم ذكره في بيان دلالة الآية الشريفة هو الموجود في كلمات أغلب المفسرين، لو لم يكن جميعهم، والذي دعاهم للتقدير المذكور، هو أن الآية الشريفة تنطوي على شرط وهو قوله تعالى:- (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، وجزاء، وهو قوله سبحانه:- (فانكحوا)، ومن المعروف أنه لابد من وجود علاقة ارتباط بينهما، مفادها ترتب الجزاء على الشرط، وعند النظر الأولي للآية لا يجد القارئ ارتباطاً بين جملة الشرط والجزاء، ويساعد على ذلك ملاحظة الآيات التي وقعت الآية محل البحث ضمنها، فإن الآية السابقة عليها، تتحدث عن أموال اليتامى، قال تعالى:- (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً)[1]. ومثل ذلك ما جاء بعدها، قال سبحانه: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم)[2]. ولأجل[3] التغلب على عدم الارتباط المتصور بين الشرط والجزاء في الآية الشريفة، عمد هؤلاء الأعلام إلى تقدير فيها، فذكروا بأن هناك محذوفاً وهو النكاح وليس الأموال، ليكون معنى الآية الشريفة: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى عند نكاحهم، وجعلوا القرينة على الوصول للمقدر المحذوف من خلال قوله تعالى في الجزاء:- (فانكحوا)، وسوف يكون مدلول الآية عندها هكذا:

إذا كان الناس الإنسان معتقداً عدم قدرته على العدالة في اليتامى عند نكاحهم، فلا ينبغي له الزواج منهم، وعليه أن يتزوج غيرهن من النساء غير اليتيمات.

 

ولو لاحظنا سنجد أن ما عمله أعلام التفسير في الآية الشريفة يتمثل في أمور ثلاثة:

الأول: تقدير كلمة النكاح فيها كي ما يتحقق الارتباط بين الشرط والجزاء.

الثاني: تفسير كلمة اليتامى الواردة في الآية الشريفة بخصوص الفتيات اليتيمات.

الثالث: تفسير كلمة النساء الواردة فيها بالنساء الأجنبيات.

 

ووفقاً لما تقدم، سوف تكون الآية الشريفة دالة على مشروعية تعدد الزوجات، عمدة ما كان أنها تفيد أنه حال عدم قدرة الإنسان على العدل بين الزوجات اليتيمات، أو التي بعضهن يتيمات، فلا يحق له الزواج منهن، وعليه أن يتزوج من غيرهن.

وهذا يستدعي أن لا يكون للشرط المذكور في الآية الشريفة مفهوم، كما أشار لذلك القرطبي في تفسيره، لأنه لو كان لها مفهوم، فلن يكون مفادها أصلاً موضوعياً دالاً على شرعية تعدد الزوجات.

ومن الواضح، أن تمامية التقريب الناجم من التقدير المذكور تتم حال عدم توفر احتمال آخر في الآية الشريفة يفيد معنى آخر غيره.

 

والذي يمكن استظهاره من الآية الشريفة خصوصاً بملاحظة السياق الذي وردت فيه، ودون حاجة إلى تقدير كلمة النكاح، كما فعله المفسرون، فإنها بصد علاج قضية اجتماعية مفادها، أنه حال وجود امرأة عندها أيتام يحتاجون عناية ورعاية، فمن أجل العناية بهؤلاء الأيتام والقيام برعايتهم وإدارة شؤونهم، فإنه يجوز لكم الزواج من إمهاتهم، ولو كانت زوجة ثانية أو زوجة ثالثة أو زوجة رابعة، وهذا يعني أن تعد الزوجات لغرض القيام بمسؤولية رعاية الأيتام والحفاظ على أموالهم وإدارة شؤونهم.

نعم يعتبر في مشروعية الإقدام على هذه الخطوة كون الشخص المقدم عليها يملك القدرة على القيام بمسوؤلية إدارة عائلتين مثلاً من كافة النواحي المادية والاجتماعية، وما شابه ذلك.

 

وبعبارة أخرى، تعد الآية الشريفة واحدة من مصاديق الأطروحة الإسلامية في عملية التكافل الاجتماعي، وحفظ أفراد المجتمع ممن يحتاجون إلى ذلك من الضعفاء كالأيتام والأرامل، ويظهر هذا جلياً من قوله تعالى:- (وآتوا اليتامى أموالهم)، فإن التعبير المذكور يشير إلى المسؤولية الملقاة على عاتق الكافل لليتيم والوظيفة المناطة به، والتي تتمثل في رعاية شؤونه وبصورة كاملة، فإذا استغنى وبلغ الرشد، وانتفت حاجته لمن يقوم بمسؤوليته، لأنه قد وصل إلى مرحلة يستطيع فيها الاعتماد على نفسه، ويملك القدرة على إدارة شؤونه، والقيام بمسؤولياته، فعندها يعطى أمواله ليتصرف فيها كيف ما يشاء.

 

وبناءاً على هذا الاحتمال لن يكون في الآية الشريفة دلالة على مشروعية تعدد الزيجات مطلقاً ومتى أراد الرجل ذلك وأشتهى، وإنما سوف تكون العملية المذكورة مقيدة بمن أراد أن يتصدى لكفالة الأيتام، والقيام بمسؤولياتهم، وإدارة شؤونهم من حيث التربية والتعليم وما شابه ذلك، لأن الرجل الأجنبي قد يجد في نفسه حزازة من القيام بشؤون اليتامى وتدبير أمورهم، وإدارة شؤونهم، فجاء العلاج بالزواج من أمهاتهم، كي لا يكون هناك ما يمنع من القيام بهذه المسؤولية.

 

ويساعد على القبول بهذا الاحتمال ابتداء الآية الشريفة بالزوجة الثانية، وليس الأولى، وهذا ما يصعب جوابه وفقاً للاحتمال الأول، بخلافه على هذا الاحتمال، لأن الغالب أن يكون المتصدي لإدارة شؤون الأيتام متزوجاً من امرأة لذا سوف تكون أم الأيتام الزوجة الثانية، وقد تكون له زوجتان من أمهات الأيتام، لأنه يتكفل أولادهن، وقد يكن ثلاث نساء، بالإضافة إلى زوجته الأولى.

 

ومنه يتضح منشأ الدعوة في الآية إلى القسط والعدل، والذي فهمه المفسرون أنهم عدل وقسط بين الزوجات الأربع مثلاً اللاتي تزوج بهن الرجل، وذكرت تفسيرات في ذلك لمعنى العدل المراد فيها، فإن المقصود به القسط والعدل في أموال اليتامى، بحيث أنه لا يسوغ لمن تزوج من أم اليتامى أن يستعمل أموالهم في الإنفاق على أمهم التي تزوجها، لأنها أصبحت مسؤولة منه، وهو المسؤول عنها ينفق عليها من أمواله، وليس من أموالهم، ويدل على ما ذكرناه من أن العدل الوارد ذكره في الآية مالي وليس عدلاً عاطفياً، ورود كلمة ألا تعولوا، فإنها لا تنسجم والتفسير الوارد ذكره في كلمات المفسرين، وهذا بخلافه على هذا الاحتمال.

 

والمتحصل، أن الاحتمال الثاني في الآية الشريفة، يفيد عدم مشروعية تعدد زوجات مطلقاً، وإنما حصر ذلك حال وجود حاجة اجتماعية تتمثل مثلاً في رعاية الأيتام وحفظهم والقيام بشؤونهم وتلبية احتياجات أمهم، شرط أن يكون قادراً من الناحية المالية على القيام بنفقة البيت الثاني، لأنه غالباً ما يكون له بيت أول، وليس له الحق في الاستفادة من أموال الأيتام في الإنفاق على أمهم وعليهم بعد زواجه منها.

 

وهذا يعني، أنه لابد من كون الزوجة الثانية أو الثالثة مثلاً أرملة ذات أطفال، فلا يجوز الزواج من الأرملة التي لا أطفال لها، فضلاً عن الأرملة البكر التي فقدت زوجها لتكون زوجة ثانية، أو ثالثة.

وقد حكي هذا القول عن محمد محمد المدني في كتابه.

 

محاكمة المحتملين:

وبعد عرض المحتملين الذين يستظهرا من الآية الشريفة، لابد من العمد إلى ترجيح أحدهما على الآخر لكونه أوضح ظهوراً، وهذا يستدعي ملاحظة الموانع الموجب لرفع اليد عن أحدهما، خصوصاً وأنك قد عرفت أن الاحتمال الأول، وهو الذي اختاره مشهور المفسرين، لو لم يكن جميعهم، قد ذكرت له موجبات الحمل عليه، من خلال ملاحظة الارتباط بين الجزاء والشرط الذي استدعى التقدير، ومن ثمّ تفسير اليتامى باليتيمات، والنساء بالنساء الأجنبيات، ومنع ثبوت مفهوم للشرط.

 

ويمنع من القبول بهذا الاحتمال اعتماده على التقدير لكلمة النكاح، والتي ترتب عليها تفسير كلمة اليتامى باليتيمات، وكلمة النساء بالأجنبيات، لأن ملاحظة سياق الآيات القرآنية الحافة بالآية محل البحث سواء ما تقدمها، أم ما جاء بعدها، يفيد أن الموضوع فيها جميعاً هو أموال اليتامى، وليس نكاحهم، وبالتالي يلزم أن يكون المقدر في الآية محل البحث هو أموالهم، وليس نكاحهم، وعليه، لا موجب لتخصيص كلمة اليتامى الواردة في الآية الشريفة والتي هي جمع يشمل الذكور والإناث، بخصوص الفتيات اليتيمات، كما لا معنى لحمل النساء المذكورة في الآية على النساء الأجنبيات ما يجعل ذكرهن في الآية أمراً أجنبياً عن الموضوع الذي هي بصدد الحديث عنه، بل سوف يكون المقصود بهن أمهات اليتامى، قال تعالى:- (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً* وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) إلى أن قال تعالى:- (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف فإذا دفعتهم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً)[4].

 

وكما أنه لا موجب لتقدير كلمة النكاح في الآية الشريفة، كذلك لا موجب لتخصيص كلمة اليتامى الواردة فيها باليتيمات إلا تقدير كلمة النكاح، لأنه لو بقيت كلمة اليتامى على عمومها الشامل للذكر والأنثى استدعى ذلك جواز نكاح الذكور، وهو باطل بالضرورة الفقهية وإجماع المسلمين، لذا خصت الكلمة المذكورة بهن، ومع انتفاء القرينة الموجبة للتخصيص، تبقى الكلمة على عموميتها وشموليتها الشاملة للذكور والإناث من اليتامى.

 

على أنه لو سلم بما ذكره المفسرون في بيان الآية الشريفة ودلالتها على مشروعية تعدد الزوجات، فإنه لن يكون بينها وبين الآيات الشريفة التي وقعت في سياقها أدنى علاقة ولا ارتباط، ذلك أن موضوع الآيات الحافة بها هو أموال اليتامى ورعاية شؤونهم، وموضوع الآية محل البحث مشروعية تعدد الزوجات، وفي الزواج من أمهاتهم مضافاً للعناية بالأولاد، والرعاية بأمهم أيضاً، وتعويضها ما فاتها من شؤون الحياة الزوجية.

 

ويمنع ثالثاً من قبول ما ذكره المفسرون في دلالتها على مشروعية تعدد الزوجات مطلقاً، اشتمالها على الأمر، وهو قوله تعالى:- (فانكحوا)، فإنه فعل أمر، وهو ظاهر في الوجوب كما قرر في محله، وهذا يقتضي أنه يجب على كل واحد من الرجال أن يتزوج أربع زوجات، وهذا ما لا يقول به أحد، بل الضرورة الفقهية على خلافه.

 

ولهذا عمد المفسرون للتغلب على ذلك، بحمل الأمر على الإباحة، بدعوى أنه أمر وارد في مقام نفي توهم الحظر، وما يكون كذلك يكون ظاهراً في الإباحة لا الوجوب.

 

ولا يذهب عليك، أن هذا حمل للفظ على خلاف ظاهره، وهو بحاجة إلى قرينة وليس في البين قرينة يمكن التعويل عليها، نعم قد يدعى أن القرينة في البين خارجية، وهي الضرورة الفقهية المذكورة، وهو وإن كان حسناً لكنه ليس واضحاً.

والصحيح بقاءه على حاله في ظهوره في الوجوب، نعم ليس الوجوب موجهاً للأفراد بنحو كل فرد فرد، وإنما هو وجوب نوعي موجه للمجتمع جميعاً[5].

 

لا يقال: إن السياق وإن كان حجة عقلائية، إلا أن ذلك فرع إحراز نزول الآيات القرآنية جميعها في مورد واحد، وهذا لا يحرز إلا حال وجد نص من المعصومين.

 

فإنه يقال: يكفي لإحراز وحدة السياق عدم الإشارة إلى تعدد وقت نزول الآيات القرآنية في كلمات المفسرين، إذ لو كان هناك تعدد في وقت النـزول لأشير لذلك في كلماتهم، لأنهم عادة يشيرون لكل ما يرتبط بالآية الشريفة، والذي من ضمنهم ملاحظة وقت نزولها.

 

 

 

[1] سورة النساء الآية رقم 2.

[2] سورة النساء الآية رقم 6.

[3] تضمنت كلمات غير واحد من الأعلام علاج المشكلة المذكورة بجعل الآية محل البحث من الآيات المتشابهات، فلاحظ ما ذكره المحدث الطبرسي(ره) في الاحتجاج، وكذا الفيض الكاشاني(قده) في تفسيره الصافي عند الحديث عن هذه الآية.

[4] سورة النساء الآيات رقم 2، 3، 6.

[5] ثم إن في البين بحثاً قد أشار له المفسرون وهو تحديد عدد الزوجات اللاتي يمكن للإنسان الزواج بهن، والمعروف تحديد عددهن بالأربع، لتفسيرهم قوله تعالى:- (مثنى وثلاث ورباع)، بالثنتين، والثلاث والأربع، ومن ثمّ قالوا بأنه لا يجوز للرجل الزواج بأكثر من أربع نساء بالعقد الدائم، لكن هناك تفسير آخر تضمنته كلمات بعض المفسرين، مفاده أن الآية الشريفة ليست في صدد تحديد عدد الزوجات اللاتي يتزوج بهن، وإنما هي بصدد الإشارة إلى الكثرة دون تحديد لعدد معين، وذلك لأن كلمة مثنى وثلاث ورباع، لا يقصد منها الأعداد اثنان وثلاثة وأربعة، وهذا موافق لما تضمنته مصادر كتب اللغة.

ولما كان البحث عن ذلك خارجاً عما نحن بصدد الحديث عنه، لذا لم نعرض له، ويمكن للقارئ العزيز متابعة ما تضمنته كلمات أهل التفسير، وما اشتملت عليه كلمات أهل اللغة. نعم ما ينبغي التنبيه عليه أنه بناءاً على القبول بعدم كون الآية الشريفة بصدد التحديد في عدد معين، ووفقاً لما أخترنا في دلالة الآية الشريفة من حصر مشروعية التعدد من أجل التكافل الاجتماعي بغرض القيام بكفالة أيتام المرأة الأرملة رغبة في القيام بشؤونهم، ومسؤولياتهم، بالإضافة إليها، فإن التحديد بعدد معين، سوف يكون بيد الحاكم الشرعي، فليس الأمر مفتوحاً على مصراعيه، وهذا يشير إلى وجود نحو من الأحكام الولائية في المقام، والتفصيل أكثر يطلب من بحث كتاب النكاح في الفقه.