25 سبتمبر,2020

طهارة الإنسان(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

طهارة الإنسان(2)

 

وكيف ما كان، هل يمكن البناء على طهارة الإنسان ذاتاً بحسب الأدلة أولا؟

 

لا يخفى أنه لو بني على الاحتمال الثاني، وهو تمامية الأدلة على طهارة الإنسان ذاتاً، لن يكون هناك حاجة للبحث عن طهارة الكتابي وعدمها، ذلك أن المفروض دخوله تحت عنوان الإنسان، بخلاف ما لو كانت النتيجة البناء على نجاسة الإنسان ذاتاً، فإنه سوف يبحث في استثنائه من ذلك لوجود ما يدل على طهارته.

 

بل حتى لو بني على نجاسة الإنسان ذاتاً، ينبغي أن يصرف البحث إلى إمكانية البناء على العفو عن نجاسة الكافر، للعسر والحرج، ولو في الجملة لمن يعاشرونهم، كمن يعيش في البلاد الغربية، كما صنع ذلك صاحب الحدائق(ره) في شأن الفرق الإسلامية من غير الشيعة الإمامية، لبنائه على نجاستهم، إلا أنه يعفى عنها للعسر والحرج في الاجتناب عنهم، وكما صنعه غيره في شأن أهل الكتاب بعد البناء على نجاستهم، إلا أنه يعسر اجتنابهم، لذا يعفى عن نجاستهم.

 

أدلة القول بنجاسة الكفار:

وقد استدل القائلون بنجاسة الكفار بثلاثة أدلة، الكتاب العزيز والنصوص الشريفة، والإجماع.

 

الاستدلال بالكتاب:

تمسك القائلون بالنجاسة بقوله تعالى:- (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)[1]، وتقريب دلالتها كما في كلام بعض الأعاظم(قده): لقد حكم الله سبحانه وتعالى في الآية المباركة بنجاسة المشركين، وفرّع عليها حرمة قربهم من المسجد الحرام، وذلك لأن النجس-بفتح الجيم وكسره-بمعنى النجاسة المصطلح عليها عند المتشرعة، فإنه المرتكز في أذهانهم، وبهذا نستكشف أن النجس في زمان نزول الآية المباركة أيضاً كان بهذا المعنى المصطلح عليه، لأن هذا المعنى هو الذي وصل إلى كل لاحق من سابقه حتى وصل إلى زماننا هذا[2].

 

وحاصل ما أفاده(ره) أن الآية الشريفة قد وصفت المشركين بالنجاسة، وهذا يشير إلى نجاستهم المادية الذاتية، لأن المقصود من النجاسة في الآية هي النجاسة الاعتبارية.

 

وأتخذ بعض الأعيان طريقاً آخر في تقريب دلالته من خلال الاستفادة من أداة الحصر الواردة في الآية الشريفة، والمصدر الواقع فيها وهو كلمة(نجَس)، وحاصل ما أفاده(قده): إنه ليس للنجاسة حقيقة شرعية ولا متشرعية، وإنما يراد منها معناها العرفي، ولا ريب أن العرف لن يفهم منها شيئاً آخر وراء ما هو المتعارف والمتداول عندهم في ذلك، فإن العرف كان يفهم من النجاسة القذارة والخباثة التي يلزم الاجتناب والابتعاد عنها، ومن الواضح أن المتشرعة يسيرون على ذلك، فيفهمون من مصداق النجاسة أنه ما فيه خباثة وقذارة فيجتنبونه عملاً برأي الشرع، ومع الحصر الموجود في الآية وحمل المصدر على الذات، يتعين أن المقصود هو النجاسة الظاهرية التي تعني النجاسة المصطلحة وهي النجاسة الاعتبارية[3].

 

وقال في زبدة البيان: النجس القذر، ظاهرها حصر أوصاف المشركين في النجاسة، أي ليس لهم وصف إلا النجاسة، فالحصر إضافي بالنسبة إلى الطهارة، أي لا طهارة لهم-إلى أن قال-ويستفاد من الآية أحكام:

منها: كون المشرك نجساً، وتفرع عليه نجاسة ما باشره من المائعات كما ينجس سائر الأشياء بملاقاة النجاسة رطباً، فقوله تعالى:- (طعامهم حل لكم) يراد به الحبوب كما ورد به الرواية، ويحتمل كون المراد حلية طعامهم من حيث إنه طعامهم أي أنه لا يصير طعامهم بمجرد أنه طعامهم حراماً، بل إنما يحرم منه ما نجس بملاقاة النجس فتأمل[4].

 

وقد ذكر الفاضل الكاظمي(ره) أن الذي عليه علماؤنا(قده) أن المراد به النجاسة الشرعية، وأن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وهو الظاهر المتبادر لغة وعرفاً، ويؤيده قوله تعالى:- (ولا تقربوا المسجد الحرام).

ثم إنه(ره) أشار إلى وجود قراءة أخرى في الآية الشريفة، وهي قراءة كلمة نجس بالكسر وليس بالفتح، قال: وقرائة نجس بالكسر التابع غالباً لرجس حتى صار بمنـزلة النص فيه، وخصوصاً عند عدم دليل على خلافه، فيجب الحمل عليه.

ثم قال(قده) بعد ذلك: وهو المروي عن أهل البيت(ع) ومذهب شيعتهم الإمامية[5].

 

دائرة النـزاع:

ومع تضمن الآية الشريفة وصف الشرك، وهو المعنى المعروف والذي تضمنت الآيات الشريفة تعداداً لمصاديقه في غير واحدة من آياته، وهم عبدة الأصنام، وعبدة النجوم، وعبدة الشمس والقمر، وعبدة الحيوانات، فلن تكون الآية الشريفة شاملة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمجوس والصابئة لو عدوا من أهل الكتاب، لعدم انطباق وصف الشرك المذكور في الآية الشريفة عليهم، فإنهم لا يوصفون بأنهم مشركون، وهذا يجعل الآية الشريفة أخص من المدعى، ذلك أن المراد إثباته هو نجاسة الكفار مطلقاً بما فيهم أهل الكتاب، ومع أخذ وصف الشرك في الآية كما عرفت لن تكون شاملة لهم.

 

وإن شئت فقل، إن موضوع الآية الشريفة أخص من الموضوع المراد إثبات المحمول وهو النجاسة له، ذلك أن موضوع الآية كما عرفت هم خصوص المشركين، والموضوع المراد إثبات المحمول له هو الكافر، والذي يشمل الكافر بالتوحيد، وهم المشركون، والكافر بالرسالة المحمدية، وهم أهل الكتاب.

 

ويمكن البناء على شمول مفهوم الشرك المذكور في الآية محل البحث إليهم، بملاحظة مجموعة من الآيات القرآنية والتي يظهر منها بصورة جلية واضحة شركهم، وعدم إيمانهم بالتوحيد لله سبحانه وتعالى، فينطبق عليهم المفهوم المذكور في الآية الشريفة:

 

منها: قوله تعالى:- (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح عيسى بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد). فإن مقتضى جعلهم الله سبحانه وتعالى ثالث ثلاثة، أنهم يجعلون له شركاء، وهذا يعني إنكارهم للتوحيد، فلا يختلفون شيئاً عن المشركين الذين تحدث القرآن الكريم عنهم.

 

ومنها: قوله سبحانه:- (قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتهم الله أنى يؤفكون* اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح عيسى ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون). فإن الظاهر أن غرضهم من جعل أبناء لله سبحانه وتعالى البناء على عبادتهم معه، وهذا يعني عدم توحيدهم للباري عز وجل، فيثبت شركهم.

 

وللمنع من دلالة الآيات الشريفة على الشمول مجال، ذلك أنه يقابلها مجموعة أخرى من الآيات يظهر منها جعل أهل الكتاب قسيماً لمشركين الكاشف عن تحقق المغايرة:

منها: قوله تعالى:- (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة).

ومنها: قوله سبحانه:- (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية)، وقال عز من قائل:- (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينـزل عليكم من خير من ربكم).

وبالجملة، إن مقتضى التنصيص في الآية الشريفة على مفهوم المشركين يجعلها مختصة بغير أهل الكتاب، وعليه، لابد للبناء على نجاستهم الذاتية من التماس دليل آخر غيرها، وهذا يعني اختصاص دلالة الآية الشريفة بعد التسليم بها بأصناف المشركين الذين أشرنا إليهم دونهم.

 

وأما البناء على شمول المفهوم إليهم من خلال ملاحظة واقعهم العقدي، وأنهم بأن المسيح(ع) غير الباري سبحانه وتعالى، إله الكون وموجده، إلا أنه شريك له في الألوهية وجدير مثله بالعبادة، وهذا هو الشرك بالله تعالى، فيدفعه عدم ثبوت أن جميع أهل الكتاب في عقيدتهم بالله سبحانه والمسيح(ع) بهذه الطريقة، ذلك أن بعضهم يعتقد فيه أنه الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يحي ويميت ويرزق ويمنع، ولا يستحق العبادة أحد سواه. وهناك من يعتقد فيه بالحلول، بمعنى أن الله تعالى قد حل في المسيح عيسى(ع)، أو يعتقد فيه بالاتحاد، بمعنى أن الله تعالى والمسيح(ع) شيء واحد، ولا اثنينة بينهما.

 

كما أن بين المسيحين مثلاً من ينكر عقيدة الثالوث ولا يعتقد بها.

 

بل إن ملاحظة الآيات القرآنية المباركة تكشف عن أنه لم يكن المسيحيون فريقاً واحداً في عقيدتهم في عيسى ابن مريم(ع)، فقد قال تعالى:- (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)[6]، ونجده سبحانه يشير إلى فريق آخر في عقيدتهم فيه(ع)، إذ يقول:- (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح عيسى بن مريم)[7]، وقال عز من قائل:- (أأنت قلت للناس أتخذوني وأمي إلهين من دون الله)[8].

 

بل يستفاد من قوله تعالى:- (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات أولئك الصالحين)، صلاح بعض أهل الكتاب، وأن مصيرهم إلى الجنة.

 

 

 

 

[1] سورة التوبة الآية رقم 28.

[2] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 3 ص 38.

[3] كتاب الطهارة ج 3 ص 399-401.

[4] زبدة البيان ص 66، 68-69.

[5] مسالك الإفهام إلى آيات الأحكام ج 1 ص 100-101.

[6] سورة المائدة الآية رقم 73.

[7] سورة المائدة الآية رقم 72.

[8] سورة المائدة الآية رقم 116.