18 يناير,2019

وظيفة المرجعية

اطبع المقالة اطبع المقالة

وظيفة المرجعية

 

لا خلاف بين المسلمين في أن المسؤول عن الإنسان، بل عن كافة الموجودات هو الباري سبحانه وتعالى، فهو الذي خلقها وأوجدها، وله الحاكمية المطلقة عليها، وبيده حق وضع القوانين والتشريعات لها، فليس لأحد القيام بذلك سواه سبحانه وتعالى.

نعم قد دلت الأدلة على إعطائه سبحانه وتعالى هذا الحق للنبي الأكرم محمد(ص)، وآله الطاهرين(ع)، حيث فوض إليهم إدارة شؤون الأمة والعباد، وجعلِ الأحكام والتشريعات، ففي معتبرة الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله(ع)، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب، قال:- (إنك لعلى خلق عظيم)، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل:- (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وإن رسول الله(ص) كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله ثم إن الله عز وجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله(ص) إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز الله عز وجل له ذلك، والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسنّ رسول الله(ص) صوم شعبان وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله عز وجل له ذلك، وحرّم الله عز وجل الخمر بعينها وحرّم رسول الله(ص) المسكر من كل شراب فأجاز الله له ذلك كله وعاف رسول الله(ص) أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام، إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثم رخص فيها فصار الأخذ برخصه واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ولم يرخص لهم رسول الله(ص) فيما نهاهم عنه نهي حرام ولا فيما أمر به أمر فرض لازم، فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخص فيه لأحد ولم يرخص رسول الله(ص) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عز وجل، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً، لم يرخص لأحد في شيء من ذلك إلا للمسافر وليس لأحد أن يرخص شيئاً ما لم يرخصه رسول الله(ص)، فوافق أمر رسول الله(ص) أمر الله عز وجل ونهيه نهي الله عز وجل ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى[1].

ودلالتها على حصول التفويض من الله سبحانه وتعالى إلى رسوله الكريم جلية واضحة، وقد أكد الإمام(ع) ذلك من خلال ذكره جملة من التشريعات التي صدرت عن رسول الله(ص)، بالإضافة لما صدر عن الله سبحانه وتعالى، ما يثبت جعل هذا الحق للنبي الأكرم محمد(ص).

ومثلها في الدلالة أيضاً، ما رواه أبو إسحاق النحوي، قال: دخلت على أبي عبد الله(ص) فسمعته يقول: إن الله عز وجل أدب نبيه على محبته، فقال:- (وإنك لعلى خلق عظيم)، ثم فوض إليه فقال عز وجل:- (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقال عز وجل:- (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله)، قال: ثم قال وإن نبي الله فوض إلى علي وائتمنه فسلمتم وجحد الناس، فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله عز وجل، ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا[2]. وقد تضمن الخبر تفويض رسول الله(ص) في الحق الثابت له في إدارة شؤون الأمة وسياسة العبادة أمر الدين إلى أمير المؤمنين(ع) من بعده.

وقد دل ما رواه محمد بن الحسن الميثمي، عن أبي عبد الله(ع) قال: سمعته يقول: إن الله عز وجل أدب رسوله حتى قومه على ما أراد، ثم فوض إليه، فقال عز ذكره:- (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، فما فوض الله إلى رسوله(ص) فقد فوضه إلينا[3]. على تفويض النبي(ص) أمر ذلك إلى الأئمة المعصومين(ع).

وقد يجعل من موارد التفويض إليهم في أمر الدين، ما جاء عن رسول الله(ص)، وعن أمير المؤمنين(ع)[4]، في شأن صلاة الجماعة، وأنهما عزما على إحراق أقوام في بيوتهم لأنهم قد تركوا الحضور إلى صلاة الجماعة، فعن ابن ابي يعفور، عن أبي عبد الله(ع)، قال: همّ رسول الله(ص)، بإحراق قوم في منازلهم كانوا يصلون في منازلهم و يصلون الجماعة، فأتاه رجل أعمى فقال: يا رسول الله(ص)، إني ضرير البصر وربما أسمع النداء ولا أجد من يقودني إلى الجماعة والصلاة معك، فقال له النبي(ص): شدّ من منزلك إلى المسجد حبلاً واحضر الجماعة[5].

وربما جعل من موارد إعمال ولايتهم التشريعية(ع)، ما صدر عن أمير المؤمنين(ع)، من جعل الزكاة على الخيل العتاق، مع أنها واجبة في خصوص العناوين التسعة المعلومة، وإن كان ذلك خاصاً بزمنه، فقد ورد عن الصادقين(ع): وضع أمير المؤمنين(ع) على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين، وجعل على البراذين ديناراً[6].

وكذا ما صدر عن الإمام الصادق(ع) في زيارة الإمام الحسين(ع) حال الخوف من القتل، وتحريضه على الذهاب إليها، مع أنها من المستحبات، وحفظ النفس من التهلكة من الواجبات، بل من أهمها، فعن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله(ع) قال: قال لي: يا معاوية، لا تدع زيارة قبر الحسين(ع) لخوف، فإن من ترك زيارته رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله(ص) وعلي وفاطمة والأئمة(ع)[7].

وقد فوض الأئمة الأطهار(ع) ما صار إليهم من أمر الأمة والعباد في زمان الغيبة المظلمة، إلى الفقهاء، كما يظهر ذلك من نصوص عدة، فقد ورد عن المولى الإمام أبي عبد الله الحسين(ع) أنه قال: مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء. فإن المستفاد منها أن إدارة شؤون البلاد والعباد تكون بأيدي العلماء، فهم الذين يتصدون لتدبير شؤون الأمة وفق الأحكام والتعاليم الإلهية. بل قد يظهر ثبوت هذه الولاية لهم أيضاً في عصر الحضور وليس في عصر الغيبة فقط، عمدة ما كان تكون ولايتهم في طول ولاية المعصوم(ع).

وجاء عن الناحية المقدسة روحي لتراب حافر جواده الفداء، قوله: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله[8]، حيث تضمن إرجاع الأمة في كل ما يعرض عليها من حوادث وأمور إلى الفقهاء.

شرعية المرجعية وتمثيل الدين:

وقد تحصل مما تقدم، أن منشأ شرعية المرجعية، وتصدي الفقهاء العظام للقيام بمسؤوليات الأمة وبيان الأحكام الشرعية ناجم مما فوض إليهم من قبل الأئمة المعصومين(ع)، كما يظهر أن مسؤولية تمثيل الدين منحصرة فيهم، وليس لأحد سواهم التصدي لذلك، أو القيام به.

وقد اتضح مما تقدم، تعدد مجالات المعصوم(ع)، فإن له حق التشريع والجعل، وله حق الفصل والقضاوة وحل الخصومة بين المتنازعين، كما له حق السلطنة والحكومة والقيادة، وإدارة شؤون الأمة، وينحصر التفويض الحاصل للفقهاء من قبلهم(ع)، في غير الأمر الأول، فليس للفقهاء حق التشريع والجعل والأحكام، ويثبت لهم البقية.

مجالات التفويض والنيابة:

ووفقاً لما تقدم، سوف تكون المجالات المفوض للفقهاء الحق فيها أمور:

الأول: مجال الفتوى:

من المعلوم أن بيان الحلال والحرام وظيفة الشارع المقدس، فليس لأحد القيام به غيره، يقول سبحانه وتعالى:- (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون)[9]، ومقتضى الآية الشريفة، انحصار حق جعل الحلال والحرام، وهو ما يعود لتشريع الأحكام في الله سبحانه وتعالى دون غيره. نعم قد عرفت في ما تقدم، تفويض الله سبحانه وتعالى ذلك للمعصومين(ع)، فيكون لهم الحق في ذلك، وقد فوضوا(ع) ذلك في عصر الغيبة المظلمة للفقهاء، فصار بإمكانهم بيان الأحكام الشرعية، وتحديد الحلال من الحرام، فصار ذلك سبباً لحجية الفتاوى الصادرة عنهم، أطال الله في أعمار الباقين منهم، ورحم الله الماضين. ويدل على ذلك نصوص كالنصوص الإرجاعية، وهي التي تضمنت إرجاع الأئمة الأطهار(ع) الناس إلى مجموعة من الفقهاء في عصرهم، ليأخذ منهم الحلال ويعرف الحرام، ففي رواية الحس بن علي بن يقطين، عن الرضا(ع) قال: قلت لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ منه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم[10]. فقد جاءه الراوي يسأل عن الرجوع ليونس واتخاذه مرجعاً في معرفة الأحكام الشرعية حلاً وحراماً، وقد أمضى(ع) ذلك، وأجاز له الرجوع إليه، ومن الواضح، أنه لا خصوصية لذلك العصر، بل غاية ما يستفاد من النص أنه حال عدم التمكن من الرجوع للمعصوم(ع)، لمعرفة الأحكام الشرعية والوظائف الإلهية، يمكن الرجوع للفقهاء، والأخذ منهم[11].

وفي صحيح أحمد بن اسحاق عن أبي الحسن(ع) قال: سألته، وقلت: من أعامل، وعمن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي، فما أدى إليك عني يؤدي[12]. ومن الواضح أن السؤال عن المعاملة في الشؤون الدينية، والأخذ في الأحكام الشرعية، وقد أرجعه(ع) إلى أحد الفقهاء الثقات، وهو العمري(رض).

وعن علي بن المسيب الهمداني، قال: قلت للرضا(ع): شقتي بعيدة، ولست أصل إليك في كل وقت، فممن آخذ معالم ديني؟ قال: من زكريا ابن آدم القمي، المأمون على الدين والدنيا، قال علي بن المسيب: فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم فسألته عما احتجت إليه[13].

ونصوص الإفتاء في المسجد، كما في رواية أبان التي تضمنت أمر الإمام الصادق(ع) إياه أن يجلس في المسجد للإفتاء، قال(ع): اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك[14].

وفي حديثه(ع) مع معاذ بن مسلم النحوي، قال: بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إني اقعد في المسجد فيجيئني الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون. ويجيئني الرجل أعرفه بمودته وحبكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيئني الرجل لا أعرفه، ولا أدري من هو فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فادخل قولكم فيما بين ذلك، فقال لي: اصنع، كذا فإني كذا أصنع[15].

على أنه يمكن استفادة حجية الفتاوى الصادرة عنه، من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:- (فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)[16]، وقوله سبحانه:- (فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)[17]. وقوله تعالى:- (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)[18]، على أساس أن الفقهاء أيضاً مصداق للإبلاغ عن الله سبحانه وتعالى، فتأمل.

الثاني: مجال القضاء[19]:

ولا يختلف هذا المجال عن سابقه في حاجته للإذن الخاص من مصدر التشريع، لأن المستفاد من قوله تعالى:- (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق)[20]، دلالتها على أن منصب القضاء لا يكون إلا بإذن وإجازة من الله تعالى، فما لم يجز الباري سبحانه وتعالى أحداً فلا يحق له التصدي لذلك. وقد عرفت تفويض الله سبحانه وتعالى ذلك للمعصومين(ع)، ويشير لذلك ما ورد عن أمير المؤمنين(ع) في حديثه مع شريح القاضي، قال(ع): يا شريح، قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي، أو شقي[21].

وكما فوض المعصومون(ع) الفقهاء في المجال السابق أعني الفتوى، فقد فوضوهم أيضاً في مجال القضاء، ففي خبر أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد الله(ع) إلى أصحابنا، فقال: لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر[22].

الثالث: مجال الولاية والإدارة لشؤون العباد والبلاد:

لا ريب في ثبوت ولاية للمعصوم(ع) على العباد في كافة الشؤون المرتبطة بهم سواء في المجال الاجتماعي والحياتي، أم في المجال الاقتصادي والمعيشي أم في المجال السياسي والتدبيري، وقد انتقلت هذه الولاية الثابتة لهم(ع) في زمان الغيبة المظلمة إلى الفقهاء، كما نصت على ذلك نصوص عديدة:

منها: ما تقدم نقله عن الإمام الحسين(ع)، من قوله: مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه[23].

ومنها: ما جاء عن رسول الله(ص) أنه قال: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: إتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم[24]. ولا ريب أن الاستئمان بحسب الظهور العرفي ناظر لكافة شؤونه، ولا أقل المهم منها عادة، ومقتضى اطلاقه، يكون مفهوم الأمانة المذكور شاملاً لمقام الولاية الثابت لهم على الأمة وما يرتبط بها.

ومنها: ما جاء عنه(ص) من قوله في حديث رواه الإمام الصادق(ع): وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر[25]. ومقتضى اطلاقه، انتقال جميع ما كان من شؤون رسول الله(ص) وصلاحياته، ما عدا النبوة إلى العلماء، فيثبت للعلماء ولاية الزعامة، والتصرف والفتوى والقضاء، وأمثالها.

وظيفة المرجعية:

ومع ثبوت الولاية للمراجع العظام بتفويض من المعصومين(ع)، يكون الحديث حول سعة دائرتها، وهذا يؤول في الحقيقة لتحديد الوظيفة المتصورة للفقيه، خلال فترة الغيبة المظلمة، وأنها واسعة فلا تختص ببيان الأحكام الشرعية، وفصل الخصومات والمنازعات، بل إن الفقيه يمثل حاكماً عاماً للناس، ينفذ حكمه عليهم، ويتصدى لإدارة شؤونهم والقيام بمهامهم، أو يبنى على ضيق دائرتها، لتنحصر في خصوص بيان الأحكام الشرعية، وفصل الخصومات وحل المنازعات بين المتخاصمين دون أن يكون للمرجع دور للتدخل في شؤون الناس العامة.

في المقام ثلاثة اتجاهات معروفة:

الأول: وهو ما أختاره بعض الأعاظم(قده)، ونسبه إلى معظم علماء الطائفة، من حصر وظيفة المجتهد في سلطة إصدار الأحكام الشرعية الفتوائية، وحل المنازعات والمخاصمات فقط، وليس له حق حتى في الحكم في الموضوعات الخارجية كثبوت الهلال مثلاً، فلو أصدر حكماً بثبوت هلال شهر رمضان مثلاً لم يكن حكمه نافذاً، ولا يجب على الناس طاعته حتى مقلديه، لأن حكمه ليس حجة عليهم.

الأمور الحسبية:

نعم يثبت له أيضاً الولاية في الأمور الحسبية، وهي التي يقطع بعدم رضا الله سبحانه وتعالى بضياعها، بل يريد من الناس جميعاً حفظها كل بحسبه، كالأوقاف وشؤون القاصرين والغائبين.

وقد يتعدى بعض أصحاب هذا الاتجاه إلى إقامة الحدود.

الثاني: إن الفقيه يملك سلطة الفتيا والقضاء ويملك إصدار الأحكام في الموضوعات العامة، أو الخاصة، ويكون حكمه نافذاً كما يكون حكمه مطاعاً في الأحكام الشرعية، فلو حكم بثبوت الهلال مثلاً نفذ حكمه، وهذا الاتجاه أوسع دائرة من الاتجاه الأول.

الثالث: إن الفقيه لما كان نائباً للإمام المعصوم(ع)، فهو يملك من السلطة ما يملكه الإمام المعصوم(ع)، إلا ما ثبت اختصاصه بالإمام، فله حق الفتيا في الأحكام الشرعية، وله حق القضاء، وفصل الخصومة، وله حق الولاية على الناس، فيجب عليهم الالتـزام بكل أحكامه في شؤونهم العامة والخاصة المرتبطة بالنظام الاجتماعي العام، وهذا مختار مجملة من أعلام الطائفة، كالمحقق الكركي، والفاضل النراقي، وبعض الأعيان(قده)، وهذا هو المعبر عنه بولاية الفقيه العامة.

ولا يخفى مدى الفرق بين الاتجاهات الثلاثة، فإنه وفقاً للاتجاه الأول، لن يكون للمرجعية الدينية التدخل في شؤون الناس العامة من موقع المرجعية، بل يكون ذلك من زاوية الرأي الشخصي كبقية الآراء الأخرى.

أما على الاتجاه الثاني، فإنه وإن أمكن المرجعية التدخل، إلا أن دائرة تدخلها سوف تكون محدودة غير واسعة، وهذا بخلاف الاتجاه الثالث، فإنه يمكن للمرجعية التدخل في كافة الشؤون الحياتية للناس وفي كافة المجالات الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية.

 

 

 

 

[1] الكافي ج 1 كتاب الحجة باب التفويض إلى رسول الله(ص) وإلى الأئمة(ع) في أمر الدين ح 4 ص 266.

[2] المصدر السابق ح 1 ص 265.

[3] المصدر السابق ح 9 ص 268. وللأعلام في بيان معنى تفويض الدين إليهم(ع) محتملات:

منها: ما أختاره صاحب الكفاية(ره)، من أن الموحى به للنبي(ص) هو الأحكام الشأنية، بمعنى أن ما أوحي إليه هو الحكم الذي يكون من شأنه وجود تلك المصلحة أو المفسدة فيه.

ومنها: ما أختاره المحقق النائيني(ره) في أجود التقريرات، من أن المقصود به أن إرادة النبي(ص) تكون موجبة لفعل على المكلف بنفسها، نظير إرادة المولى فإنه لو أراد أمراً كان على العبد امتثاله، لأنه يتأذى بتركه. وله(ره) وجه آخر ذكره.

ومنها: إن الموحى لرسول الله(ص) هو خصوص المصالح والمفاسد دون الأحكام، فعندها يعمدون للتشريع والجعل بأنفسهم على وفق تلك المصالح والمفاسد.

[4] أمالي الصدوق ح 14 ثواب الأعمال ص 232.

[5] تهذيب الأحكام ج 3 ح 73 ص 226. اللهم إلا أن يقال، بأن هذا من مختصات النبي(ص)، شأنه شأن بقية الأمور الأخرى التي ثبت اختصاصه بها، لكن يمنع القبول به ورود ذلك في أمير المؤمنين(ع)، ولم يثبت مشاركة أمير المؤمنين(ع)، له في تلك المختصات. نعم يمكن البناء على أنه من الأحكام الولائية الصادرة في منطقة الفراغ التشريعي. أو لشيء آخر، كما هو مفصل في بحث صلاة الجماعة.

[6] الكافي ج 3 ح 1 ص 530، نعم ربما قيل بأن الصادر ليس حكماً تشريعياً، وإنما هو حكم ولائي سلطاني قد صدر في منطقة الفراغ التشريعي.

[7] كامل الزيارات ح 1 ص 227، ويجري فيه ما يجري في سابقه على فرض استفادة الوجوب منه.

[8] الغيبة للطوسي ص 291، الاحتجاج ج 2 ص 283.

[9] سورة يونس الآية رقم 59.

[10] وسائل الشيعة ج 27 ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 33.

[11] لا يتوهم أحد أنه لا فرق وفقاً لهذا بين ما يصدر من المعصومين(ع)، وبين ما يصدر من الفقهاء، لأن الصادر من المعصومين(ع) يمثل أحكام الله الواقعية، والصادر من الفقهاء، أحكام ظاهرية، قد تصيب الواقع، وقد تخطأه.

[12] المصدر السابق ح 4.

[13] المصدر السابق ح 27.

[14] رجال النجاشي ص 27.

[15] وسائل الشيعة ج 27 ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 36.

[16] سورة التوبة الآية رقم 122.

[17] سورة الأنبياء الآية رقم 7.

[18] سورة المائدة الآية رقم 67.

[19] تضمنت كلمات الأعلام بياناً للفرق بين الفتوى والقضاء، فذكر أن الفتوى من مقولة الإخبار عن الحكم، كالفتوى بتحقق الزوجية بين زيد وهند مثلاً بعد حصول عقد الزواج بينهما. وأما القضاء، فإنه من مقولة الإنشاء، والتي هي فصل الخصومة بين المتنازعين، والحكم الجزئي بالثبوت أو اللاثبوت في مورد المنازعة.

وعن بعض الأعاظم(ره)، التفريق بينهما بأن الفتوى: عبارة عن بيان الأحكام الكلية دون نظر إلى تطبيقها على مواردها. والقضاء: فصل الخصومة بين المتخاصمين والحكم بثبوت دعوى المدعي أو بعدم حق له على المدعى عليه. مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 3.

[20] سورة ص الآية رقم 26.

[21] وسائل الشيعة ج 27 ب 3 من أبواب صفات القاضي ح 2 ص 17.

[22] وسائل الشيعة ج 27 ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 6 ص 139.

[23] مستدرك الوسائل ج 17 ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 16 ص 16.

[24] الكافي ج 1 باب المستأكل بعلمه ح 5 ص 46.

[25] الكافي ج 1 باب ثواب العالم والمتعلم ح 1 ص 34. لا يذهب عليك، أن الميراث في الصحيح بمعناه المجازي، وليس بمعناه الحقيقي، لأن الإرث بمعناه الحقيقي يتوقف إما على النسب أو السبب، وقد لا يتوفر كلاهما في العلماء مع رسول الله(ص)، فيشكل هذا قرينة على ما ذكرناه.

وقد تمنع دلالة الحديث المذكور على المطلوب، بما ذكره المحقق الأصفهاني(ره) في حاشيته على المكاسب، من كون المقصود بالعلماء فيه هم خصوص الأئمة الطاهرين(ع)، استناد لنصوص وردت عنهم(ع) قد تضمنت تفسير العلماء بهم(ع)، فعن أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال: نحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء.

وقد يجاب عنه، بأنه لو احتمل ذلك في بعض النصوص، لكنه لا يجري في المعتبر محل البحث، لأن ما تضمنه من أوصاف في بدايته، يمنع ذلك، فقد جاء فيه: إن من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك به الله طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر. وتفصيل ذلك أكثر يطلب من البحوث التخصصية.