26 مايو,2020

المنتظر الحقيقي(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة
المنتظر الحقيقي(1)

 

تختلف طبيعة الحديث عن صاحب الناحية المقدسة المولى الإمام الحجة المنتظر المهدي(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، حسب اختلاف الموضوع والمخاطب، فليس الحديث عن إثبات وجوده الشريف وولادته المباركة، وإمكانية رؤيته، كالحديث عن انتظاره، وصفات المنتظرين له، ومسؤولياتهم، فإن المفترض فراغ أصحاب النوع الثاني من الموضوعات عن مسألة إثبات الوجود وتحقق الولادة، وغير ذلك، وهو يرتقب الظهور المقدس، كمن أتعبه ظلام الليل الدامس، فصار يرتقب طلوع الصبح، وينتظر إشراقة الشمس.

 

وهذا يستدعي أن يكون الحديث عاطفياً تعبوياً، لأنه يتضمن الحديث حول معرفة الإمام(عج)، ومحبته وعشقه ومقاماته.

وليس المقصود من محبته(بأبي هو وأمي)، الاعتقاد بوجوب ذلك، لأن ذلك من الضروريات بمقتضى النص القرآني، قال تعالى:- (قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)[1]، بل المقصود منها شيء آخر.

وليس المقصود من محبته(روحي له الفداء)، مجرد التلفظ اللساني، فإن ذلك أمر سهل لكل أحد.

بل المقصود من محبته(عج)، هو جوهر الحب ولبه وأصل العشق ومعدنه، ومنبت الوله، ومركزه، إنه حب زليخة ليوسف(ع)، بل هو أشد من ذلك وأعظم.

فالمنتظر الحقيقي يحتاج أن يستشعر حضور الإمام(ع) ويستنشق نسيم عبيره الفواح والشوق، بل الهيام إلى لقياه، فلا يقر له قرار، ولا يهنأ له عيش، ولا يهدأ له بال حتى تكتحل نواظره بطلعته الرشيدة وغرته الحميدة.

 

حقيقة الحب:

ومعنى أن يكون المنتظر الحقيقي محباً لصاحب الناحية المقدسة(عج)، أن يحترق قلبه حتى يذوب في هواه، فليس الحب مجرد كلمات منمقة وعبارات مزينة وأحرف مكتوبة، بل هو وجدان وأحاسيس ونبض، كما جسد ذلك أصحاب أبي عبد الله الإمام الحسين(ع) في عاشوراء العشق والمحبة.

فالحب لا تسعه الكلمات، ولا تحيط به الحروف، ولا تستوعبه العبارات، لأنه إحساس وشعور واحتراق وذبول وسهر الليل وفكر في النهار، وشخوص البصر، بانتظار رؤية الحبيب، وذهاب الفكر سعياً لرضاه، وخوض المخاطر في سبيل لقياه.

إن الحب هو حزن القلب وابتسامة الثغر، هو أنين الكتوم وصرخة الموتور، الحب هو تتبع حركات المحبوب وسكناته، والأنس بألم الفراق على أمل اللقاء.

ويمكن تلمس هذا المعنى واضحاً في زيارة آل ياسين التي تضمنت بعث السلام إلى الحبيب في كل حركاته وسكناته:

السلام عليك حين تقوم، السلام عليك حين تقعد، السلام عليك حين تركع وتسجد، السلام عليك حين تحمد وتستغفر، السلام عليك حين تهلل وتكبر، السلام عليك حين تصبح وتمسي، السلام عليك في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى.

 

المنتظر الحقيقي:

وحتى يتسنى للإنسان أن يصل إلى المحبوب، ليكون منتظراً حقيقياً، يلزمه أن يملك صفات تعينه على الوصول إلى الحب الحقيقي والعشق المطلوب:

1-معرفة الحبيب:

وهذا ما يستفاد من النصوص الشريفة، فإنها لم تؤكد على العلم بالحبيب، وإنما أكدت على معرفته، وقد ربطت بين المعرفة والعمل، ولم تربط بين العلم والعمل، وهذا يوحي بوجود فارق بين العلم والمعرفة، مع أن المعرفة فرع العلم وأخص منه.

فالعلم هو عبارة عن انطباع صورة الشيء في الذهن، ولا يلزم من حصوله وجود باعث للحركة والعمل، بخلاف المعرفة والتي فيها جنبة شهودية وكاشفية لتولدها من القلب.

 

معرفة ولي النعمة:

ويمكن معرفة المولى ولي النعمة(عج)، من خلال أمرين:

الأول: معرفة مقاماته(بأبي هو وأمي).

الثاني: معرفة حقوقه على الخلق.

ومن الواضح جداً ترتب الأمر الثاني على الأمر الأول، بحيث كلما ازداد الإنسان معرفة بمقامات الصاحب(عج)) ازدادت حقوقه عليه وكثرت مسؤولياته تجاهه.

 

ولا بأس بالوقوف إجمالاً عند هذين الأمرين:

معرفة مقامات الصاحب:

إن الوقوف على المقامات الخاصة للإمام صاحب الزمان(ع) من الصعوبة بمكان جداً، بل إن ذلك لا يتسنى لكل أحد، لأن المعصوم لا يعرفه إلا معصوم مثله، وهذا يعني أن هناك جملة من الحقائق مرتبطة بولي النعمة(عج)، لا يمكن الوصول إليها، ويستفاد هذا المعنى من ملاحظة الزيارة الجامعة: كلامكم نور، وأمركم رشد، ووصيتكم التقوى، وفعلكم الخير، وعادتكم الإحسان، وسجيتكم الكرم، وشأنكم الحق والصدق والرفق، وقولكم حكم وحتم، ورأيكم علم وحلم وحزم، إن ذكر الخير كنتم أوله وأصله، وفرعه ومعدنه، ومأواه ومنتهاه، بأبي أنـتم وأمي، ونفسي، كيف أصف حسن ثنائكم وأحصي جميل بلائكم.

فقد تدرج الإمام(ع) في بيان بعض الحقائق التي تنطبق على الإمام الحجة(عج)، وقد جعل مراتب الموصوف على ثلاثة أنواع، فقد ذكر تسعة أوصاف كل واحد منها في غاية العظمة يعجز الآخرون عن الاتصاف بها بشكل تام، وبسبب العجز عن الوصول إليها فقد أعطى عنواناً جامعاً، فقال(ع): إن ذكر الخير كنتم أصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه.

ولأن القارئ لن يستوعب حقيقة الإمام(ع): كيف أصف حسن ثنائكم، وأحصي جميل بلائكم.

 

معرفة حقوقه على الخلق:

وقبل الحديث عن الحقوق الثابتة للإمام الصاحب(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، قد يتساءل البعض، عن السبب الداعي للحديث حول معرفة حقوقه على الخلق، والهدف من ذلك؟

ويجاب عن ذلك، بأن الهدف من معرفة الحقوق الثابتة له(بأبي وأمي) على الناس أمران:

1-الكشف عن شيء من مقاماته، ومعرفة الناس بها، ومن ثمّ معرفة الناس به(روحي فداه)، ومن الواضح أن معرفة الحق توجب ازدياد عظمة شخصية صاحب الحق وعلو شأنه ومكانته.

2-زيادة الارتباط بصاحب الحق رغبة في أداء حقه إليه، حتى نتمكن من تقوية أواصر العلاقة مع صاحب الزمان(عج) لابد من معرفة حقوقه الثابتة علينا، ولنشر لبعض منها، ويمكن ملاحظة البقية في كتاب مكيال المكارم:

 

منها: حق الوجود:

ويكفي أن يعرف الإنسان أن الإمام صاحب الزمان(عج)، سبب في وجود الخلق في هذا العالم، فقد ورد في التوقيع الشريف الوارد في الاحتجاج: ونحن صنائع ربنا، والخلق بعدُ صنائعنا.

فهو(ع)، كآبائه(ع) واسطة الفيض في إيصال الفيوضات الإلهية إلى سائر المخلوقات، والعلة الغائية والغرض الحقيقي من خلق جميع ما أنشأه الله تعالى من عالم الإمام، ويشير لهذا المعنى حديث الكساء.

 

ومنها: حق البقاء:

فإن استمرارية الوجود وبقاء عالم الإمكان مرتبط بوجوده الشريف، فقد سئل الإمام الرضا(ع): هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال(ع): لا، قلت: إنا نروي أنها لا تبقى إلا أن يسخط الله عز وجل على العباد. قال(ع): لا تبقى، إذاً لساخت. والظاهر أن الأرض في النص تعبير كنائي عن الحياة، وليس المقصود منه هذا الكوكب الذي نعيش عليه.

 

2-دوام الذكر للحبيب:

وهذا هو المقوم الثاني من المقومات والصفات اللازم توفرها في المنتظر الحقيقي، وهو دوام الذكر للحبيب.

وقد ذكروا أن للذكر أنواعاً ثلاثة يمكن ذكر الإمام المهدي(عج) من خلالها، نعم هي ليست في مستوى واحد من حيث إيجاد رابطة الحب والعشق، بل بينها تفاوت في تحقيق ذلك، والأنواع الثلاثة هي:

الذكر اللساني:

وهو الذكر القولي، ويعتبر هذا النوع من الذكر سبباً لتركيز العلاقة وتعميق الارتباط، مضافاً إلى كونه مقدمة إلى الذكر القلبي.

وليس المقصود من الذكر اللساني مجرد لقلقة اللسان، والتلفظ بالحروف والكلمات دون وعي لمعانيها والتأمل في مضامينها، لأن ذلك لا يجدي نفعاً، فعندما يقول الذاكر: صاحب الزمان، صاحب الأمر، لابد أن يستحضر مقامين من المقامات الثابتة للحجة الصاحب(عج).

 

وهذا يعني أن الذكر اللساني يحقق غرضه متى كان منبهاً للقلب من الغفلة وموقظاً له من النوم وواسطة في تجسيد الألفاظ وتطبيقها عملياً على أرض الواقع.

وقد عرضت النصوص الشريفة جملة من الأذكار اللسانية التي ينبغي على المنتظر الحقيقي الاتيان بها تحقيقاً لهذا النوع من الذكر، وقد تنوعت فجاء بعضها ذكراً زمانياً فيقرأ كل يوم أو في الأسبوع مرة، وجاء بعضها ذكراً مكانياً فيعتبر في قراءته التواجد في مكان محدد كسرداب الغيبة.

 

ومن نماذج الذكر اللساني:

1-دعاء العهد:

وهو من الأدعية التي ينبغي قراءتها كل يوم صباحاً، فقد ورد عن الإمام الصادق(ع) قال: من دعا إلى الله تعالى أربعين صباحاً بهذا الدعاء كان من أنصار قائمنا، فإن مات قبله أخرجه الله تعالى من قبره وأعطاه بكل كلمة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة، ودعاء العهد هو الذي مفتتحه: اللهم رب النور العظيم، ورب الكرسي الرفيع.

2-زيارة آل ياسين:

وهي مروية عن الإمام بقية الله الأعظم خاتم الحجج(عج)، فقد جاء عنه بأبي وأمي: إذا أردتم التوجه بنا إلى الله تعالى وإلينا فقولوا كما قال الله تعالى: سلام على آل يس، السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته، السلام عليك يا باب الله وديان دينه.

3-دعاء الندبة:

ويستحب قراءته في الأعياد الأربعة: الفطر، والأضحى، والغدير، ويوم الجمعة، وهو مروي عن الناحية المقدسة، وقيل أنه مروي عن الإمام الصادق(ع).

4-زيارته(روحي فداه):

وهو ما يزار به كل يوم بعد صلاة الفجر: اللهم بلغ مولاي صاحب الزمان صلوات الله عليه عن جميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها، برها وبحرها.

5-الدعاء له في يوم جمعة:

وهو دعاء مروي عن الإمام الرضا(ع): اللهم ادفع عن وليك وخليفتك وحجتك على خلقك ولسانك المعبر عنك الناطق بحكمتك.

6-الدعاء له في قنوت يوم الجمعة:

فقد روى السيد ابن طاووس(قده) في كتابه جمال الأسبوع، عن الإمام الرضا(ع) أنه سئل مقاتل بن مقاتل: أي شيء يقولون في قنوت صلاة الجمعة. قال: قلت: ما يقول الناس. فقال(ع) لي: لا تقل كما يقولون، ولكن قل: اللهم أصلح عبدك وخليفتك بما أصلحت به أنبياءك ورسلك، وحفه بملائكتك، أيده بروح القدس من عندك، واسلكه من بين يديه ومن خلفه رصداً يحفظونه من كل سوء، وأبدله من بعد خوفه أمناً، يعبدك لا يشرك بك شيئاً، ولا لأحد من خلقك على وليك سلطاناً، وائذن له في جهاد عدوك وعدوه، واجعلني من أنصاره إنك على كل شيء قدير[2].

 

 

 

[1]

[2] مجلة الانتظار العدد 7  بتصرف.